ما بين الركن والمقام/ناصر ابوعون

مازلتُ أتذكّرُ المرة الأولى، حين خطوتُ إلى باب الملك فهد (رقم 79)، وجدتُ الكعبة قبالتي بجلالها وعظمتها، وتسمّرت قدماي على أعتاب البيت، ونسيت الدنيا، ولولا أحمد المتشبّث بكتفي ما أفقتُ من سكرة النظرة الأولى، وفي الشوط الأول قشَّرتُ ذنوبي المتكلّسة على جلد المعاصي التي ارتدتني ذات غواية وخديعتين، وفي الشوط الثاني خلعت نعلين: نفسي الأمّارة بالدنيا والهوى، وفي الشوط الثالث طفتُ في مدار التوابين داخل محراب الأنوار الأحدية، وتشبثت بأكتاف المعلقين على أستار رضوانه مخافة الغرق في لُجة الدموع الهادرة، وفي الشوط الرابع قبضت قبضة من أثر السائرين إلى الله والموصولين بحبل المغفرة المتدلي من سدرة الرضا؛ فأضاءت روحي مشكاة تشظّت من رحمته، التي وسعت كل شيء؛ وفي الشوط الخامس انقشعت ظلمة الجسد، وانحسرت الروح عن غلالة شفيفة يُطل من خلفها قمر يبدد أمواج العتمة المتناسلة من خيوط الليل النائم في حضن الخطيئة.
وفي الشوط السادس كنتُ خارج توقيت الدنيا حيث تضيع معالم الأمكنة في المسافة ما بين الـ(هنا) المزدحم بالخواء والـ(هناك) الغيبيّ فأنخت ناقتي على أعتاب (سورة التوبة)، وفي الشوط السابع عفّرتُ وجهي ما بين سجدتي سورة (الحج) في (مقام إبراهيم) فاسّاقطت ذنوبي عن كتفين من شقاء، وتوكأت على تسبيحة سقطت من بين شفتي فصارت عصا قبل أن يرتد طرف المحبة أهشُّ بها على نجوم تسرح في المروج المعشوشبة تحت ظلال أشجار التقوى ما بين سهول سورتي (الواقعة) و(الحديد)، وأسوق قُطعان الرضا وانا أتلو وِرْد الصمت إلى هضاب سورة (الحشر) نستضوأ سويا بمصابيح (اسم الله الأعظم)، بحثًا عن الحقيقة التي أفلتت من قبضة اليقين ذات غفلة وإغفاءتين على صدر الدنيا.
وعلى ناصية (الحَجْر الأسعد) فككتُ أوكية قِرَاب العشق لأتزوّد بـ(صِواعٍ) من خشية الله في رحلة إيمانية باتجاه مسار الخلود الأبدي، فنزعت عباءة (الكبرياء الخاوية)، التي ألقاها الشيطان على كَتِفَي -ذات غرورٍ وخديعتين- فتمرغتُ في وحلِ أمسيات التتويج الزائف ونسيتُ من أنا.
بعد الانتهاء من طواف الأشواط السبعة حول الكعبة أخذت أحمد في يدي إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وخلف مقصورة الزجاج قلت له انظر إلى هذا الحجر الذي غاصت فيه قدما سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء -عليهم جميعًا السلام-، إنه حجر هبطت به الملائكة من السماء، بل ياقوتة سماوية أنزلها الله من الجنة؛ ليقف عليها سيدنا إبراهيم -عليه السلام- بقدميه ليناول ابنه النبي إسماعيل الحجارة ليرفع بها قواعد الكعبة المشرفة. وامتثالًا لأمر الله: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾ [البقرة: ١٢٥]، اصطففنا فصلينا ركعتين – رغم الازدحام الشديد -، فأحسستُ وكأنّ شعاع نور يخترق شغاف قلبي، فتذكرتُ قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم –:”إنَّ الرُّكنَ والمقامَ ياقوتتانِ مِن ياقوتِ الجنَّةِ طمسَ اللَّهُ نورَهما، ولو لَم يَطمِسْ نورَهما لأضاءتا ما بينَ المشرقِ والمغرِبِ” [الترمذي: سنن الترمذي، رقم(٨٧٨)]، كما روى جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما- أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: “مَن طافَ بالبيتِ، وسَعى بين الصَّفا والمَروةِ ورَمى الجِمارَ سَبعًا، وصلَّى خلْفَ المَقامِ رَكعتَينِ، وشرِبَ من ماءِ زَمزَمَ غفَرَ اللهُ له ذُنوبَه كُلَّها بالغةً ما بَلغَت” [السخاوي: المقاصد الحسنة، (١١٤٤)].
فلما انتهينا خرجنا من صحن الكعبة إلى المسعى ما بين الصفا والمروة، وتزمزمتُ بماء الحياة، وتوضأت روحي بأنوار التقوى، وكبّر وجداني باسم الباريء، وركعتُ نفسي في الركن اليماني، وطافت أفكاري في أفلاك محبته، وسكبتُ أورادي في أُذن السماء، ووشوشتُ الأرض بخطاياي؛ فهطلت غيوث رضاه، وتندّت الروح برذاذ عفو الله، فوُلِدتُ من جديد، وشممتُ رائحة الجنة، وتشققتْ جلاميد الشقاءِ الجاثمة على صدر التوبة، منذ أن ساخت قوائم الفرس الجامح في بحر رمال الكبائر – ذات عناد ولُهاثين- بحثًا عن عشبة للخلود.



