السميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايل
ترى القراءةُ الأشيع أن السطر الأخير يُقرَأ بوصفه سؤالًا بلاغيًّا، ما يوحي بأن نحوَ القصيدة البلاغي ونحوَ نسيجها الثيماتي المُترابط يُقدِّمان قراءةً متناغمة تمتدُّ من السطر الأول إلى السطر الأخير، وتقدِر على تفسير تفاصيل النص كلها. ومع ذلك، يمكن بطريقةٍ مُماثلة قراءة السطر الأخير قراءة حَرْفية بدلًا من القراءة المجازية؛ يمكن قراءته بوصفه إثارةً — بشيء من الإلحاح — لسؤالٍ أثرناه سابقًا في داخل سياق النقد المعاصر: ليس أن العلامة والمرجع يُلائم أحدهما الآخر ملاءمةً تامَّة، بطريقة تمحو الفرق بينهما أحيانًا، بل الأصح: بما أن العنصرَين المختلفَين جوهريًّا — العلامة والمعنى — مُضفَّران على نحوٍ يَصعب حلُّه في «الحضور» التصويري الذي تمضي إليه القصيدة، فكيف يُمكننا، على أي حالٍ، اصطناعَ الفروق التي تَحمينا مِن الوقوع في خطأ المُطابقة بين ما لا يمكن أن يتطابق؟ إنَّ الشرح الذي يُعيد صياغةَ معنى القصيدة بألفاظٍ أخرى، وتَعوزه الأمانةُ، يُوحي بأن القراءة الحَرْفية ليست بالضرورة أيسرَ مِن القراءة المجازية، مثلما كانت الحال في مِثالنا الأول. فالقراءة المَجازية التي تفترِض، ها هنا، أن السؤالَ بلاغيٌّ قد تكون قراءةً ساذجة، في حين تُفضي القراءةُ الحَرْفية إلى تعقيدٍ أكبر في التيمة والتعبير. فما يَثبُت في النهاية مؤدَّاه أن المُخطط الكامل الذي تُقِيمُه القراءةُ الأولى يُمكن أن يتآكل، أو يتفكَّك، بواسطة القراءة الثانية التي يُقرَأ فيها السطرُ الأخير حَرْفيًّا — ما دام الراقص والرقصة ليسا شيئًا واحدًا — بوصفه معنًى ربما يكون مفيدًا. ولعلَّها ضرورةٌ يائسة؛ الحديثَ عنهما كلٍّ على حِدَة؛ لأن رنين السؤالِ مُلِحٌّ: «مِن فضلك أخبِرني: كيف يُمكنني تمييز الراقص من الرقصة؟» غير أن هذه القراءة ستستبدِلُ بقراءة كلِّ تفصيلةٍ رمزية تفسيرًا غير مُتناغم. إن وحدة الجذع والورقة والزهرة التي كانت تروق لجوته Goethe، على سبيل المِثال، تحلُّ محلَّها شجرةُ الحياة Tree of Life التي كثيرًا ما يُعاد تأكيدُها بشكلٍ أقلَّ من تأكيد أساطير المابينوجيون Mabinogion التي تظهر في قصيدة «حَيْرة» Vacillation؛ حيث تتَّحد فيها الزهرةُ النارية بالورقة الأرضية، وفي الوقت نفسه تنفصلان، بواسطة الإله آتيس God Attis المَخْصي المقهور، ولا يُمكننا القول إن جسدِيَّتهما «لا تخدش سعادة الروح». ويكفي هذا التلميح للإيحاء بأن القراءتَين المترابطتَين تمامًا والمتناقضتَين تمامًا، في الوقت نفسه، تتوقَّفان على سطرٍ شعري واحد تخلو بنيتُه النحوية من الغموض إلا أن صيغته البلاغية تُحوِّل حالةَ القصيدة وتقلب طريقتَها رأسًا على عقب. ولا يُمكننا القول، كما قُلنا في المثال الأول، إن القصيدة تنطوي على معنيَين يتعايشان معًا ببساطة. إذ لا بد أن تكفل القراءتان إحداهما الأخرى بعمليةٍ من التقابُل المباشر؛ ما دامت القراءة الأولى هي الخطأ الدقيق الذي تستنكِره القراءةُ الأخرى، وعليها أن تُبْطِلَها. على أي حال، من الصعب علينا اتخاذ قرارٍ سديد بأيٍّ من القراءتَين تسبق الأخرى، فإنْ غابت إحداهما لن توجَد الأخرى؛ فلا رقصة مِن دون راقص، ولا علامة مِن دون مرجع. ومن جانب آخر، تتولَّد سلطة المعنى المرجعية عن البِنية النحوية التي يُخفيها إخفاءً تامًّا ازدواجُ الوجه البلاغي الذي يَحتجُّ على تَمايُزٍ يُلْغِيه.
ليست قصيدة ييتس «عن» أسئلةٍ بلاغية بل عن صورٍ أو استعارات، وعن إمكان اللقاء بين تجارب الوعي مثل الذكريات أو الانفعالات — ما تُسمِّيه القصيدةُ ألمًا وتقوى ووجدانًا — وكياناتٍ يُمكن الحِسُّ بها مثل الأجساد أو الأشخاص أو الأيقونات. نعود، الآن، إلى نموذج الداخل/الخارج الذي بدأنا منه والذي تضعه القصيدة موضع المساءلة من خلال وسيلةٍ تركيبيةٍ (السؤال) لها أثرُها في المستوى النحوي والبلاغي معًا. من المؤكد أن الزوج نحو/بلاغة لا يُمثل تضادًّا ثنائيًّا بما أن أحدَهما لا يستبعِد الآخرَ، فهذا الزوج يُعطِّل نموذجَ التناقُض الجدلي الصافي بين الداخل والخارج ويُشَوِّش عليه. وبمقدورنا تحويل هذا المُخطط إلى فعل قراءةٍ وتفسير. إذ عبر القراءة التي نقوم بها فإن داخل النص الذي كان غريبًا علينا في البداية صار يُشكِّلنا، الآن، عبر فعل الفَهْم. غير أن هذا الفَهْم يُصبح، في الحال، تَمثيلَ معنًى في خارج النص. وبمصطلحات أوستن، يُصبح فعلُ الكلام الإنجازي illocutionary speech act فعلَ كلامٍ تأثيريًّا perlocutionary actual act، وبمُصطلحات فريجه Frege يُصبح المرجعُ Bedeutung معنًى Sinn. إن سؤالنا المُلِحَّ هو إذا ما كان هذا التحويل يجري التحكُّم فيه دلاليًّا على طول السطور الشعرية النحوية أم على طول السطور الشعرية البلاغية، وهل تُوحِّدُ استعارةُ القراءة توحيدًا واقعيًّا بين المعنى الخارجي والفَهْم الداخلي، بين الفعل والانعكاس، في إطارٍ كُلي مُستقل بذاته؟ تنطوي إحدى فقرات بروست على تأكيدٍ قوي ومُوحٍ بهذا الخصوص؛ حيث تُوصَف تجربةُ القراءة في حدِّ ذاتها بأنها عملية توحيد. تَصِف هذه الفقرةُ مارسل الشاب قُرب بداية الجزء المُعنون ﺑ كومبريه Combray، وهو يقرأ مُنعزلًا في غرفته المُغلقة. ويختلف هذا المثال عن الأمثلة السابقة؛ إذ لن نُعالج فيه البنية النحوية التي تقوم بدورٍ بلاغي إلى جانب دورها النحوي، بل البنية النحوية التي تقوم بعملية التمثيل وإضفاء الطابع الدرامي من خلال تجربة الذات والبنية البلاغية في آنٍ. في هذه الفقرة، يضفي بروست — كما هي الحال في فقراتٍ عديدة — طابعًا دراميًّا على المجازات عبر تصوير المناظر الطبيعية أو وصف الموضوعات وصفًا تفصيليًّا دقيقًا. والوجه البلاغي الذي يكتسِب طابعًا دراميًّا هنا هو الاستعارة؛ حيث يُمثَّلُ التجاوبُ بين الداخل والخارج عبر فعل القراءة، ويأتي مشهدُ القراءة في الذروة مِن سلسلة الأفعال التي تحدث في أماكن مُغلقة بما يؤدي إلى «برودة مُظلمة» في غرفة مارسل.
تمدَّدتُ على سريري في غرفتي المستورة عن الأعيُن، ومعي كتاب. كنتُ أرتعشُ بسبب لسعة بردٍ خفيفة تنبعث عن شمس الأصيل، وقد لاحت من خلف أشرعة النافذة المواربة ومضةٌ من ضوء النهار تتسرَّب يائسةً خلال الأشرعة الصفراء وتبقى ساكنةً بين الخشب والزجاج، وكأنها فراشة تُرفرِف محاولةً التخلُّص من وضعٍ حرج. لم يكن يوجَد ضوءٌ كافٍ للقراءة، لكن منحني الشعورَ بوجود ضوءٍ باهرٍ الضجيجُ الذي كان يُحدِثه كاموس … وهو يطرق على صناديق مُتربة، فيُرجِّع الصدى هواءً رنَّانًا يُضفي تميُّزًا على هذا الطقس الحار، طرقاته تبدو مِثل ومضة نجومٍ قرمزية. وقد أضفى التميزَ على هذا الجوِّ الحارِّ ذبابٌ يعزف موسيقاه الخاصة، كونشيرتو. الذباب يعزف موسيقى الصيف في غرفتي فيُثير الذكريات في نفسي، ذكريات ترتبط بالصيف ويزيد مِن ارتباطها به أنها آتية من الأيام الجميلة، عودتهم وحدَها هي التي تُعيد إلى ذكرياتي الحياةَ من بعد موات، ذكريات تنضح بشيءٍ من جوهرِهم فلا تكتفي بإيقاظ صورهم في ذاكرتي بل تضمن عودتَهم وحضورَهم الفعلي، مُتصلًا بلا انقطاعٍ ولا وساطة. عزف الذباب يُثير كل هذا، ولا يُثيره النغمُ البشَري الذي أسمعه مصادفةً خلال الصيف.
تتولَّد البرودة المُظلمة في غرفتي عن ضوء الشمس المُشِعِّ في الشارع، على هيئة ظلِّ أشعة الضوء. برودة مُظلمة لكنها نَيِّرة، تمنحني القُدرةَ على رؤية الصيف رؤيةً كليَّة، في حين أن مشاعري تجاه الصيف لو كنتُ ماشيًا تجعلني أستمتعُ به على هيئة شذرات. رؤية الصيف بشكلٍ كلِّي تتناغم مع استرخائي الذي يُغذِّيها (وأشعرُ بالعرفان للمغامرات التي أُطالعها في كتابي، والتي تزيد من شعوري بالسكينة والهدوء)، إنه استرخاء يُشبه سكون يدٍ بلا حركة في وسط جدول مياهٍ جارية، فيضان من الحيوية متحرِّك ومهتز. (في الطريق إلى سوان. باريس: بالياد، ١٩٥٤م، ص٨٣)
تماشيًا مع غرَضنا الحالي، فإن السِّمة اللافتة في هذه الفقرة هي تجاور اللغة البلاغية figural واللغة البلاغية الشارحة metafigural. تتضمَّن الفقرةُ استعاراتٍ مُغوية تتلاعب بتشكيلةٍ من الموضوعات التي تفرض نفسها: غرفة موسيقى، فراشات، نجوم، كتب، جداول مياه جارية … إلخ. وتندرِج هذه الموضوعات — في سياق الفقرة — ضمن عملياتٍ من تصوير النار والماء مبهرة. غير أن الفقرة تُعلِّق أيضًا تعليقًا مِعياريًّا على الطريقة المُثلى لتحقيق تلك التأثيرات، وبهذا المَعنى تنطوي على بُعدٍ بلاغي شارح؛ فهي تكتب بشكلٍ بلاغي عن الصورة البلاغية، فتقابل بين طريقتَين من طرق تصوير الخبرة الطبيعية بالصيف على نحوٍ نابض بالحياة، كما تنصُّ بوضوح على تفضيل إحدى هاتَين الطريقتَين على الأخرى: «العلاقة الضرورية» التي تربط طنين الذباب بالصيف في وحدةٍ تجعل الطنينَ رمزًا مؤثرًا أكثر من النغم المسموع «بالمصادفة» أثناء الصيف. ويُعبِّر عن هذا التفضيل فرقٌ يتجاوب مع الاختلاف بين الاستعارة metaphor والكناية metonymy، بين الضرورة والمُصادفة؛ بما يُهيِّئ طريقًا مشروعًا للتمييز بين التشابُه analogy والتجاور contiguity. فالدلالةُ على التطابق والكلية التي هي قوام الاستعارة أمرٌ يفتقر إليه التجاورُ الكنائي المُترابط بشكلٍ محض: إن مبدأَ الحقيقة مُتضمَّنٌ في اعتبار أخيل Achilles أسدًا، لكن لا حقيقة في اعتبار السيد فورد Ford موتور سيارة. هذه الفقرة عن أفضلية الاستعارة جماليًّا على الكناية، غير أن هذا الادعاء الجمالي تُشَيِّدُه تصنيفات categories هي الأساس الأنطولوجي في النسَق الميتافيزيقي الذي يسمح لما هو جمالي أن ينشأ بوصفه مقولة category. والاستعارة التي تُعبِّر عن الصيف (والتي تُجَمِّلها بحِسٍّ مُتزامِن «غرفة موسيقى» الذباب) تضمن حضورًا — بصرف النظر عن كونه مشروطًا — من الممكن القول إنه جوهري ومتواتر من دون أن تكون التصويراتُ أو التمثيلات اللغوية واسطةً إليه. وأخيرًا، لا تظهر استعارة الحضور — في القسم الثاني من الفقرة — بوصفها أساس الإدراك فحسب وإنما بوصفها أيضًا أداء فعل، وهو الأمر الذي يَعِدُ، مِن ثمَّ، بتسويةِ أشدِّ التناقُضات تمزُّقًا. وعليه، قد يبدو توظيف قوة الاستعارة غيرَ صافٍ إلى حدٍّ يضعها موضع السؤال.
وبقليلٍ من الاستبصار، يتَّضح أن النص لا يفي بما يَعِدُ به؛ فقراءة الفقرة بلاغيًّا تكشف عن أنَّ الممارسة البلاغية ونظرية البلاغة الشارحة لا يلتقِيان، كما تكشف عن أن تأكيد سيادة الاستعارة على الكناية يَدين بقُدرتها على الإقناع إلى استعمال البِنيات الكنائية. وقد قمتُ بتحليلٍ من هذا النوع في سياقٍ أوسع في مقالي قراءة (بروست).٤ أما في هذه المرحلة فأنشغلُ بالنتائج أكثر من الانشغال بالإجراءات؛ لأنَّ مَقولات الحضور والجوهر والفعل والحقيقة والجمال — وهي مقولات ميتافيزيقية — تتأثر بمِثل هذه القراءة. ويتَّضح ذلك من قراءة رواية بروست قراءةً شاملة، أو يتضح على نحوٍ أكبر في أعمال فيلسوف ذي لغةٍ واعية مثل نيتشه، وهو الفيلسوف الذي كان عليه أن يهتمَّ بالعواقب الإبستيمولوجية المُترتِّبة على إغواءاتٍ بلاغية من ذلك النوع الذي تُمثله فقرةُ بروست. ومِن المُمكن تبيان أن انتقاد مقولات الميتافيزيقا الرئيسة انتقادًا نسقيًّا — أي انتقاد مفاهيم السببية والذات والهُويَّة والحقيقة المرجعية والحقيقة المُوحَى بها … إلخ؛ وهو الانتقاد الذي اضطلع به نيتشه في أعماله الأخيرة — يوجَد بالتوازي مع النموذج ذاته من التفكيك الذي يقوم به نصُّ بروست، ومِن الممكن أيضًا إيضاح أن هذا النموذج يتجاوب تجاوبًا كاملًا مع ما قام به نيتشه من وصف بنية المجازات البلاغية الرئيسة في نصوصه السابقة على كتابه إرادة القوة The Will to Power بأكثر من خمسين عامًا. ومفتاح انتقاد الميتافيزيقا هذا، الذي هو إيماءة متواترة على طول تاريخ الفكر، هو نموذج بلاغي للمجاز، أو هو الأدب لو شاء المرء أن يُطلِق عليه هذا الاسم. وما يَثبُت في النهاية، أنَّنا بهذه التدريبات التعليمية الفاحصة البسيطة نُقامر — في حقيقة الأمر — برِهانات ضخمة.
لذا، من الضروري معرفة التضمينات اللغوية من خلال قراءة هذا النمط قراءةً واعية بلاغيًّا، والنمط المقصود، هنا، هو الذي عالجناه على مستوى فقرةٍ قصيرةٍ من رواية؛ ذلك النمط الذي يُوسِّع نيتشه من حدوده ليشمل نصَّ الفكر الهِيلِّيني بأكمله. إن مِثالَينا الأول والثاني يُعالجان أسئلةً بلاغية تُضفي على النحو طابعًا بلاغيًّا؛ أي الوجوه البلاغية figures التي تُولِّدها نماذج معيارية تركيبية syntactical paradigms، في حين يبدو من الأفضل القول إن المِثال الذي أخذناه عن رواية بروست يُضفي طابعًا نحويًّا على البلاغة. وبالانتقال من بِنية إحلالية paradigmatic structure تتأسَّس على الاستبدال كما هي الحال في الاستعارة، إلى بِنية تركيبية syntagmatic structure تتأسَّس على الارتباط الشرطي كما هي الحال في الكناية — يتَّضح أثر مظهر الصِّيَغ النحوية الآلي المُتكرر، وهو أثر فاعل في فقرةٍ يبدو من الوهلة الأولى أنها تحتفي بإبداعية الذات التلقائية المُعتدَّة بنفسها. من المفروض في الصور البلاغية أن تكون إبداعيةً، أن تكون ثمرةَ موهبة فذَّة كبيرة، في حين أنه ما مِن أحدٍ يدَّعي فضلًا في نموذج النحو المبرمج آليًّا. كذلك تكشف قراءتنا فقرة بروست عن أنه حين توجَد دعاوَى ضخمة تُعزِّز مقدرة الاستعارة على التوحيد فإن هذه الصور عينها تستند — في حقيقة الأمر — إلى استعمال نماذج نحوية شِبْه آلية استعمالًا مُضلِّلًا. إن تفكيك الاستعارة وتفكيك النماذج البلاغية كلها من قبيل المحاكاة mimesis أو الجِناس paronomasia أو التشخيص personification التي تستعمل الشَّبَه وسيلةً لتمويه الاختلافات تردُّنا إلى الانضباط الموضوعي غير الشخصي impersonal في النحو والسميولوجيا المُستمدَّة مِن نماذج النحو. وتُسائِل هذه القراءةُ سلسلةَ المفاهيم جميعها التي تُشكِّل أساسَ أحكام القيمة في خطابنا النقدي: استعارات الأوَّلية أو التفوُّق واستعارات تاريخ التكوين أو النشأة، والأهم من ذلك استعارات سلطان إرادة الذات المُستقلة.
ومن ثمَّ، يبدو أنه يوجَد اختلافٌ بين ما أُسمِّيه إضفاء الطابع البلاغي على النحو (كما هو حاصل في السؤال البلاغي) وإضفاء الطابع النحوي على البلاغة كما هو حاصل في قراءات النمط الذي تصِف معالِمَه فقرةُ بروست. وينتهي إضفاء الطابع البلاغي على النحو إلى عدَم التعيين، وإلى شكٍّ مُعَلَّق لا يقدِر على الاختيار بين طريقتَين في القراءة، في حين يبدو أن إضفاء الطابع النحوي على البلاغة يصِل إلى حقيقةٍ، وإنْ يكن بطريقٍ سلبي يكشف عن الخطأ والادعاء الكاذب. وبعد قراءة فقرة بروست قراءةً بلاغية، لم نَعُد نثِق في التأكيد — الذي تُعلن عنه هذه الفقرة — المُتعلق بتفوُّق الاستعارة ميتافيزيقيًّا وجوهريًّا على الكناية. ويبدو أننا ننتهي إلى حالةٍ من الثقة السلبية التي هي ثمرة الخطاب النقدي بدرجةٍ كبيرة. وعلى سبيل المثال، يوجَد نصٌّ آخر في رواية بروست يستجيب تمامًا لتطبيق هذا النموذج تطبيقًا واسعًا: فكما تتكرَّر إيماءاتٌ مُشابهة على طول الرواية عند مفاصل حاسمة أو عند الفقرات التي تنطوي على ادعاءاتٍ ميتافيزيقية وجمالية ضخمة — مشاهد التذكُّر اللاإرادي، النقاش بحرية مع إلستر، سباعية فنتويل الموسيقية، تَلاقِي المؤلف والسارد في نهاية الرواية — تتكشَّف أيضًا شبكةُ التيمات والشبكة السميوطيقية اللتان بمُقتضاهما ينبني السرد بأكمله واللتان تظلَّان محجوبتَين عن قارئٍ يأسره ارتباكٌ استعاري ساذج. وسيستجيب الأدب كلُّه بطريقةٍ مشابهة، برغم اختلاف التقنيات والأساليب من مؤلفٍ إلى آخر، وهو اختلاف لا بدَّ من وضعه في الحسبان على أي حال. وما مِن سببٍ يَحول أبدًا دون تطبيق هذا التحليل الذي اقترحتُه بخصوص بروست على ميلتون Milton أو دانتي Dante أو هولدرلن Hölderlin، مع تعديلاتٍ مناسبة في التقنية. وفي حقيقة الأمر، تلك مهمة النقد الأدبي في السنوات القادمة.
ظاهرُ كلامِنا أن النقد هو ما يقوم به الأدب من تفكيك، ويمكن وصفُه إيجازًا بأنه نحوُ أشكال الغموض البلاغي grammar of rhetorical mystifications شديد الصرامة. وإذا بَقينا إلى جوار نيتشه بوصفه فيلسوف هذا النوع من التفكيك النقدي، فسيغدو الناقدُ الأدبي حليفَ الفيلسوف في نضاله مع الشعراء. وسيفترق النقد والأدب عند المحور الإبستيمولوجي الذي يُمايِز بين النحو والبلاغة. ومِن اليسير، عندئذٍ، إدراكُ أن هذا التمجيد الواضح للناقد الفيلسوف باسم الحقيقة، هو في حقيقة أمره تمجيد الشاعر بوصفه أول مصدرٍ من مصادر هذه الحقيقة؛ إذ حين تكون الحقيقةُ إدراكَ خصيصةٍ نسقية في نوعٍ بعينِه من الخطأ فإنها تعتمِد مِن ثمَّ اعتمادًا كاملًا على أسبقية وجود هذا الخطأ. وقد اعتمد فلاسفة العلم من أمثال باشلار Bachelard أو فتجنشتين Wittgenstein على ضلالات الشعراء اعتمادًا سيئًا. نعود إلى سؤالنا الذي لم نُجِبْ عنه: هل ينتهي إضفاء الطابع النحوي على البلاغة إلى يقينٍ سلبي أم يَبقى معلَّقًا بتجاهُل ما فيه مِن حقيقةٍ أو كذبٍ شأنه شأن إضفاء الطابع البلاغي على النحو؟
توجَد ملاحظتان ختاميَّتان تكفِيان للإجابة عن هذا السؤال. تُشير أولاهما إلى أنه ليس مِن الصواب إمكان اختزال نصِّ بروست إلى مقولة مُلغزة (تفوُّق الاستعارة على الكناية)، وهي المقولة التي تُفكِّكها قراءتنا. والقراءة ليست قراءﺗ«ﻨﺎ»؛ ما دامت لم تستعمِل إلا العناصر اللغوية التي يَمدُّنا بها النصُّ نفسُه: توضح القراءة أن التمييز بين المؤلف والقارئ أحد التمييزات الخادعة؛ فليس التفكيك شيئًا نُضيفه إلى النص بل هو الذي يُشكِّل النصَّ في المقام الأول. يؤكد النص الأدبي سيادة طريقته البلاغية ويُنكرها في الوقت ذاته. وبقراءة النص — مثلما فعلنا — لم نكن نُحاول سوى جعل القارئ على الدرجة ذاتها من الدقة التي عليها المؤلِّف حين كتب عبارته. الكتابة الشعرية أرهف طُرق التفكيك وأكثرها تقدُّمًا، وقد تختلف عن الكتابة النقدية أو المنطقية من حيث اقتصاد وضوحِها لا مِن حيث النوع.
وحين نُدرك وجود هذه اللحظة بوصفها اللحظة التي تؤسِّس لغة الأدب بأسرِها، نكون قد أعدْنا بشكلٍ خفي تقديم المقولات التي كان مِن المفروض أن يستبعِدها هذا التفكيك والتي أُزِيحَت فحسب. فمثلًا، أزحنا مسألةَ الذات مِن كونها المرجع إلى صورة السارد البلاغية التي ستُصبح عندئذٍ مدلول signifié الفقرة. ومِن الممكن حينئذٍ أن نُثير أسئلةً بسيطة من قبيل: ما دوافع بروست أو مارسل التي قد توجَد في لغةٍ مناوِرة إلى هذا الحد: هل كان يُخادع نفسَه أم كان يتمثَّل نفسَه حين خدع نفسَه وخدعنا بحَمْلنا على الإيمان بأن الخيال والفعل من اليسير أن يقترِنا معًا في وحدةٍ واحدة عبر فعل القراءة كما تؤكِّد الفقرة؟ وما يدعو إلى إثارة هذا النوع من الأسئلة شعورُ الشفقة الذي يُخيِّم على هذا القسم بأكملِه، والذي كان يُمكن ملاحظته بيُسر أكبر لو أن الفقرة المُقتبسة طالت قليلًا، وهي شفقة ناتجة عن تردُّد السارد دومًا بين الشعور بالذنب والشعور بأن كلَّ شيءٍ على ما يُرام. ولا ريب في أنها أسئلة تتنافى مع العقل؛ لأن تسوية الاختلاف بين الواقع والخيال تُبْدِي نفسَها على هيئة تأكيدٍ يصطنعه النص اصطناعًا، ومِن ثَمَّ فهي تسوية يُنتجها النصُّ في اللحظة التي يؤكد فيها قراره بالتهرُّب من الحدود النصية التي تُقيِّده. لكن، حتى لو حرَّرنا أنفسنا مِن كل الأسئلة الزائفة المُتعلقة بالقصد ووضعنا الساردَ في منزلته المُلائمة ألا وهي منزلة الضمير النحوي الذي مِن دونه لن يوجَد السردُ منذ البدء، فستكتسب هذه الذات وظيفةً بلاغية لا نحوية، ومن خلال هذه الوظيفة يجري إضفاء صوتٍ على التركيب النحوي. إن كلمة صوت voice — حتى حين تُستعمَل في الاصطلاح النحوي مثلما هي الحال عندما نتحدَّث عن صيغة المبني للمجهول passive voice أو صيغة الاستفهام interrogative voice — هي بطبيعة الحال استعارة تدلُّ عبر القياس analogy على قصد الذات من بِنية الإسناد structure of predicate. وفي حالة الخطاب التفكيكي الذي نُطلق عليه خطابًا أدبيًّا أو بلاغيًّا أو شعريًّا، يتسبَّب ذلك في تعقيدٍ مُميَّز تُقدم فقرة بروست مثالًا عليه. لقد كشفت القراءة عن مفارقةٍ أولى: تُثبت الفقرةُ الاستعارةَ بوصفها صورة الأدب البلاغية «الحقة»، غير أن الفقرة بعد ذلك تقوم بتشكيل نفسها عبر صورةٍ بلاغية تتعارَض مع الاستعارة معرفيًّا، ألا وهي الكناية. ويكشف الخطاب النقدي عن حضور هذا الضلال ويُثبته بوصفه طريقةً من طرق الأدب في التعبير عن حقيقته، وهي طريقة يستحيل الإغضاء عنها. وما مِن تردُّدٍ بهذا الشأن. لأننا لو تساءلنا بشكلٍ واضح وبسيط عمَّا إذا كانت طريقة النص البلاغية — التي نحن بصددِها — استعارية أم كنائية فمِن المُستحيل إعطاء إجابة. إذ يتَّضح أن الاستعارات القائمة بذاتها — مثل استعارة تأثير توزيع النور والعتمة أو الفراشة — هي صورة بلاغية ثانوية في جزءٍ من جُملةٍ تركيبها كنائي. ومن وجهة النظر هذه، يبدو أن النحو grammar يُبطِل البلاغةَ rhetoric ويُفكِّكها. لكن هذه العبارة الكنائية — شأنها شأن فاعلها — تنطوي على صوتٍ علاقتُه بهذه العبارة علاقة استعارية مرةً أخرى. إن السارد الذي يُخبرنا باستحالة الاستعارة هو نفسه (أي السارد) — أو هي نفسها (أي الاستحالة) — استعارة داخل تركيبٍ نحوي يُنكِر، من خلال صوغ مُناقض، أسبقيةَ الاستعارة التي تصوغه. وفي منزلة ثانية، تتعرَّض استعارة الذات هذه — في تواليها — لنوع من التفكيك؛ أقصد به تفكيك اللغويات النفسية تفكيكًا بلاغيًّا، وهو التفكيك الذي انشغلتْ به بحوث الأدب الأكثر تقدمًا، استعدادًا لمقاومة جديرة بالاعتبار.
ولهذا السبب، نشعر بعبء المهمة، وبالحالة ذاتها من التجاهل المُعلَّق: في حالة إضفاء طابع النحو البلاغي على السميولوجيا، مثلما هو حاصل أيضًا في إضفاء طابع البلاغة النحوي على العبارات الإنجازية [الإنشائية] illocutionary phrases. يظل دائمًا أيُّ تساؤلٍ عن الطريقة البلاغية في نصٍّ أدبي سؤالًا بلاغيًّا لا يعرف أبدًا إذا ما كان يتساءل تساؤلًا حقيقيًّا أم لا. وأما إنتاج الشفقة فيُعبِّر عن قلق التجاهل (أو النعيم، اعتمادًا على الحالة النفسية الخاطفة لدى المرء أو مِزاجه الشخصي)، ولا يُعبِّر عن قلق الإحالة أو المرجع anxiety of reference، كما يُصبح واضحًا على مستوى الثيمات في رواية بروست حين تكون القراءة ذات طابعٍ درامي، في العلاقة بين مارسل وألبرتين، لا بوصفها ردَّ فعل عاطفيًّا على ما تفعله اللغة، بل بوصفها ردَّ فعلٍ عاطفيًّا على استحالة معرفة ما قد يجب عليها أن تفعله. إن الأدب وكذلك النقد — والاختلاف بينهما مُضلِّل — مُدانان (أو يتمتعان بامتياز) لكونهما الأشدَّ صرامة على الدوام. وعليه، فإنهما اللغة التي لا يُمكن الوثوق بها: لُغة يُسمِّي بها الإنسانُ نفسَه ويُحوِّلها.
١ “Speech, Literature, and the Space in Between,” New Literary History 4 (Autuman 1972): 50.
٢ يُشير اسم العلَم Bunker في الإنجليزية إلى مستودع مُقفل في باطن سفينة وإلى غرفة محصَّنة تحت الأرض، ومِن ثمَّ يوحي بما هو خفي ومخبوء ومُقفل على نفسه، وكأن الاسم يُمثل مدار الميتافيزيقا اليونانية الغربية الذي يتحكَّم في كل مناحي الفكر والعلم والحياة الغربية من دون أن يبدو هذا المدارُ ظاهرًا على السطح. وبإضافة السابقة de يكتسب الاسمُ معنى الفضح والهَتْك والكشف عمَّا هو مخبوء. ومن هنا، جاء ذِكر نيتشه الذي واجهَ لأول مرةٍ في تاريخ الفلسفة الغربية نسَقَ الميتافيزيقا ففضح تلاعُباتِها الخفيةَ والمجازات المُتحكِّمة في طريقة إعلانها البُرهاني عن الحقيقة. كما يكتسب الاسم إلى حدٍّ ما، وبوجهٍ مُعين، معنى التفكيك، ومِن هنا جاء ذِكْرُ دَريدا الذي يوجَد في داخل مدار الميتافيزيقا وخارجَه في آنٍ مُفكِّكًا إيَّاه، وكاشفًا عن الطريقة التي تعمل بها الاعتقاداتُ الراسخة في الفلسفة والأدب على حدٍّ سواء. (المترجم)
٣ “The Concept of Literature,” in Literary Theory and Structure: Essays in Honor of William K. Wimsatt, ed. Frank Bardy, John Palmer, and Martin Price (New Haven, 1973).
٤ يُشير دي مان هنا إلى المقال الثالث في كتابه أمثوليات القراءة الذي نترجِم عنه مقالَه بين يدَي القارئ. (المترجم)



