بين التقاطع الشعري والتناص: حين تستدعي الطبيعةُ الغائبَ/تغريد نديم عمران – سوريا

إشراق الخريف –
ذكرى صديق القلب
الذي لا يُنسى
(ديمتري أفييرنوس)قمر أحدب –
يعاودني
وجه أبي
(سامي حمروني)
عندما نقرأ النصين لأول مرة نشعر برابط خفي بينهما و كأنهما قادمان من الجهة نفسها : الطبيعة تتوسط المشهد لتستدعي غائباً، وتتحول اللحظة الحسية العابرة إلى نافذة مفتوحة على الذاكرة. في هايكو الأستاذ ديمتري نجد أن إشراق الخريف يبعث شجناً يوقظ ذكرى صديق لا يُنسى.
وفي هايكو الشاعر سامي ينحت القمر الأحدب بملامحه وجه الأب في عتمة الروح.
لكن، هل يتجاوز هذا التشابه حدود التقاطع العفوي لنصل إلى منطقة “التناص”؟
الواقع أن الأسبقية الزمنية لنص أفييرنوس لا تكفي أبداً للقول إن حمروني قد تأثر به أو اقتفى أثره. استدعاء شخص عزيز عبر مشهد من الطبيعة ليس حكراً على أحد؛ إنه احتمال شعري مفتوح، وتجربة إنسانية خالصة يمكن لاثنين أن يصلا إليها بمعزل عن الآخر، تماماً كما يلتقيان في الشعور بالحنين دون مواعدة مسبقة.
لذلك، تبدو العلاقة هنا أشبه بـ تقاطع دلالي لافت لا تناص مقصود. فالتناص الحقيقي لا يُستشف لمجرد تشابه الصور، بل يحتاج إلى خيوط تؤكد حضور النص القديم في مخيلة النص الجديد.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: إلى أي مدى يمكن أن تتشابه نصوص الهايكو في صورها وومضاتها دون أن تكون إحداها امتداداً للأخرى؟ أين ينتهي التقاطع العفوي الذي تفرضه اللحظة البشرية المشتركة، ويبدأ ذلك التفاعل التناصي الواعي الذي يمكننا الإمساك به نقدياً؟



