حين يصير الفراغ طريقا: فلسفة العبور واستعادة المعنى في قصة عتيقة هاشمي/عبد العزيز الخبشي- المغرب

حين يصير الفراغ طريقا!..
مضت الأيام وكأنها عمر كامل.. كنت أجلس أمام نافذتي.. هذه الإطلالة على الشارع والحياة تدب في جنباته، تجعلني أسبح في عالم لا ينتهي.. كنت أحاول أن أرتب ما تبقى في ذاكرتي من أيام وأحداث.. لكن التواريخ اختلطت علي، وبعض التفاصيل تلاشت كأنها لم تكن.. لم أعد أذكر متى بدأ كل شيء.. ولا في أي يوم تحديدا انشطرت حياتي نصفين: ما قبل، وما بعد..
كل ما أذكره أنني، قبل أيام، كنت أقف على حافة جبل.. كان الليل يملأ المكان.. وأمامي امتدت هاوية عميقة، لا قرار لها..
وعلى الضفة الأخرى، رأيت امرأة.. كانت تقف ثابتة، تنظر إلي وتبتسم.. لم أستطع التعرف إليها في البداية.. حدّقت فيها طويلا.. انتـابني شعور بأنها كانت تنتظر وصولي منذ زمن..
حاولت أن أتبين ملامحها.. وحينها فقط أدركت أنها كانت أنا..
أو هكذا خُيل إلي.. أو ربما كانت النسخة التي كنت أحلم أن أصير إليها.. نعم، تلك التي تؤمن بأن الغد يحمل فرصا أخرى.. تلك التي اشتقت إليها أكثر مما اشتقت يوما إلى أي شخص.. رفعت صوتي وسألتها: كيف أصل إليك؟
وصلني صوتها هادئًا وواضحا.. رغم بعد المسافة الفاصلة بيننا: هناك جسر… مدي قدميك ومري فوقه..
نظرت أمامي، ثم إلى يميني وإلى شمالي، ثم إلى الهاوية.. ما رأيت جسرا!.. كان الفراغ وحده يملأ المكان..
صحت وقد بدأ القلق يتسلل إلى دواخلي: لا يوجد جسر!..
ابتسمت، ثم خاطبتني من جديد: لأنك تبحثين عنه بعينيكِ..
صمت للحظات، ثم أعدت النظر مرة أخرى، لعلني أغفلت شيئًا.. لكن الفراغ نفسه كان ممتدا أمامي، شاسعا ومريبا.. نظرت ثانية إلى قدمي، ثم إلى الضفة الأخرى.. كان الخوف يشدني إلى الخلف.. ويدعوني إلى التراجع..
سألتها مرة أخرى: وماذا لو سقطت؟
ظلت تنظر إلي طويلا.. ثم ردت علي: وماذا لو وصلت؟!
عندها أغمضت عيني.. لم أفكر في الهاوية.. ولا في المسافة التي تفصلني عنها.. ولا في عدد المرات التي حاولت فيها العودة إلى نفسي وفشلت.. مددت قدمي نحو الفراغ.. توقعت أن أسقط.. لكنني لم أسقط!.. فتحت عيني بدهشة!.. كانت قدماي تستقران على شيء لم أتبينه.. شيء صلب يمتد تحتهما.. لم يكن الجسر موجودا أمامي.. كان يتكون أثناء عبوري.. كلما تقدمت خطوة، اختفى من خلفي.. لم يعد عندي مجال للتراجع.. كانت الهاوية ما تزال أسفل قدمي، لم تختفِ، لكنني لم أعد أخافها..
حين وصلت إلى الضفة الأخرى، حيث كانت في انتظاري.. وقفت أتأملها وأتفرس ملامحها.. كنت أرغب في أن أخبرها الكثير.. لكنني لم أفعل.. فقط، ابتسمت حين مدت يدها نحوي، وتشبثت بها.. التفت خلفي.. كان الفراغ ما يزال ممتدا بين الضفتين.. والجسر لم يكن هناك..
تقدم عتيقة هاشمي في نصها القصصي «حين يصير الفراغ طريقا!» تجربة سردية تتجاوز حدود الحكاية المباشرة لتلامس سؤالا فلسفيا بالغ العمق: ماذا يفعل الإنسان عندما يجد نفسه أمام الفراغ؟ وهل الفراغ هو نهاية الطريق، أم يمكن أن يتحول، إلى الطريق نفسه؟ من هنا تنبني القصة على مفارقة فلسفية مركزية: ما يبدو غيابا قد يكون إمكانا، وما يبدو هاوية قد يكون بداية عبور، وما يبدو نهاية قد يخفي ولادة جديدة.
إن قوة النص لا تكمن فقط في حكايته عن امرأة تقف أمام هاوية ثم تعبرها، وإنما في أنه يحول هذه الحكاية إلى استعارة للوجود الإنساني نفسه. فالإنسان، كما يظهر في النص، لا يعيش دائما فوق أرض ثابتة؛ إنه يجد نفسه، في لحظات معينة، أمام أسئلة لا يملك لها جسورا جاهزة: ماذا بعد؟ إلى أين؟ من أنا؟ وهل أستطيع أن أبدأ من جديد؟ ولذلك فإن العنوان «حين يصير الفراغ طريقاً!» ليس مجرد عنوان شعري، بل هو صياغة مكثفة لمفارقة وجودية: كيف يتحول العدم من حالة سلبية إلى إمكانية للفعل؟
تفتتح عتيقة هاشمي نصها بجملة ذات حمولة زمنية ونفسية وفلسفية واضحة: «مضت الأيام وكأنها عمر كامل». فالزمن هنا لا يخضع للقياس الفيزيائي المحايد، وإنما يصبح زمنا داخليا، زمنا تصنعه التجربة الإنسانية. فالزمن الفلسفي ليس بالضرورة هو الزمن الذي تقيسه الساعة؛ فقد تكون لحظة واحدة أثقل من سنوات، وقد يصبح الألم قادراً على تمديد اللحظة حتى تبدو عمرا بأكمله.
ولهذا تقول الساردة: «لم أعد أذكر متى بدأ كل شيء.. ولا في أي يوم تحديدا انشطرت حياتي نصفين: ما قبل، وما بعد». إن «ما قبل» و«ما بعد» هنا ليسا مجرد تقسيم زمني، بل هما انقسام أنطولوجي، أي انقسام في طريقة وجود الذات نفسها. ثمة ذات كانت موجودة قبل التجربة، وذات أخرى تشكلت بعدها. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث؟ وإنما: ماذا بقي مني بعد ما حدث؟ ومن أصبحت بعد أن لم أعد الشخص الذي كنت عليه؟
وهنا يصبح فعل التذكر فعلا فلسفيا أيضا. فالساردة تحاول أن ترتب ما تبقى في ذاكرتها، لكنها تكتشف أن بعض التفاصيل «تلاشت كأنها لم تكن». الذاكرة في النص ليست أرشيفا أمينا، وإنما فضاء هش لإعادة بناء الذات. فالإنسان لا يتذكر حياته فقط؛ إنه يعيد، من خلال التذكر، إنتاج معنى حياته. وما يتلاشى من الذاكرة قد يكون أقل أهمية مما يبقى، لأن ما يبقى هو غالبا ما يمنح التجربة معناها.
أما النافذة التي تجلس أمامها الساردة، فهي أكثر من مكان للمراقبة. إنها حدّ فلسفي بين الذات والعالم. الحياة موجودة في الخارج، «تدب في جنباته»، بينما الساردة تجلس في الداخل وتراقبها. إنها ترى الحياة لكنها لا تشارك فيها تماما. ولذلك تبدو النافذة وكأنها صورة للوعي الإنساني نفسه: نحن نطل على العالم، لكننا لا نستطيع أن نخرج من ذواتنا لنراه كما هو خارج وعينا.
ومن هذا التأمل ينتقل النص إلى الجبل والهاوية. وهنا تنتقل الساردة من التأمل في الحياة إلى مواجهة الوجود. الجبل يمثل العلو والحافة، بينما الهاوية تمثل المجهول والعدم والخوف. والوقوف على الحافة ليس موقفاً مكانياً فحسب، بل هو موقف وجودي؛ إنها اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطرا إلى الاختيار دون أن يمتلك ضمانات مسبقة.
في الضفة الأخرى تظهر امرأة. في البداية لا تستطيع الساردة التعرف إليها، ثم تكتشف أنها «كانت أنا»، أو «النسخة التي كنت أحلم أن أصير إليها». وهنا يكتسب النص عمقه الفلسفي الأكبر. فالآخر الذي ينتظرني في الضفة المقابلة ليس بالضرورة شخصاً آخر؛ قد يكون أنا الذي لم أصبحه بعد. إن الذات هنا تنقسم إلى ذات حاضرة تقف أمام الخوف، وذات ممكنة تقف في المستقبل وتنتظر تحققها.
وهذا يجعل القصة تأملا في مفهوم «الإمكان». فالإنسان ليس فقط ما هو عليه الآن، وإنما أيضاً ما يمكن أن يصير إليه. والذات التي تراها الساردة في الضفة الأخرى هي صورة الإمكان الإنساني: المرأة التي «تؤمن بأن الغد يحمل فرصا أخرى». إن المستقبل في النص لا يأتي بوصفه زمناً قادماً فقط، وإنما بوصفه إمكانية مفتوحة، أي باعتباره مجالا لم تتحقق احتمالاته بعد.
ولهذا تقول الساردة إنها اشتاقت إليها «أكثر مما اشتقت يوماً إلى أي شخص». إن هذا التعبير يكشف أن الحنين الحقيقي ليس دائماً إلى الآخر؛ قد يكون الإنسان أكثر اشتياقاً إلى ذاته التي فقدها منه إلى الأشخاص الذين فقدهم. وهنا تتداخل الفلسفة مع علم النفس: استعادة الذات تصبح شكلاً من أشكال الخلاص.
لكن السؤال الأهم في النص يأتي مع الجسر. تقول المرأة: «هناك جسر… مدي قدميك ومري فوقه». تبحث الساردة بعينيها فلا تجد شيئا. إنها ترى الفراغ فقط. وهنا يضع النص القارئ أمام سؤال فلسفي عميق: هل يشترط وجود الطريق أن نراه قبل أن نسلكه؟
تأتي الإجابة: «لأنك تبحثين عنه بعينيك». هذه الجملة تختصر تحولاً معرفياً أساسياً: هناك أشياء لا يمكن معرفتها بالمشاهدة وحدها، بل لا تُعرف إلا بالممارسة. فالطريق لا يظهر دائما قبل الحركة، بل قد يكون الفعل نفسه هو الذي يكشف الطريق.
وهنا تبرز الفكرة المركزية التي تمنح النص قوته الفلسفية: «كان الجسر يتكون أثناء عبوري».
هذه العبارة تتجاوز معناها الحكائي لتصبح أطروحة فلسفية كاملة. فالإنسان لا يجد دائماً معنى جاهزاً لوجوده، ولا طريقا مرسوما سلفا، ولا ضمانة تحميه من الفشل. إنه يختار، ثم يصنع من اختياره طريقا. إن الطريق في النص ليس سابقا إلى الإنسان؛ الإنسان هو الذي يمنح الطريق وجوده من خلال السير.
ومن هنا يمكن قراءة النص في ضوء الفلسفة الوجودية، دون اختزاله فيها. فالفلسفات الوجودية، على اختلافها، اهتمت بمسألة الإنسان الذي يجد نفسه في عالم لا يقدم له دائماً معنى جاهزاً، ويصبح مطالباً بالاختيار وتحمل مسؤولية اختياره. والساردة هنا لا تنتظر أن يأتي أحد ليبني الجسر؛ إنها تصنعه بخطوتها.
لكن النص لا يقدم الحرية باعتبارها حالة مريحة؛ فالحرية هنا مرعبة، لأنها تعني الاختيار في غياب الضمان. ولهذا تسأل الساردة: «وماذا لو سقطت؟» وهذا السؤال هو سؤال الإنسان أمام الحرية: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو خسرت؟ ماذا لو لم أصل؟
لكن المرأة تجيبها: «وماذا لو وصلت؟!»
هنا يحدث الانقلاب الفلسفي الحاسم. فالمشكلة لم تكن في وجود احتمال السقوط، وإنما في أن الخوف من السقوط كان قد احتكر المستقبل كله. والسؤال الجديد يحرر المستقبل من احتكار الاحتمال الأسوأ، ويفتحه على احتمال آخر: الوصول.
إنها ليست دعوة ساذجة إلى التفاؤل، لأن النص لا يقول إن السقوط مستحيل، وإنما يقول إن إمكان السقوط لا يلغي إمكان الوصول. وهذه نقطة فلسفية دقيقة؛ فالإنسان لا يحتاج إلى يقين كامل كي يتحرك، بل يحتاج أحياناً إلى الشجاعة التي تسمح له بالفعل رغم عدم اليقين.
وعندما تمد الساردة قدمها نحو الفراغ، تتوقع السقوط، لكنها لا تسقط. هنا لا تحدث معجزة بالمعنى التقليدي، لأن الجسر لم يظهر أمامها فجأة. بل إن الجسر «كان يتكون أثناء عبوري». وهذا يعني أن المعجزة الحقيقية ليست في اختفاء الهاوية، وإنما في اكتشاف القدرة على العبور رغم وجودها.
والأهم أن الهاوية لا تختفي بعد ذلك. تقول الساردة: «كانت الهاوية ما تزال أسفل قدمي، لم تختفِ، لكنني لم أعد أخافها». هذه الجملة من أكثر جمل النص نضجاً من الناحية الفلسفية. فالخلاص ليس إلغاء الواقع، وإنما تغيير علاقتنا به. لا تختفي المخاطر، ولا تمحى الذاكرة، ولا تتوقف الحياة عن كونها غير مضمونة؛ الذي يتغير هو موقف الذات منها.
ومن هنا يمكن القول إن القصة لا تتحدث عن «الانتصار على الخوف» بقدر ما تتحدث عن التحرر من سلطة الخوف. فالخوف يبقى موجوداً، لكن لا يعود هو صاحب القرار.
ومن الناحية النفسية، يمثل هذا التحول انتقالاً من ذات مترددة ومنقسمة إلى ذات أكثر تكاملاً. فالمرأة الواقفة في الضفة الأخرى يمكن قراءتها باعتبارها صورة للذات المتصالحة مع نفسها. ولهذا فإن وصول الساردة إليها ليس وصولاً مكانياً، بل هو عودة إلى الذات.
وتزداد هذه الدلالة عمقاً عندما تمد المرأة يدها نحو الساردة فتتشبث بها. إن المصافحة هنا ليست مجرد حركة جسدية؛ إنها صورة رمزية للمصالحة بين نسختين من الذات: الذات التي عانت، والذات التي انتظرت؛ الذات الخائفة، والذات القادرة على الأمل.
أما من الناحية الفنية، فتقوم القصة على اقتصاد شديد في الشخصيات والأحداث. شخصيتان فقط في فضاء رمزي محدود، وحركة واحدة هي العبور، لكن وراء هذه البساطة السطحية حركة داخلية واسعة. وهذا من خصائص القصة القصيرة الحديثة التي تستبدل كثرة الأحداث بكثافة التجربة.
كما أن الحوار في النص قصير، لكنه يؤدي وظيفة فلسفية لا سردية فقط. «لا يوجد جسر!» يقابلها «لأنك تبحثين عنه بعينيك». و«ماذا لو سقطت؟» يقابلها «وماذا لو وصلت؟». إن الحوار في جانب منه حوار بين الخوف والإرادة، وبين الذات القديمة والذات الممكنة، وبين العقل الذي يطلب الضمان والوجود الذي يطالب بالفعل.
أما اللغة، فتتأسس على الوضوح والشاعرية معاً. إنها لا تستخدم المفاهيم الفلسفية مباشرة، بل تجعل الصورة السردية تقوم مقام المفهوم. فالهاوية هي القلق، والجسر هو الإرادة، والضفتان هما حالتان من الوجود، والمرأة الأخرى هي الإمكان، والعبور هو الاختيار.
وتبني القصة عالمها من خلال ثنائيات متقابلة: «ما قبل وما بعد»، الداخل والخارج، الحضور والغياب، الهاوية والجسر، السقوط والوصول، الخوف والأمل، الماضي والمستقبل، الذات المكسورة والذات المستعادة. لكن جمال النص يكمن في أنه لا ينتهي بانتصار طرف على طرف؛ فالهاوية لا تختفي، والخوف لا يموت، والفراغ لا يتحول إلى أرض ثابتة. وإنما تتعلم الذات كيف تتحرك داخل هذا التوتر.
ومن منظور رمزي، لا ينبغي اختزال الهاوية في معنى واحد. يمكن أن تكون الفقد، والوحدة، والانكسار العاطفي، والخوف من المستقبل، والفشل، والأزمة النفسية، أو المسافة التي تفصل الإنسان عن ذاته. إن قوة الرمز تكمن في قابليته للتعدد؛ فكل قارئ يستطيع أن يرى هاويته الخاصة في الهاوية التي صنعتها عتيقة هاشمي.
والأمر نفسه ينطبق على المرأة الواقفة في الضفة الأخرى. يمكن أن تكون الذات المستقبلية، أو الذات الحقيقية التي تم إقصاؤها، أو الأمل، أو الحياة الممكنة. وهنا يتدخل الغموض الفني ليمنح النص مساحة تأويلية، خصوصاً في قول الساردة: «أو هكذا خُيل إلي». فالنص لا يحسم هل ما رأته واقع أم حلم أم إسقاط نفسي، وهذا التردد يثري بنيته الفلسفية لأنه يجعل الحدود بين الواقع والوعي غير مستقرة.
ومن الناحية الثقافية، تستعيد القصة واحداً من أقدم الرموز الإنسانية: العبور من ضفة إلى أخرى. فالإنسان في الأساطير والحكايات القديمة يعبر الأنهار والصحارى والجبال بحثاً عن الخلاص أو المعرفة أو الحياة الجديدة. لكن عتيقة هاشمي تمنح هذا الرمز صيغة حديثة: لا يوجد قارب، ولا جسر مادي، ولا دليل خارجي؛ هناك فقط الذات وإرادتها.
أما اجتماعيا، فيمكن قراءة النص بوصفه تعبيرا عن الإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم كثير التحولات، حيث لم تعد الطرق القديمة تضمن الوصول إلى المستقبل. والمرأة في النص لا تنتظر من ينقذها؛ إنها تستعيد فاعليتها وتصبح هي صاحبة القرار. ومن هنا يحمل النص بعداً تحررياً، لأنه ينقل مركز الخلاص من الآخر إلى الذات.
وقد تبدو بعض الرموز، خصوصا الجسر والهاوية، واضحة نسبياً، وربما كان بالإمكان ترك مساحة أكبر للغموض. لكن وضوح الرمز هنا لا يفسد جماله، لأن القيمة ليست دائماً في إخفاء الدلالة، بل في قدرتها على إنتاج معنى يتجاوز ظاهرها. كما أن الطابع التأملي للنص يبرر شيئاً من المباشرة، لأنه يريد أن يصل إلى القارئ وجدانياً وفكرياً في آن واحد.
ثم تأتي النهاية: «كان الفراغ ما يزال ممتدا بين الضفتين.. والجسر لم يكن هناك». إنها نهاية شديدة الذكاء، لأنها تعيدنا إلى المشهد الأول دون أن تعيد الشخصية إلى حالتها الأولى. المكان لم يتغير؛ الإنسان هو الذي تغير. الهاوية هي نفسها، والفراغ هو نفسه، والجسر غير موجود، لكن المرأة لم تعد تلك التي كانت تقف مرتعبة على الحافة.
وهنا تتجلى المفارقة الفلسفية الكبرى: الجسر لم يكن شيئاً قائماً في العالم، بل كان فعلاً من أفعال الذات. ظهر لأنها تحركت، واختفى لأنها لم تعد تحتاج إليه.
وهكذا يصبح الجسر استعارة للقرار، والعبور استعارة للحياة، والضفة الأخرى استعارة للإمكان، والفراغ استعارة للوجود حين لا يقدم لنا ضماناته. إن الإنسان لا يحصل دائماً على طريق جاهز؛ أحياناً لا يكون أمامه سوى أن يبدأ، ثم يكتشف الطريق وهو يمشي.
إن «حين يصير الفراغ طريقاً!» ليست مجرد قصة عن الخوف والأمل، ولا مجرد حكاية رمزية عن امرأة تعبر هاوية، وإنما هي قصة فلسفية عن الإنسان في مواجهة العدم، وعن الذات وهي تبحث عن معنى بعد انكسار المعنى القديم. إنها قصة عن الزمن حين يتشظى، والذاكرة حين تتداعى، والذات حين تنقسم، والمستقبل حين يتحول من مجهول مخيف إلى إمكانية.
والأعمق من ذلك أن النص يطرح سؤالا فلسفيا حول معنى النجاة نفسها: هل النجاة أن تختفي الهاوية، أم أن نكتشف أننا نستطيع العبور فوقها؟ والجواب الذي تقترحه عتيقة هاشمي واضح وعميق: النجاة ليست في تغيير العالم دائماً، وإنما في تغيير علاقتنا به.
ولهذا فإن أجمل ما في النص أنه لا يعد القارئ بأن الطريق سيكون آمناً، ولا بأن الهاوية ستختفي، ولا بأن الماضي سيمحى. إنه يقدم شيئا أكثر واقعية وعمقا: إمكانية العبور رغم كل شيء.
فبعض الجسور لا تُبنى من الحجر، وإنما من الإرادة؛ وبعض الطرق لا تُرسم قبل أن نسلكها؛ وبعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن نمد أيدينا نحوها؛ وبعض الذوات لا نستعيدها إلا حين نجرؤ على مواجهة الفراغ الذي يفصلنا عنها.
في ختام هذه القراءة، وحين تصل الساردة إلى الضفة الأخرى وتتشبث بيد المرأة التي كانت تنتظرها، فإنها لا تصل إلى شخص آخر بقدر ما تصل إلى نفسها. وهنا يكتمل القوس الفلسفي للنص: بدأت القصة بذات تنظر من النافذة وتحاول أن تجمع شظايا ذاكرتها، وانتهت بذات تعبر الفراغ وتلتقي بذاتها الممكنة.
وهكذا يتحول الفراغ من غياب إلى حضور، والهاوية من تهديد إلى امتحان، والخوف من عائق إلى سؤال، والجسر من شيء مادي إلى فعل، والعبور من حركة في المكان إلى تحول في الوجود.
ولذلك فإن عنوان النص «حين يصير الفراغ طريقا!» ليس مجرد استعارة جميلة، وإنما هو خلاصة الرؤية الفلسفية التي تحملها تجربة عتيقة هاشمي: حين لا تجد الطريق، لا يعني ذلك بالضرورة أنه غير موجود؛ قد يعني فقط أنك لم تخطُ الخطوة الأولى بعد.
فالحياة، كما يوحي النص، لا تمنحنا دائما جسورا نعبرها؛ أحيانا تطلب منا أن نثق بأنفسنا، وأن نمد أقدامنا نحو الفراغ، لأن الجسر لا يكون موجودا إلا بقدر ما نمتلك شجاعة العبور.



