من القمر/إنتصار الخشت

لم يكن أخي مجرد أخ، كان قطعةً من ضوءٍ اختارت السماء أن تتركها بيننا، وكان من ذلك القمر الذي لا يكتمل الليل إلا بضيائه، ولا تعرف البيوت معنى الدفء إلا حين يسكنها.
كان أبي حين يحتاج قلبي إلى أبٍ آخر، وكان الحنان حين تضيق الدنيا، وكان الفرح الذي يسبق خطاي إلى الطريق.
كان مثل أبي، يدللني وكأنني ابنته المدللة، وكانت لعبتي المفضلة أن أقف على كفّيه، فيرفعني عاليًا نحو السماء، فتعلو ضحكاتي حتى تكاد تصير صراخًا من فرط الفرح، وأمدّ يدي الصغيرة لألتقط نجمةً بعد نجمة، وكأن السماء كلها صارت في متناول يدي.
لم أكن أعلم أن تلك الكفّين اللتين رفعتاني يومًا إلى السماء ستصبحان ذكرى أرفع إليها قلبي كلما اشتد بي الحنين.
ولم يكن فراقنا الأول هو الرحيل الأخير؛ فقد فارقني فراقٌ صغير يوم ذهب لأداء خدمة الوطن. يومها، ذهبت روحي معه، وتركني جسدي الصغير هنا، يحمل وجعًا أكبر من سنواته. كيف لطفلةٍ أن تعرف وجع القلب؟ وكيف لصدرٍ صغير أن يتسع لكل ذلك الحنين؟ نعم، كان وجعًا شديدًا، كأن شيئًا من روحي اقتُلع ومضى بعيدًا.
كنت ألعب تحت شجرة التوت أمام بيتنا الدافئ، جسدًا وعينان لا تكفّان عن مراقبة الطريق. أترقب عودته، وأفتش في البعيد عن طيفه، وأسأل قلبي الصغير: متى يتحقق الأمل؟ متى أراه مقبلًا بحقيبة سفره، فأركض إليه وأستعيد ما أخذته المسافات مني؟
كنت طفلةً ترفع كفّيها إلى السماء، لا لتلتقط النجوم هذه المرة، بل لترجو عودة البدر إلى سمائنا.
ثم تتحقق الأمنية، ويظهر طيفه من بعيد، فلا تعود قدماي تعرفان الانتظار؛ يركض قلبي قبلي، ويسابق جسدي الطريق، كأن المسافة تضيق فجأةً لتختصرها لحظة الوصول إلى حضنٍ طال انتظاره.
آهٍ، كم تعلقت روحي بك، يا عزيز عيني، يا حبيب قلبي، يا صديق الروح. كنتَ موعد فرحي بعد طول انتظار، وكانت عودتك عيدًا لا يشبه الأعياد.
كان ينتظرني أمام مدرستي، كأبٍ ينتظر ابنته، لا كأخٍ ينتظر أخته. يأتي إليّ في مواعيد امتحاناتي، يحمل الطعام، وكأنما يخشى أن ينشغل عقلي بالأسئلة وينسى جسدي حقه في الحياة. كان يعرف كيف يجعل من أبسط الأشياء عيدًا صغيرًا.
علّمني الصيد، وكيف أصبر حتى تقترب الأماني من شاطئها، وعلّمني ركوب الدراجة، وكيف أوازن خطواتي حين تتعثر بي الطرق. وعلّمني السفر، واتساع الدنيا، وأن وراء كل أفق حكايةً تستحق أن نذهب إليها.
وها هو، بعد كل تلك السنين، يعلّمني درسًا لم أكن أريد أن أتعلمه؛ يعلّمني السهر فيه، والبحث عنه في نجمة بعيدة، وفي وجه القمر، وفي كل ليلة يطول فيها الحنين.
يا أخي، يا بدرًا لم يكن اسمه وحده كاملًا، بل كان حضوره يملأ الحياة اكتمالًا. كنتَ شمسَ نهاراتنا وقمرَ ليالينا، ولم نعرف أن للعتمة كل هذا الاتساع إلا حين غبت. كان وجهك الضاحك نافذةً للفرح، وكانت قامتك الشامخة حكاية عزّ لا تحتاج إلى كلمات.
وثمّة نزيفٌ في القلب، جرحٌ لا يعرف الالتئام؛ كلما ظننت أن الأيام أسبغت عليه شيئًا من السكينة، عاد ينزف من جديد.
صرتُ أمحو من ذاكرتي ذلك الموعد الموجع؛ موعد فراقنا. نعم، لا أريد أن أتذكّر ذلك الموت الموجع، ولا تلك اللحظة التي انطفأ فيها شيء من عمري. ينتابني الهلع كلما اقتربت الذاكرة من ذلك اليوم، وكأن روحي تأبى أن تصدّق أن من كان يملأ الدنيا حولي صار بعيدًا عن يدي.
لكنّك حيٌّ باقٍ يا أخي، حيٌّ في وجداني، في تفاصيل أيامي، وفي كل نبضة تناديك. يا من كنتَ في صبرك أيوب، وفي حسن خُلقك آيةً من الجمال، وفي شموخك قامةً لا تنحني.
أراك في منامي، فأطمئن إلى أن روحك في رحاب رحمة الله، وأنك في جنان ربك تنعّم، بعيدًا عن وجع الدنيا وأثقالها.
ما زلت أراك في تفاصيل عمري؛ في طفلة ترفع عينيها إلى السماء، وفي دراجة تستعيد خطواتها الأولى، وفي طريق سفر ينتظر رفيقه، وفي باب مدرسة ما زلت أتخيلك واقفًا أمامه.
فكيف يغيب من ترك في العمر كل هذه الآثار؟ وكيف يرحل من صار جزءًا من تكوين الروح؟
سلامٌ عليك يا حبيب العمر، وسلامٌ على روحك الراضية، وعلى ضحكتك التي لم يغلق الغياب بابها، وعلى ذكراك التي لا تشيخ.
بدري أنت، لم تفارقني؛ فأنا كلما رفعت عيني إلى السماء وجدتك، وكلما أضاء القمر تذكرت أن لي فيه نصيبًا منك.
أنا أخت البدر كامل…
ولست أقولها فخرًا بالاسم وحده، بل حكاية عمر عشت فيه تحت جناحك، وطفولة رفعتني فيها إلى السماء، وروح ما زالت تعرف طريقها إليك.
أنا أخت البدر… أنا من القمر.



