الشيخ والثرثار/أحمد غانم عبد الجليل

– متى العيد، غدًا أم بعد غد؟
– في يوم لا يُقتل فيه الإنسان داخل أي بلد.
عندما لا يجوع أحد، ولا يتعرى جسد.
عندما لا نسكن الخيام بين أنقاض الذكريات.
ولا يبحث طفل عن بقايا لعبة بين ركام وطن،
أو بقايا فرحة كانت ذات يوم تسكن شفةً مدماة.
عندما لا تتشرد أمانينا، في بلادنا حينًا وفي بلاد الغربة أحيانا.
عندما يعود للوطن معناه، دون راية تُرفع لتصادر صوت الأنين، وتخنق عبرة البكاء.
عندما نتخلى عن الحماسة الجوفاء، تلك التي تمد أعداءنا فرصة للمزيد من القتل، المزيد من الحقد، والمزيد المزيد من الطغيان.
عندما يعود للإنسان حقه في الاعتراض، ليس في وجه الجنون فحسب، بل في وجه من ينصب نفسه أعقل العقلاء.
عندما لا تكون القضية ماركة مسجلة، يحتكرها ذوي الأقنعة، كل قناع بلون، منها الأسود ومنها بصبغة الدماء.
عندما وأكثر من ألف ومليون عندما.
لعلنا عندها نستطيع أن نبصر جميعًا الهلال، في ذات اليوم والساعة، ونستطيع أن نهنئ بعضنا، عسى أن تستجاب دعوات وتكبيرات العيد، دون أن نسمع شهقات وليد لفه كفن الموت قبل أن تهفو نحوه نسمات الحياة.
– كل هذا اللغو لا يعنيني، المهم أن نتحرى الرؤية جيدًا وفق الأحكام الشرعية.
– تحرى يا شيخي الجليل كما شئت، على الأقل هناك ما يمكننا التحري عنه في زمن تمزق فيه الأوطان دون أن يكون لدينا أي علم، وفي خطبة العيد (السعيد) لا تنسى أن تكرر ذات ما كنت تقوله منذ كنتُ صبيًا ينخدع بطيب الأحلام والأمنيات.
وتقَبل الله الطاعات، والدعوات الصالحات، ولنأكل كعك العيد، ونتفرج على بقايا المسلسلات، المنتهية بانتصار الخير، وزواج البطل من أجمل الفاتنات، ونجاة البطلة من الفتن والمؤامرات؛ أما مسلسل أعمارنا فلا أظن أنه سوف ينتهي إلا إذا تخلصنا من…
– من مَن يا ملعون؟ هأنت بدأت تهرفط بأسخف العبارات.
– أعذرني يا شيخنا، فأنا لست أكثر من أحمق يطوحني الجنون. سوف أصمت لكي أريحك من ثرثرة الكلمات، كلمات ساذجة جدًا، لا تليق بمثل هذه المناسبات.
– ومع كل هذا يا طويل اللسان لم نعلم بعد، إن كان العيد غدًا أم بعد غد؟



