عُشّاق/أحمد غانم عبد الجليل

جذبتني من تلابيب عقلي ما إن لمحتُ عينيها البراقتين. سعيتُ وراءها بين تعرجات الأزقة والمنعطفات، وحثثتُ الخطى للحاق بها، والتبحر في قسمات وجهها الموحية. ظننتُ أنني نجحتُ في محاصرتها من جميع الجهات، فضحكت مني باستخفاف، وزاغت عن ناظري طويلًا بين المنحنيات. واراها الليل، ثم أظهرها ندى الصبح. صارت طوع يديّ، وكأنني أمتلكها منذ دهر، لكنها ما لبثت أن تملصت من بين قبضتي كزوبعة ريح، صفيرها موسيقى صدّاحة.
طاردتها في كل مكان، فكانت تتركني منطرحًا على سرير يأسي، يضرجني الإعياء. أتفحصها مليًا كلما شاءت الظهور، وأغوص في تفاصيلها، وأعارك فوضى أمواجها الملتجة بين مدٍّ يتدفق عاتيًا فأشهق له، وجزرٍ أتتبع أذياله الحريرية.
صارت تتقمصني أحيانًا، فلا تجرؤ على مغادرتي ثانية، وأتقمصها أحيانًا أخرى. عرّفتُ أصحابي إليها، وكشفتُ لهم عن خفاياها، وأولجتهم عالمها. كان هوسًا تشاركناه لأشهرٍ طوال؛ تحاورنا، وتنازعنا، وتنافسنا، ثم تشتتنا، ليعود حنوها فيجمعنا من جديد.
كنا نحرص على أن تبدو في أبهى حلّة قبل أن ترسو على خشبة المسرح، حتى وقفنا، كاظمين غيظ أدمعنا، أمام القاعة شبه الخالية من الجمهور.



