في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل
وتُوفِّر لنا العلاقة بين الكلام والكتابة بِنية يُحدِّد دَريدا طبيعتَها في عددٍ من النصوص، ويُطلق على هذه البنية منطق «المُكمِّل» supplement، مستعملًا المُصطلح نفسَه الذي يصف به روسُّو الكتابةَ. يقول لنا معجم وبستر إن المُكمل هو «الشيء الذي يُكمِّلُ أو يُعَد إضافةً». إن مُكمِّل المعجم قسمٌ إضافي يُضاف إليه، وإمكان إضافة جزءٍ تكميلي يُشير إلى أن المعجم نفسه ناقِص. يقول روسُّو: «لقد اصطنعنا اللغات لكي نتكلَّم بها، والدور الوحيد الذي تؤدِّيه الكتابة دور تكميل الكلام». مفهوم التكميل أو المُكمِّل هذا، الذي يظهر في كل موضعٍ عند روسُّو، «يُضمِر ضمنَ حدوده دلالتَين تَعايُشُهما معًا غريبٌ غرابةَ ضرورتِهما» (في علم أنساق الكتابة، ص١٤٤، ٢٠٨). ليس المُكمِّل إضافة جوهرية ما دام يُضاف إلى شيءٍ مُكتمل في ذاته، وفي الوقت نفسه يُضاف المُكمِّل لكي يُكْمِل؛ أي ليُعوِّض عن نقصٍ فيما يُفترَض أنه مُكتمل في ذاته. يترابط هذان المعنيان اللذان ينطوي عليهما المُكمِّل بمنطقٍ قوي، وفي كِلا المَعنيين يحضر المُكمِّل بوصفه بَرَّانيًّا ودخيلًا على الطبيعة «الجوهرية» لما يُضاف إليه أو لما يَحِلُّ محلَّه.
يرى روسُّو الكتابةَ تقنيةً مُضافة إلى الكلام، تقنية دخيلة على كُنْه اللغة، فيَنْشَط هنا أيضًا المعنى الآخر ﻟ المُكمِّل. يمكن للكتابة أن تُضاف إلى الكلام حين لا يكتفي الكلام بذاته؛ أي حين لا يكتفي بتمامه الطبيعي، وحين يكون في الكلام نقصٌ أو غيابٌ تتمكَّن الكتابةُ من إكماله. يبدو هذا الوضع المزدوِج واضحًا بشكلٍ لافتٍ في مناقشة روسُّو للكتابة؛ ففي اللحظة التي يشجب فيها روسُّو الكتابة «بوصفها هادمة الحضور وبوصفها اعتلالًا يُصيب الكلامَ»، في هذه اللحظة تحضر فاعلية روسُّو الكاتب، على نحوٍ تقليدي تمامًا، في محاولة منه لاستعادة حضورٍ عبر الغياب الذي تنطوي عليه الكتابة، وهو الحضور الذي كان يفتقده حين يتكلَّم. وثَمَّ صياغة بارعة الإيجاز تَرِدُ في كتابه الاعترافات Confessions تكشف عن ذلك الموقف: «كنتُ سأحبُّ الظهور أمام الناس كما يحلو للآخرين أن يفعلوا لولا أنَّني غير مُتيقن من إظهار نفسي على ما هي عليه. وما يمنعني من ذلك أنني أبدو أمام الناس مختلفًا تمامًا عمَّا أنا عليه، لذا قررتُ الكتابةَ. وإخفاء نفسي على هذا النحو هو على وجه التحديد الوضع الذي يُناسبني؛ لأن الناس لا يعرفون قيمتي الحقيقية حين أكون حاضرًا بينهم» (في علم أنساق الكتابة، ص١٤٢، ٢٠٥).
تنوب الكتابةُ عن الكلام وتُكْمِلُه؛ لأن الكلام ينطوي فعلًا على الخصائص التي ننسبها عمومًا إلى الكتابة: الغياب وإساءة الفَهْم. ويلاحظ دَريدا — مُفضِّلًا الحديث عن نظرية لغوية بوجهٍ عام على الحديث عن رأي روسُّو — أن الكتابة يمكن أن تحتلَّ مرتبةً ثانوية ومُشتقة «على شرطٍ واحد فقط: ألَّا تُوجَد لغةٌ «أصلية» و«طبيعية» لم تكن قد افترعتْها أو لم تَمْسسها الكتابة، وذلك في حدِّ ذاته كتابة على الدوام»، كتابة أصلية (في علم أنساق الكتابة، ص٥٦، ٨٢). وتتضمن مناقشة دَريدا ﻟ «هذا المُكمِّل الخطير» عند روسُّو وصف بِنيته في مختلف تجلِّياتها: يستدعي روسُّو مُكمِّلات بَرَّانية مُتعددة تقوم بعملية الإكمال؛ بسبب وجود نقصٍ دائم فيما يكون مُكتملًا، وهو نقص أصلي.
وعلى سبيل المثال، يرى روسُّو التعليمَ مُكمِّلَ الطبيعة، ومِن حيث المبدأ فالطبيعة مُكتملة، أي تامَّة على نحوٍ يُعَد معه التعليم إضافةً بَرَّانيَّة، غير أن شرحه لعملية الإكمال التي يقوم بها التعليم يكشف عن نقصٍ مُتأصِّل في الطبيعة، لا بد للطبيعة أن تكون كاملة — وأن تكتمِل — عن طريق التعليم إذا أرادت أن تكون نفسَها حقًّا: التعليم الصحيح ضروري إذا أرادت الطبيعة البشرية أن تَظهر كما ينبغي أن تكون عليه حقًّا. إذن، يجعل منطقُ التكميل الطبيعةَ طرفًا سابقًا، أي يجعلها كمالًا موجودًا منذ البدء، ولكن هذا المنطق نفسه يكشف عن نقصٍ مُتأصِّل أو غياب تنطوي عليه الطبيعة، ومِن ثمَّ يصبح التعليم، هذا الإضافي المُضاف، شرطًا جوهريًّا لما يقوم بتكميله.
كذلك يتحدَّث روسُّو عن الاستمناء بوصفه «مُكمِّلًا خطيرًا». وكما حدث مع الكتابة، يُعَد الاستمناءُ إضافةً فاسدة، أي ممارسة أو تقنية مُضافة إلى الميول الجنسية السَّوية مثلما هي الحال في الكتابة المُضافة إلى الكلام، غير أن الاستمناء يحلُّ أيضًا محل النشاط الجنسي «السَّوي» أو ينوب عنه. إن القيام بدور البديل يُحتم على هذا البديل أن يُشبه، من حيث الجوهر، ما يحلُّ محله، فتتكرَّر البنيةُ الأساسُ التي ينطوي عليها الاستمناءُ في العلاقات الجنسية الأخرى التي يمكن عَدُّها من ثمَّ لحظاتٍ من الاستمناء الشامل؛ أي تتكرَّر بِنية الرغبة بما هي حُب الذات مسلَّطًا على موضوعٍ مُتخيَّل لم يقدِر المرء على «تملُّكه».
المُكمِّلات عند روسُّو عبارة عن عملية تسلسُل غير مُتناهٍ من المُكمِّلات، على نحوٍ يمكن معه الحديث عن عملية استبدال شامل. الكتابة مُكمِّلة الكلام، والكلام أيضًا مُكمِّل: تقول إميل، يتعلَّم الأطفال الكلام بسرعة «ليكملوا ضعفهم … ونحن نعرف مدى المُتعة التي تتحقق حين التصرُّف اعتمادًا على الآخرين، فيتحرك العالَم ببساطة ما إن يتحرَّك اللسان» (في علم أنساق الكتابة، ص١٤٧، ٢١١). وعند غياب مدام دي فاران — «أﻣُّ»ﻪ المحبوبة — يلجأ روسُّو إلى المُكمِّلات، ويصِف هذه الحالةَ في كتابه الاعترافات: «لن أنتهي إذا شرعتُ في سرد كل الحماقات التي ارتكبتُها والتي دفعتني إليها ذكرى أُمي الغالية. حين لا أكون في حضرتها كنتُ أُقبِّلُ سريري، لأنها نامت عليه، وستائر غُرفتي وسائر قِطَع الأثاث، لأن يدَها الجميلة قد لامستها، حتى أرضية الغرفة كنتُ أتمدَّدُ عليها لأنها مَشَتْ عليها.» (في علم أنساق الكتابة، ص١٥٢، ٢١٧). حين تغيب عنه أمُّه تقوم هذه المُكمِّلات بدور البدائل التي تُعوِّضه عن حضورها، لكن من الغريب أن يستمر النص بعد ذلك مباشرة على النحو الآتي: «وحتى في حضورها كنتُ أقوم أحيانًا بتصرُّفاتٍ مُسرفة يَستثيرها في نفسي الحبُّ المُتوهِّجُ: ذات يوم ونحن على مائدة الطعام، وبينما كانت تضع لقمةً في فمِها صرختُ مدَّعيًا أنني رأيتُ شعرةً عليها، وما إن أعادت اللقمةَ إلى طبقها حتى التقطتُها بلهفةٍ وابتلعتُها». تشير هذه الفقرة، بمواربة، إلى البِنية الدالَّة الناشطة ها هنا؛ فما قد هتف به روسُّو أنه رآه على قطعة الطعام هو شيء دخيل ومُتمايز (شعرة un cheveu) وهو في الآن نفسه رغبتُه (إنني أشتهي un Je veux)، إنه الصراخ الذي يلعب دورًا من خلال مُكمِّلات يشترط بعضُها البعض الآخر.
تستمرُّ سلسلة البدائل، ولا تتوقَّف هذه السلسلة — كما رأينا — ﺑ «حضور» الأم. فعلى الرغم من أنه قد «تملَّكها»، يظل هذا التملُّك موسومًا بالغياب. يقول بروست: «إن الامتلاك المادي لا يُعَد امتلاكًا بالمرَّة». كما أنَّ ما يدعوها روسُّو أُمَّه Maman هي نفسها بديل عن أُمِّه Mother التي لم يعرفها قط، وستكون هي نفسها مُكمِّلًا. «وعبر توالي هذه المُكمِّلات يظهر قانونٌ: قانون سلسلة مُترابطة ومتَّصِلة؛ أي سلسلة وسائط إكمالية متضاعفة لا يمكن تفاديها، وسائط تُنتِج معنى الشيء نفسه الذي تقوم بتأجيله: الانطباع الأول الذي يُثيره الشيء ذاته أو يُثيره الحضور المباشر أو الإدراك الأوَّلي. إن المُباشَرةَ مشتقة، وكل شيءٍ يبدأ مع الوساطة …» (في علم أنساق الكتابة، ص١٥٧، ٢٢٦).
تُعلِّمنا نصوصُ روسُّو، ونصوص فلاسفة آخرين، أن الحضور مُرْجَأ على الدوام وأن عملية الإكمال مُمكنةٌ بسبب وجود نقصٍ أصلي، ومِن ثمَّ تفترض تلك النصوصُ أننا نفهم ما ندعوه «الحياة» على مثال النصِّ وعلى مثال عملية الإكمال التي تُشكِّلها تواتراتٌ دالَّة. وليس ما تؤكده تلك الكتابات أنه ما من شيءٍ في خارج النصوص التجريبية — الكتابات — في ثقافةٍ، بل إنَّ ما يقع في خارجها مُكمِّلات، سلاسل من المُكمِّلات. وبذلك، تضع الفرقَ بين الداخل والخارج موضع التساؤل. إن النسيج الذي ندعوه حياةَ روسُّو الواقعية — أي الشروط الاجتماعية الاقتصادية والأحداث العامة والخبرات الجنسية الخاصة وأفعال الكتابة — سيَثبت عند الاختبار أنَّ ما يؤسِّسُه هو منطق التكميل، كما هو حاصل في الموضوعات المادية التي يستحضرها روسُّو في الفقرة الخاصة بأُمِّه في الاعترافات. يقول دَريدا:
ما نحاول الكشف عنه بتتبُّع سيلان «المُكمِّل الخطير» سيلانًا مُستمرًّا، هو أن ما ندعوه الحياة الواقعية التي تحياها المخلوقات البشرية «بشحمها ولحمها» — أي ما وراء حدود كتاب روسُّو وخلفه — لا شيء أبدًا سوى كتابة؛ أي لا شيء سوى مُكمِّلات وعمليات من الدلالة يتبادل بعضُها مكان بعضها الآخر، عمليات من الدلالة تنشأ في سلسلةٍ من الإحالات المتمايزة فحسب. يحدث «الواقعي» بوصفه شيئًا إضافيًّا أو هو مُضاف بالمعنى المأخوذ من أثر المُكمِّلات أو استئنافها فحسب. وهكذا، نجد في النص على الدوام، وعلى طول قراءتنا، أن الحاضر المُطلَق، أي الطبيعة، وهي ما يطلِق عليها روسُّو «الأم الحقيقية» وما إلى ذلك من أوصاف، مُنفلتة على الدوام، لم توجَد أبدًا؛ ما دامت الكتابة بوصفها اختفاء الحضور الطبيعي هي ما يفتتح المعنى واللغةَ. (في علم أنساق الكتابة، ص ص١٥٨-١٥٩، ٢٢٨)
ولا يعني انتشار المُكمِّل في كل لحظةٍ وموضع عند روسُّو عدمَ الاختلاف بين «حضور» الأمِّ Maman أو تيريز و«غياﺑ»ﻬﻤﺎ أو بين الحدث الواقعي والخيالي؛ إذ تتقاطع تلك الاختلافات فتلعب دورًا قويًّا فيما ندعوه خبرتنا. تنشأ تأثيراتُ الحضور وتأثيرات الواقع التاريخي ضمن حدود عملية الإكمال، فالإكمال والاختلاف يُتيحانها لكونهما يُحددان البنية على نحوٍ دقيق. وما «حضور» الأم إلا نمَط مُعين من الغياب، فكما قد أبان مُنظِّرون عديدون، ليس الحدث التاريخي الواقعي سوى نمَط خاص من الخيال. ما من حضور أصلي؛ ما دام لا يوجَد سوى حضورٍ يُعاد إنشاؤه (الكتابة والاختلاف، ص٢١٢، ٣١٤).
تنطوي الاستراتيجية الميتافيزيقية الناشطة في نصوص روسُّو — تلك الاستراتيجية التي تحلُّ نفسَها بنفسها حين تبني نفسَها — على «استبعاد اللاحضور عن طريق تحديد المُكمِّل بكونه مجرد بَرَّانيَّة وإضافة مَحْضة أو غيابًا مَحْضًا … فما يُضاف ليس شيئًا؛ بسبب أنه يُضاف إلى حضور تامٍّ يُعَد خارجيًّا بالنسبة إلى ما يُضاف. يأتي الكلام لكي يُضاف إلى حضورٍ بَدَهي (حضور الكيان والجوهر والمثال والحضور بوصفه أصلًا وغاية وهكذا)، وتأتي الكتابة لكي تُضاف إلى حيويةِ كلامٍ حاضر بذاته، ويأتي الاستمناءُ لكي يُضاف إلى ما يُدْعَى التجربة الجنسية السَّوية، وتُضاف الثقافةُ إلى الطبيعة والشرُّ إلى البراءة والتاريخُ إلى الأصل، وهكذا.» (في علم أنساق الكتابة، ص ص١٦٧، ٢٣٧-٢٣٨). وما تحظى به تلك البِنيات وعمليات إضفاء القيمة من أهميةٍ في تفكيرنا، يُشير إلى أن الامتياز المعقود للكلام على حساب الكتابة لم يكن غلطةً كان يمكن ألَّا يقع فيها أولئك الكُتَّاب؛ إذ يُلِحُّ دَريدا على أن تنحية الكتابة إلى مَرتبة المُكمِّل ما هي إلا عملية يُصادِق عليها تاريخُ الميتافيزيقا بأكمله، وهي أيضًا عملية يتقاطع عندها اﻟ «اقتصاد» الذي بمُقتضاه تنشأ المفاهيم الميتافيزيقية:
إن الامتياز المعقود ﻟ الصوت لا يستند إلى خيارٍ كان يمكن تجنُّبه؛ ذلك أنه يتجاوب مع لحظةٍ في النسَق (لنقل: مع لحظةٍ في «حياة» اﻟ «تاريخ» أو مع لحظةٍ في اﻟ «وجود من حيث هو علاقة بالذات»). إن نسَق «سماع/فَهْم المرء نفسَه حين يتكلَّم» من خلال المادة الصوتية — التي تَحضر في حد ذاتها بوصفها دالًّا غير بَرَّانيٍّ أو غير دنيوي ومن ثَمَّ غير تجريبي أو لا يشترطه شيءٌ سواه — هذا النسق قد هيمن بشكلٍ حتمي على تاريخ العالَم طوال حقبة كاملة، وأنتج الفكرةَ المُثلَى عن العالَم؛ أي فكرة أصل العالَم التي نشأت عن الاختلاف بين الدنيوي وغير الدنيوي، بين الخارج والداخل، بين المثالي وغير المثالي، بين الكلي وغير الكلي، بين المُتعالي والتجريبي … إلخ. (في علم أنساق الكتابة، ص ص٧-٨، ١٧)
ثَمَّ ها هنا ادِّعاءات ضخمة، ولكنها تُصبح أكثر قابليةً للفَهْم والإدراك إذا لاحظنا أن الفكرة المُثلَى عن اﻟ «عالَم»، وهي فكرة خارج حدود الوعي، تستند إلى فروقٍ بين حدودٍ مُتعارضة مثل الداخل/الخارج، ويعتمد كل تعارُض من تلك التعارُضات على نقطةٍ أساسٍ تنطوي عليها عملية التمييز والتمايُز، نقطة يُصبح معها الخارج متمايزًا من الداخل. إن ما يتحكَّم في الفرق بين الداخل والخارج مثلًا نقطة في عملية التمايز. ومن ثمَّ ينطوي ادِّعاء دَريدا على ثنائية: أولًا، إن لحظة الكلام أو بالأحرى لحظة كلام المرء مع نفسه حيث يبدو الدال والمدلول ممنوحَين تزامُنيًّا وحيث يبدو الداخل والخارج والمادي والروحي مُندمجَين؛ هذه اللحظة تشتغل بوصفها نقطة المرجع التي تُفترَض كلُّ تلك الفروق الجوهرية بالنظر إليها. وثانيًا، هذا الرجوع إلى لحظة كلام المرء مع نفسه يُمَكِّننا من احتساب الفروق الناتجة تعارُضاتٍ تراتبية، يرتبط فيها طرف أول بالحضور واللوجوس في حين يؤشِّر الطرف الآخر على السقوط عن الحضور. ويُعَد التلاعبُ بالامتياز المعقود للكلام تهديدًا لهذا الصرح العظيم.
ويؤدِّي الكلام هذا الدور؛ إذ حين ينطق المرء دالًّا ماديًّا ومدلولًا روحيًّا فإنهما يبدوان حاضرَين إلى نفسهما في وحدةٍ غير منفصلة حيث يُهيمن ما هو عقلي على ما هو حِسِّي، في حين تبدو الكلمات المكتوبة محض إشاراتٍ مادية يتحتَّم على القارئ ترجمتها ونفخ الروح فيها، وقد نراها من دون أن نفهمها؛ ويُعَد إمكانُ حدوث هذه الفجوة جزءًا من بِنية الكلمات المكتوبة. ولكنني حين أتكلَّم لن يبدو صوتي شيئًا بَرَّانيًّا أو خارجًا عمَّا أسمعه أولًا ثم أفهمه. إن استماعي إلى كلامي وفَهْمه وأنا أتحدَّثُ هما شيءٌ واحد لا يتجزأ. هذا هو ما يَدعوه دَريدا نسَق سماع/فَهْم المرء نفسَه وهو يتكلم s’entendre parler، حيث يدمج الفعلُ الفرنسيُّ s’entendre عمليتَي سماع المرء نفسَه وفهْم نفسه معًا بشكلٍ فعَّال. في الكلام أبدو واصلًا مباشَرةً إلى أفكاري. ولن تفصلني الدوالُّ عن فكري بل إنها تمحو ذاتَها في حضرته. ولن تبدو الدوالُّ أدواتٍ بَرَّانيَّة أَستقيها من العالَم ثم أستعملُها، بل تنبع على نحوٍ عَفْوي من داخلي فتَشِفُّ عن الفكر. ومِن ثمَّ، تُقدِّم لحظةُ سماع/فَهْم المرء نفسَه وهو يتكلم «تَفرُّدَ تجربة المدلول الذي يُنتِجُ نفسَه عَفْويًّا من داخل النفس بوصفه مفهومًا مدلولًا عليه في عنصر المثالية أو الكلية. والسِّمة اللادنيوية في مادة هذا التعبير هي مُقوِّمُ تلك المثالية. وليست تجربة محو الدالِّ في الصوت صورة مُضلِّلة من بين صور أخرى، ما دامت هي الشرط في الفكرة المُثلَى عينها التي بمُقتضاها تنشأ الحقيقة …» (في علم أنساق الكتابة، ص٢٠، ٣٣).
إن محو الدال في الكلام شرط فكرة الحقيقة المُثلَى لأنه يوحِّد إمكان الموضوعية — أي يوحِّد الظاهرة التي تقبل التكرار والمعنى الذي يطَّرِد حضوره في مظاهر عديدة — مع هيمنة المعنى على الظهور. وبقدْر ما تقتضي الحقيقة ضمنًا إمكان اطِّراد عملية الدلالة التي تُعلن عن نفسها وتظلُّ غير مُتغيرة أو تظلُّ غير متأثرة بأدوات نقل الفكر التي تُظهِر الفكرَ — يَمدُّنا الصوت بنموذجٍ ضروري. وعن طريق هذا النموذج الذي يكون فيه الفرقُ بين المعنى والشكل تعارُضًا تراتُبيًّا، تُهيمن الحقيقة على التعارُض بين الحقيقة وأشكال ظهورها.
وبطبيعة الحال، ينطوي هذا النموذج على صورة خادعة. يخلق تلاشي الدالِّ في الكلام انطباعًا بحضور الفكر حضورًا مباشرًا، ومع أن الكلمة المنطوقة تتلاشى بسرعةٍ فإنها تظلُّ شكلًا ماديًّا يشتغل عبر اختلافاته عن أشكال أخرى، مثلما هو حاصل في الكلمة المكتوبة. وحين نحتفظ بالدالِّ الصوتي من أجل الاختبار، مثلما في حالة تسجيله على شريط كاسيت حيث يُمكننا «الاستماع إلى أنفسنا ونحن نتكلم»، فسنكتشف أن دوال الكلام تَتتابع بالطريقة ذاتها التي تَتتابع بها الدوال في الكتابة، كما نكتشف أن الكلام يتعرَّض لعمليةٍ من التفسير تُماثِل ما يحدُث في الكتابة. ومع أن الكلام والكتابة يُنتجان أنواعًا مختلفة من تأثيرات عملية الدلالة، فما مِن أسسٍ يقوم عليها ادِّعاءُ أن الصوت ينقل الأفكار على نحوٍ مباشر مثلما يحدُث في الحالة التي أستمع فيها إلى نفسي تتكلَّم عند لحظة النطق. إن تسجيل كلام المرء يكشف عن أن الكلام يشتغل أيضًا عن طريق لعبة الاختلاف بين الدوال، ويسعى الامتياز المعقود للكلام جاهدًا من أجل قمع نشاطية هذا الاختلاف. «الكلام والوعي بالكلام — أقصد الوعي من حيث هو حضور ذاتي بسيط — ظاهرتان تنطويان على حُبِّ الذات مُجرَّبًا بوصفه قمع الاختلاف المُرْجِئ differance. هذه الظاهرة، أي هذا القمع الحاصل للاختلاف المُرْجِئ، هذا الرد الحيوي المتضمَّن في عدم شفافية الدال هو الأصل فيما ندعوه حضورًا» (في علم أنساق الكتابة، ص١٦٦، ٢٣٦).
وعند رؤية الطريقة التي يشتغل بها نسَق سماع/فَهْم المرء نفسَه وهو يتكلَّم — من حيث كون هذا النسق نموذجَ الحضور — تلك الطريقة التي تتكشَّف عن رسوخ نزعة مركزية الصوت ونزعة مركزية اللوجوس وميتافيزيقا الحضور؛ نكون قد استكشفنا الأسباب التي جعلت الكلامَ يحتلُّ منزلةً أعلى من الكتابة. هذا التعارُض، بكل ثقله الاستراتيجي، تُفكِّكه النصوصُ التي تعمل على تأكيده؛ إذ يَثبت في النهاية أن الكلام يستند إلى الخصائص ذاتها التي مِن المُعتاد عَزْوها إلى الكتابة. والنظريات المؤسَّسة على الحضور — سواء أكان حضور المعنى بوصفه قصدًا دالًّا يَحضر إلى الوعي عند لحظة النطق أم حضور المعيار المِثالي الذي يكمن خلف كل أشكال ظهور المعنى — تحلُّ نفسَها بنفسها، بما أن الأساس أو الأرضية المُفترَضة تتكشَّف عن كونها نتاج نسَق تمايزي، أو على الأصح نتاج نسَق الاختلاف المُرْجِئ. ولكن عملية التفكيك — أو التفكيك الذاتي — التي تنطوي عليها النظريات المتمركزة لوجوسيًّا لن تُفضي إلى نظريةٍ جديدة تضع كل الأشياء وَضْعًا واحدًا، حتى النظريات الشبيهة بنظرية سوسير مع كل نقدِها القوي لنزعة مركزية اللوجوس من خلال مفهومها عن النسَق القائم على التمايز، لا تنجو مِن المقدمات المنطقية المتمركزة لوجوسيًّا، وهي المقدمات التي تُضْعِف في الآن نفسه مركزيةَ اللوجوس، وما مِن سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن المشروع النظري يُمكِنه تحرير نفسه من تلك المقدمات. إن النظرية محكومة على الدوام بتناقض بنيوي ذاتي.
والسؤال الذي يُثار الآن، وبصفةٍ خاصة فيما يتعلق بنقاد الأدب الذين ينشغلون بمؤدَّيات النظريات الفلسفية أكثر من انشغالهم بمدى اتساقها أو تنسيبها، هو: ما الذي ينبغي عليهم عمله بنظرية المعنى وتفسير النصوص أو تأويلها؟ تُتيح الأمثلةُ التي فحصناها جوابًا تمهيديًّا على الأقل: لا يشرح التفكيك النصوص بالمعنى التقليدي الذي يحاول الإمساك بوحدة المحتوى أو نسيج الأفكار المترابِط theme، بل يبحث في كيفية اشتغال التعارُضات الميتافيزيقية وتفنيدها، كما يبحث في الطرق التي تُنتِج بها مجازاتُ النص وعلاقاته منطقًا مزدوِجًا متناقضًا، مثلما هو حاصل في لعبة المُكمِّل عند روسُّو. ولا تُقدم الأمثلة التي تأمَّلناها سببًا يدعو إلى الاعتقاد في أن التفكيك — فيما يَفترِض البعض أحيانًا — يجعل من التفسير أو التأويل عمليةً من التداعي الحُرِّ لا شيء وراءها؛ فالتفكيك يُركز على التضمينات المفاهيمية والمجازية ولا يُركز على مقاصد التأليف. ومن ناحيةٍ أخرى، قد ينطوي تفكيك التعارُض بين الكلام والكتابة — حين يجعل الشيء المركزي في محمولات اللغة مرتبطًا بخصيصة ينطوي عليها المكتوب — على تضميناتٍ لم نستكشفها بعد. على سبيل المثال: إلى أيِّ مدًى تؤثِّر فكرة أن المعنى نتاج اللغة — لا نتاج مؤلِّفه — في عملية التفسير أو التأويل؟ لعلَّ قراءة دَريدا لأوستن J. L. Austin في مقاله «توقيع حدث سياق» Signature Événement Contexte (الوارد ضمن كتاب هوامش الفلسفة)، ثم جداله اللاحق مع منظِّر أفعال الكلام الأمريكي جون سيرل John Searle، يُمثلان مدخلًا جيدًا لمؤدَّيات تفكيك نماذج عملية الدلالة.
المعنى وقابلية الإعادة
من منظور سوسير، المعنى نِتاج نسَق اللغة؛ أي نتاج نسقٍ من الاختلافات. ولا يُبرِّر المعنى سوى علاقات التغاير وإمكانات التوافُق التي تتشكَّل من خلالها أيُّ لغة. ويُعَد هذا النهج نَهْجًا رئيسًا في تحليل أي عملياتٍ دالة، غير أن ثَمَّ ملاحظتان لا بدَّ من إيضاحهما بخصوص النظرية التي تأخُذ بذلك النهج.
- أولًا: مثلما قد رأينا في تتبُّعنا سوسير وهو يُفكِّك نفسَه بنفسه، توجَد نظريةٌ مَبنية على أساس الاختلاف لا تنجو من نزعة مركزية اللوجوس، بل تجِد نفسَها مُستندة إلى الحضور، والعِلَّة في ذلك أن مفاهيم التحليل والشرح والموضوعية تقتضي ضمنًا هذا الاستناد، كما أن تعيين ماهية الاختلافات المسئولة عن إنتاج المعاني يفرِض على المرء اعتبار بعض المعاني كما لو كانت مُعْطاة، كما لو كانت «حاضرةً» تقريبًا بوصفها نقطة بداية.
- ثانيًا: لا تقوم النظرية التي تستمدُّ المعنى من بِنية اللغة بتبرير المعنى تبريرًا كاملًا، مع أنها تُسهم بقدْر كبير في تحليل المعنى. وحين نَعُدُّ المعنى نتاج العلاقات اللغوية التي تظهر في منطوقٍ، يتحتَّم علينا الاعتراف بحقيقة أن المُتكلِّم بمقدوره أن يعني أشياء مختلفة بالسياق اللغوي نفسه في ظروفٍ مختلفة. وعلى سبيل المثال، قد تكون عبارة من قبيل «أتقدر على تحريك هذا الصندوق؟» طلبًا، أو استفسارًا عن قوة الشخص الذي نتوجَّه بها إليه، أو مجرد إشارةٍ تُومِئ إلى استحالة الفعل إذا عددناها سؤالًا بلاغيًّا.
ويبدو أن هذه الأمثلة تعود مرةً أخرى إلى نموذجٍ تكون فيه الذات — من حيث هي وعيُ المتكلم — مصدر المعنى: يتعدَّد معنى المنطوق من حالةٍ إلى حالةٍ مع أن البِنية اللغوية تُسهم في إنتاجه؛ إذ يُصبح معناه ما يقصده به المُتكلم. ويواجِه المُحلِّلُ البنيوي هذا النموذجَ فيتساءل عن السبب الذي يتمكَّن به المُتكلم من أن يعني أشياء عديدة بمنطوقٍ واحد. وحين نُفسِّر معنى مجموعة من العبارات بتحليل النسَق اللغوي نُفسِّر بذلك معنى المنطوقات (أو كما يدعوها أوستن، قوة الفعل الإنجازي [الإنشائي] illocutionary force) بتحليل نسَق آخر، هو نسَق أفعال الكلام speech acts. والحقُّ أن أوستن — مؤسِّس نظرية فعل الكلام — يُكرِّر خطوةً حاسمة كرَّرها سوسير وإنْ كان على مستوًى آخر (وبوضوحٍ أقل)، ألا وهي تفسير الأحداث الدالَّة (الكلام parole) عن طريق وصف النسَق الذي يجعلها مُمكنةً.
وعلى سبيل المثال، يرى أوستن أن ما نَعنيه بمنطوقٍ، ليس إنجازَ فعلٍ محايث في المعنى يُلازِم المنطوقَ. ففكرة أنني قد أعني أشياء مختلفة بعبارة «أتقدِر على تحريك هذا الصندوق؟» تضطرُّنا إلى شرح المعنى عبر استقصاء ما يدور في ذهن المُتكلم، وكأن هذا هو العامل المُحدِّد، وذلك على وجه التحديد ما يرفضه أوستن؛ إذ وحدَها القواعد العُرْفية هي التي تُحدِّد ملامح السياق فتجعل من منطوقٍ أمرًا أو طلبًا أو وَعْدًا، وليس المُحدِّدُ حالةَ المُتكلم الذهنية عند لحظة النطق. فلو أنني قلتُ في ظروفٍ مناسبة: «أعِدُ أن أُعيد لك هذا»، أكون قد قطعتُ على نفسي وَعْدًا أيًّا كان ما يدور في ذهني عند تلك اللحظة، غير أنَّني لو كتبتُ الكلمات السابقة التي تتألف منها هذه العبارة «أعِدُ أن أعيد لك هذا» فلن أكون بذلك قد نجحتُ في قطع وَعْدٍ على نفسي حتى لو كان ما يدور في ذهني من نوايا مطابقًا لما يدور في ذهني حين أقطع على نفسي وَعْدًا في ظرفٍ من الظروف. فالوَعْدُ فعل محكوم بأعرافٍ محدَّدة يتولَّى مُنظِّرُ أفعال الكلام إيضاحها.
ينهض مشروع أوستن، إذن، على محاولة تقديم شرحٍ بنيوي ينتقِد من خلاله الفرضيات المُتمركزة لوجوسيًّا، ولكنه يُعيد تقديم تلك الفرضيات — التي يضعها مشروعُه محلَّ تساؤل — بحذافيرها أثناء النقاش. ويرسم دَريدا حدود هذه الحركة التي تُفكِّك نفسَها بنفسها في قسمٍ من مقاله «توقيع حدث سياق» Signature Événement Contexte (منشور ضمن كتابه هوامش الفلسفة)، إلا أن إساءة فَهْم جون سيرل الرهيبة في مقاله المُعنون ﺑ «إعادة تكرار الاختلافات: ردٌّ على دَريدا» Reiterating the Difference: A Replay to Derrida تُشير إلى أهمية استئناف المناقشة بتريُّثٍ أكبر مما يفعل دَريدا، مع مناقشة مشروع أوستن وملاحظات دَريدا عليه مناقشة أوفى.
يبدأ أوستن كتابَه كيف نصنع أشياء بالكلمات How to Do Things with Words بملاحظة أنه «لأمدٍ طويل جدًّا افترض الفلاسفةُ أن شغل «العبارة» الشاغل إما «وصف» وضعٍ وإما «صياغة واقعةٍ»، ويتحتم أن تكون إما صادقةً أو كاذبة» (ص١). وقد عُدَّت العبارةُ المعيارية تمثيلًا صادقًا أو كاذبًا لوضعٍ، وأما العبارات التي تُخفق في الانصياع لهذا النموذج فقد عُدَّت إما استثناءاتٍ لا أهمية لها أو «عبارات زائفة» غير سليمة. «ومع أنَّنا، وكذلك الفلاسفة، نضع حدودًا لمِقدار اللامعنى الذي نعترِف بأنه يتسرَّب إلينا حين نتكلَّم، فقد بات مِن الطبيعي أن نتساءل — في مرحلة ثانية — عمَّا إذا كان العديد من العبارات الواضحة الزيف «عبارات» بالمرَّة» (ص٢).
ومِن ثمَّ، يقترح أوستن أن نهتمَّ بالحالات الهامشية والإشكالية التي تُجوهِلَت سابقًا فنعالجها من حيث كونها تمثيل نمَط مُستقل من العبارات لا مجرد عبارات مَعيبة. يُفرِّق أوستن بين عبارات أو منطوقات تقريرية constative تصِف وضعًا وقد تكون صادقةً أو كاذبة، وفئة أخرى من المنطوقات لا هي صادقة ولا هي كاذبة بل تُنجز فعلًا تُحيل إليه (على سبيل المثال عبارة «أَعِدُ أن أدفع لك غدًا» تُنجِز فعلَ الوعد)، وهي فئة المنطوقات التي يُطلق عليها منطوقات إنجازية performative.
هذا الفرق بين الإنجازي والتقريري يتكشَّف عن ثراءٍ حقيقي في تحليل اللغة، بل يمضي أوستن إلى ما هو أبعد حين يصِف السِّمات التي يتميز بها المنطوق الإنجازي على اختلاف أشكاله، فيصِل إلى استنتاجٍ مدهش مؤدَّاه أنَّ منطوقًا مثل «إنني أُثبِتُ أن القطة على السجادة وهي كذلك بموجب قولي»، ينطوي كذلك على ملمحٍ حاسم يقوم بإنجاز فعل (فعل الإثبات) الذي يُحيل إليه المنطوق. إن الحرف «ب» يثبت الحرف «ث» كما أن «ب» تَعِدُ بمجيء «ث»، ولا يُوصَف هذا الوضعُ بالصِّدق أو الكذب بل يُنجِز فعلًا يشير إليه؛ ولذا يُعَد إنجازيًّا. وقد أوضح أوستن سمةً أخرى مهمة من سِمات ما هو إنجازي، ألا وهي إمكان حذف فعل الإنجاز الصريح من العبارة، فبدلًا من قول: «أَعِدُ أن أدفع لك غدًا»، يمكن في ظروف مناسبة إنجاز فعل الوعد بقول: «سأدفع لك غدًا»، وهي عبارة تظلُّ قوة فِعلها الإنشائي illocutionary force إنجازيةً. وبطريقة مماثلة يمكن إنجاز فعل الإثبات أو التصريح مع حذف «بموجب كذا»، فتصبح عبارة «القطة على السجادة» اختصارًا ﻟ «بموجب تصريحي القطة على السجادة»، وتُعَد عندئذٍ منطوقًا إنجازيًّا. ولكن عبارة «القطة على السجادة» هي بالطبع مثال كلاسيكي على المنطوق التقريري.
يقدم تحليل أوستن شاهدًا على منطق التكميل logic of supplementarity الناشط في عمله. يبدأ بحث أوستن في خصائص الحالة الهامشية من التراتُب الفلسفي الذي يجعل من العبارات الصادقة أو الكاذبة معيارَ اللغة ويجعل المنطوقات الأخرى عباراتٍ مَعيبة تتَّسم بالخلل أو أشكالًا إضافية أو تكميلية؛ هذا البحث نفسه يقود إلى تفكيك التراتُب وقلْبه: العبارة الإنجازية ليست عبارة تقريرية تتَّسم بالخلل، بل الأصح أن العبارة التقريرية حالة خاصة من حالات العبارة الإنجازية. واحتمالُ أن تكون العبارة التقريرية عبارة إنجازية حُذِفَ منها الفعلُ الدالُّ على الإنجاز أمرٌ قد انشغل به العديد من اللغويين. يُلاحظ جون ليونز John Lyons أنه «من الطبيعي التفكير في احتمال اشتقاق كل العبارات من بِنيات تحتية يمكن حذف جزءٍ أساسٍ فيها اختياريًّا، وهو الجزء الذي يتضمَّن ضمير المُتكلم الفاعل أو الفعل الإنجازي في القول أو تعبير المفعول غير المباشر الذي يُحيل إلى المخاطَب» (علم الدلالة، المجلد الثاني ص٧٧٨).
وتلك طريقة في توسيع حدود قواعد النحو لكي نستطيع تبرير ما تلعبه قوة المنطوقات من دور. فبدلًا من القول إن المُتكلِّمين يقصدون أشياء مختلفة بعبارة «هذا الكرسي مكسور» يوسِّع اللغويون حدود نسَق اللغة لتبرير ما يطرأ على المعنى من تغيُّرات. قد تنطوي عبارة «هذا الكرسي مكسور» على معانٍ مختلفة مُستمدَّة من سلاسل تحتية مُتعددة، يُمكننا التعبير عنها على النحو الآتي: «أُحذِّرك من أن هذا الكرسي مكسور»، «أُخبرك أن هذا الكرسي مكسور»، «أعترف لك بأن هذا الكرسي مكسور»، «أصرِّح لك بأن هذا الكرسي مكسور»، «أشكو لك من أن هذا الكرسي مكسور».
لن يصوغ أوستن نظريته بهذا الشكل، وهو يستريب في محاولات توسيع حدود قواعد النحو؛ إذ يستشهد بالعلاقات بين زوجَين من قبيل: «أُحذِّرك من أن هذا الكرسي مكسور» و«هذا الكرسي مكسور»؛ ليُوضِّح أن قوة الفعل الإنشائي [الإنجازي] illocutionary force لا تنبع بالضرورة من البنية النحوية. والحقُّ أن أوستن يُفرق بين أفعال كلامية locutionary acts وأفعال إنشائية illocutionary acts. حين أقول: «هذا الكرسي مكسور»، أُنجِز فعلًا كلاميًّا locutionary act هو نطق عبارة إنجليزية مُستقلة، كما أُنجِز فعلًا إنشائيًّا illocutionary act هو التصريح أو التحذير أو الإعلان أو الشكوى. (يوجَد أيضًا ما يُطلِق عليه أوستن فعلًا تأثيريًّا perlocutionary act؛ أي الفعل الذي قد أُنجِزه عن طريق إنجاز أفعالٍ كلامية وأفعال إنشائية: بالجدل قد أُقنِعك، وعند تصريحي بشيءٍ قد ألفِتُ انتباهَك إلى معرفته). إن قواعد النسَق اللغوي تُبرِّر معنى الفعل الكلامي، والغايةُ من نظرية فعل الكلام speech act تبريرُ معنى الفعل الإنشائي، أو كما يُطلِق عليه أوستن إلزام الفعل الإنشائي في المنطوق.
إن شرح إلزام الفعل الإنشائي معناه إيضاح الأعراف التي تُتيح إنجازَ أفعالٍ إنشائية مُتنوعة: ما ينبغي على المرء عملُه حتى يقطع على نفسه وَعْدًا، أو يُحذِّر من شيءٍ أو يصرح بشيءٍ أو يأمر بشيء. يقول أوستن: «إلى جانب نُطق الكلمات المعروف أنها إنجازية توجَد أمورٌ أخرى عديدة نافعة تعمل عمل القاعدة العامة السديدة وتُحقِّق المرجوَّ منها حين تُواتينا فرصة نجاحِنا في الفعل. ونتطلَّع، بالفحص والتصنيف، إلى اكتشاف أنماط الحالات التي تجعل الخطأ يعتري شيئًا، فيُخفق الفعل إلى حدٍّ ما: فعل الزواج أو المراهنة أو التوريث أو التعميد» (ص١٤). وبذلك لا يرى أوستن الإخفاق مصادفةً خارجية تطرأ على المنطوقات الإنجازية فلا تؤثِّر في طبيعتها؛ فالمنطوق الإنجازي ينطوي في داخله على إمكان الإخفاق، ويُعَد هذا الإمكانُ نقطةَ البداية في بحثه. لا يمكن لمنطوقٍ أن يصير منطوقًا إنجازيًّا ما لم يكن قابلًا للخطأ.
وقد يبدو هذا المدخل غير مألوف، إلا أنه في حقيقة الأمر يتوافق مع البَدَهيَّات الرئيسة في السميوطيقا. يقول إمبرتو إيكو في نظرية السميوطيقا Theory of Semiotics: «تحل العلامةُ محلَّ الشيء لكي تدلَّ عليه. والسميوطيقا من حيث المبدأ مجال يَدرس كل ما يمكن استعماله في الكذب. فأيُّ شيءٍ حين لا يُستعمَل في قول كذبةٍ لا يمكن بالمقابل استعماله في قول الحقيقة» (ص٧). إن عبارة من قبيل «الوطواط على قُبعتي»، لن تكون مساقًا دالًّا إلا إذا أمكن النطق بها على نحوٍ كاذب. وبالمِثل لن تكون عبارة «إنني أعلنكما الآن زوجًا وزوجة»، عبارة إنجازية ما لم يكن مُمكنًا لها الإخفاق في إحداث تأثيرها المطلوب؛ أي أن تُستعمَل في ظروفٍ غير مخصَّصة لها فلا يَنتج عنها إنجاز فعل الزواج.
ولكي يُحقق المنطوق الإنجازي وظيفته بشكلٍ سَلِس يقول أوستن: «أولًا، لا بدَّ من وجود إجراءٍ عُرْفي مقبول له تأثير عُرْفي مُحدَّد، ويتضمَّن هذا الإجراء أن ينطق أشخاصٌ مُحدَّدون كلماتٍ بعينها في ظروفٍ مُحددة، أَضِفْ إلى ذلك أنه يتحتَّم — ثانيًا — على الأشخاص والظروف في حالةٍ مُحددة أن يكونوا مُخصَّصين لإنفاذ إجراءٍ مُعين يمكن تنفيذه. ويتحتَّم — ثالثًا — على كل المشاركين أن ينفذوا الإجراء بشكلٍ صحيح، و— رابعًا — بشكلٍ كامل في آنٍ» (كيف نصنع أشياء بالكلمات، ص ص١٤، ١٥). فيما يرى هذا التحليل، لا يكون الوعد وعدًا إلا إذا نُطِقَ به بصيغةٍ مِن الصيغ العُرْفية في ظروفٍ مُخصَّصة لذلك. ويرى أوستن أنه من الخطأ عَدُّ المنطوق ««مجرد» علامة خارجية ملموسة على فعلٍ داخلي معنوي تتطابق معه، أو تُدوِّنه بشكلٍ آخر، أو تُعلن عنه» (ص٩). وعلى سبيل المثال، «فعل التزويج، مثلما هي الحال في فعل المراهنة مثلًا، من الأفضل له… أن يوصَف بأنه قول كلماتٍ مُحدَّدة بدلًا من وصفه بأنه أداء فعلٍ داخلي معنوي تأتي الكلمات مجرد علامةٍ عليه مختلفة عنه، علامة خارجية ومسموعة. ولعلَّه مِن الصعوبة بمكان إثبات ذلك، لكنَّني أَزعمُ أن هذا هو الحاصل» (ص١٣).
يرفض أوستن تفسير المعنى بمُقتضى الحالة الذهنية أو النيَّة الباطنة، ويرى أنه مِن الأصح تحليل أعراف الخطاب. فهل يُمكن تنفيذ هذا البرنامج؟ وهل بمقدور نظريته تجنُّب استحضار فكرة الحضور؟ حين كان سوسير يبحث في الصوت أعاد تقديمَ فكرة الحضور في ثنايا مشروعه. فهل بمقدور أوستن مواصلة نظريته من دون إعادة تنصيب فكرة المعنى بما هو قصدٌ دالٌّ حاضر في الوعي عند لحظة النطق، وهي الفكرة التي بمُقتضاها يُصبح معنى فعل الكلام معنًى محددًا أو مؤسَّسًا بشكلٍ مُطلق على قصدية وعيٍ حاضرة إلى نفسها حضورًا كاملًا؟ تُسلِّط قراءة دَريدا الضوء على الكيفية التي تحدُث بها إعادة التقديم تلك. وثَمَّ ملاحظة تلفِت الانتباه بشكلٍ خاص، يتَّضح منها تورُّط أوستن في مثل تلك الإعادة، وذلك في الصفحات الافتتاحية من كتابه كيف نصنع أشياء بالكلمات، حيث يشرع في وضع أساس مشروعه؛ فيَلوم الفلاسفةَ على عَدِّهم العبارات غير الصادقة أو الكاذبة مجردَ منطوقاتٍ هامشية، وهو الأمر الذي يقودنا إلى الظنِّ أن أوستن نفسه سينشغل بتلك المنطوقات الأدبية التي ليست صادقة ولا كاذبة، ولكنَّنا نراه يعترِض على فكرة المنطوق الإنجازي: «أيجِب يقينًا أن ننطق الكلمات «بجدية» وأن نَحمِلها على «مَحْمَل الجد»؟ ذلك صحيح بما فيه الكفاية عمومًا وإنْ بدا غير واضح؛ إذ من المهم والمعتاد في النقاش أن يحوي المنطوق — أيًّا كان — إفادةً. ينبغي ألا أمزح، كَلَّا ولا أكتُبُ قصيدةً مثلًا» (ص٩).
إن البنية البلاغية في المُقتبَس السابق شديدة الإيحاء. فمع أن أوستن يستبعد كلَّ ما هو غير جادٍّ فإنه لا يقدم أيَّ وصف لخصائصه، ولعل السببَ في هذا قلقُه الواضح — عند هذا الموضع — من تجنُّب الإحالة إلى قصدٍ داخلي سيتورَّط فيه من دون شكٍّ مثل هذا الوصف. إذ يضع نصُّه اعتراضًا غامضًا حين يضع تعبيرَ «بجدية» بين علامتَي تنصيص، كما لو أن التعبير نفسه غير جادٍّ على وجه العموم. وتُنتِج حالةُ الازدواج تلك، ذلك الاعتراضَ على نحوٍ يظل معه مصطلحه المفتاحي قلقًا، وبذلك يُسلِّم النص بالاعتراض وكأنه شيء مفروغ منه.
لقد أخبرَنا أوستن منذ قليل أن الفلاسفة اعتادوا استبعادَ منطوقاتٍ لا هي عبارات صادقة ولا هي عبارات كاذبة استبعادًا لا مُبرِّر له. ومن الواضح أن نصَّه يستبعد، الآن، منطوقاتٍ ليست جادةً. وكما تُشير الملاحظة الخاصة بغموضِ ما تؤشِّر عليه صفةُ «الجاد»، فليس لدَينا خطوة حاسمة بهذا الخصوص داخل الفلسفة، بل مجرد استبعادٍ اعتادت الفلسفةُ أن تتَّكئ عليه دومًا. ويقول أوستن في مواضع أخرى، من خلال تعليقٍ لعلَّه على صِلة بتعقيداتِ غير الجاد وما يُحتمَل أنه غير جاد تمامًا: «ليست الأشياء هي الساذجة بل الفلاسفة. ستسمع ما يُقال — وأتوقَّع ذلك — من أن التبسيط الزائد مرضٌ مِهني يُصيب الفلاسفةَ، وقد يُوافق المرء على ما يُقال بطريقةٍ ما، غير أن الشكَّ يتسلَّل إلى كون التبسيط الزائد مِهنتهم حقًّا» (أوراق فلسفية، ص٢٥٢).٣
ويتكرَّر استبعاد غير الجاد في فقرة أطول تُشير إلى ما هو محل رهان. إذ بعد أن يُعدِّد أوستن قائمةً بمختلف أشكال الإخفاق التي تحول دون تحقيق المنطوق الإنجازي، يلاحظ أن المنطوقات الإنجازية خاضعة لأنواعٍ أخرى من العِلل التي تُصيب كلَّ المنطوقات. هذه المنطوقات نتعمَّد استبعادَها في الوقت الحاضر، وإنْ كان يمكن إدراجُها في بيانٍ أشمل. أقصد مثلًا الآتي: سيُعد المنطوقُ الإنجازي فارغًا ولا طائل من ورائه حين يقوله مُمثلٌ على خشبة المسرح، أو حين يَرِد في قصيدة، أو في مناجاة ذاتية. وينطبق ذلك على أيِّ منطوق — وكل منطوق — يطرأ على ملابساته تغيُّر مفاجئ كامل. فاللغة في مثل هذه الظروف تُستعمَل بطرق خاصة على نحوٍ غير جاد، ويُمكننا إدراك ذلك بوضوح، بل بطرُق تتطفَّل على استعمالها المعياري فتُصيب اللغةَ بالوهن والانزواء، ونحن نستبعِد كلَّ تلك الطرُق من البحث. إن منطوقاتنا الإنجازية — سواء أكانت ناجحةً أم لا — تَصدُر عنَّا في ظروفٍ عادية لا استثناء فيها (كيف نصنع أشياء بالكلمات، ص ص٢١-٢٢).
يقترح مجاز الطفيلي، هنا، علاقةً مُماثلة لعلاقة التكميل والإضافة: استعمال اللغة بطريقةٍ غير جادة يُعَد أمرًا إضافيًّا، يُضاف إلى اللغة العادية وتعتمد عليه اعتمادًا كاملًا. ولا ضرورة لوَضْعه في الحسبان عند مناقشة استعمال اللغة العادية، بما أنه مجرد شيءٍ طفيلي.
يرى جون سيرل في ردِّه على ردِّ دَريدا أن هذا الاستبعاد بلا أهمية، أَضِفْ إلى هذا أنه مؤقت.
تتمثَّل فكرة أوستن بكل بساطةٍ على النحو الآتي: إذا أردْنا معرفة كيفية قطع الوعد أو كيفية إنشاء عبارة تتضمَّن وعدًا، فمِن الأفضل ألَّا نبدأ بحثَنا بوعودٍ قطعها مُمثلون على خشبة المسرح في أثناء مسرحية أو بعبارات كتبها روائيون على لسان شخصياتٍ في رواية، والسبب أن تلك المنطوقات لا تُعَد بشكلٍ واضح تمامًا حالاتٍ معيارية لقطع الوعود أو إنشاء العبارات … يرى أوستن — وهو على صواب — أنه من الضروري مؤقتًا تنحية مجموعة الأسئلة التي يُثيرها الخطاب الطفيلي حتى نُجيب منطقيًّا عن مجموعة الأسئلة القَبْلية التي يُثيرها الخطاب «الجاد». («إعادة تكرار الاختلاف»، ص ص٢٠٤، ٢٠٥)
تلك هي «فكرة أوستن» التي رآها لائقةً، غير أن لياقةَ هذه الفكرة — على وجه التحديد — محلُّ تساؤل. يقول دَريدا: «ما يُراهَن عليه — أولًا وقبل كل شيء — هو استحالة «إضفاء مثل هذا الطابع المثالي» استحالةً بنيوية، وأيضًا عدم مشروعيته بنيويًّا، حتى لو كان مؤقتًا على المستوى المنهجي» (الشراكة المحدودة، ص٣٩، ٢٠٦). والحقُّ أن أوستن نفسه حين يبدأ بحثه في المنطوقات الإنجازية ببحث كيف يعتريها الخطأ، يفنِّد فكرةَ سيرل عن الأسبقية المنطقية غير المشروطة: «إن المشروع الذي يهدف إلى إيضاح كلِّ الطرق والتنويعات المُمكنة التي بمُقتضاها لا تقدر الأشياء على القيام بفعل سليم… هذا المشروع لا بد من القيام به إذا أردْنا فَهْمَ ما يَكونه فعلُ الأشياء كما ينبغي» (أوراق فلسفية ص٢٧، والإمالة لأوستن). ولكي نؤسِّس نظريةً عن الاستعمالات العادية في اللغة لا بد أن نضع جانبًا استعمالَ اللغة بشكلٍ طفيلي. وتُثير الاستعمالات «العادية» للغة أسئلةً دقيقة عن كُنْه اللغة الحق، وعلى أي نظريةٍ في اللغة الإجابة عن تلك الأسئلة. لقد رفض أوستن استبعادًا كهذا قام به أسلافُه الذين بافتراضهم أن استعمال اللغة بشكلٍ عادي يُنشِئ عباراتٍ صادقة أو كاذبة، استبعدوا على وجه التحديد الحالات التي تُمكِّنهم من التوصُّل إلى أن تلك العبارات فئةٌ خاصة من الإنجازيات. وحين ينجز أوستن — من بعدهم — استبعادًا مُماثلًا يدفعنا إلى التساؤل عمَّا إذا كان ما يفعله منطقيًّا، وبخاصة أن أوستن وسيرل يذهبان إلى التشكيك في مصداقية التعارُض التراتُبي بين الجاد وغير الجاد حين يضعان كلمة «جاد» بين علامتَي تنصيص. وأما أنَّ كتابة أوستن لعوبة مغوية في الغالب — أو أنه لا يتردَّد في تقويض الفروق التي يصنعها — فلا تؤكد سوى عدم مناسبة استبعاد الخطاب غير الجاد من الدرس.٤
ولا يوظِّف سيرل «الردَّ على دَريدا» في استكشاف تلك المشكلة، بل في إعادة تأكيد البنية التي نحن بصددِها تأكيدًا مُتعنِّتًا. «يوجد شكلٌ غير موفَّق من فعل الكلام يعتمد منطقيًّا على إمكان فعل كلامٍ موفَّق بالكيفية نفسها التي يعتمِد بها شكلٌ غيرُ موفَّق من السلوك على أشكالٍ من السلوك موفَّقة، وبهذا المعنى تتطفَّل الأشكال غير الموفَّقة على الأشكال الموفَّقة» («إعادة تكرار الاختلاف»، ص٢٠٥).
بأيِّ معنًى يعتمد غير الموفَّق على الموفَّق؟ يقدم سيرل المثال الآتي: «لا يقدر المُمثلون في مسرحية على قطع وعودٍ لو لم يوجَد إمكان قطع الوعود في الحياة الواقعية». ومن اليقين أننا قد اعتدنا التفكير بهذه الطريقة: الوعد الذي أقطعُه على نفسي حقيقي، وأما الوعد المقطوع في مسرحية فهو محاكاة الوعد الحقيقي أدبيًّا؛ أي إعادة فارغة لصيغة تُستعمَل في قطع الوعود الحقيقية. غير أنه بمقدور المرء رؤية علاقة الاعتماد وهي تشتغل بطريقةٍ أخرى: حين لا تتمكَّن الشخصية في مسرحيةٍ من قطع وعدٍ فهذا معناه أنه لا توجَد وعود يمكن قطعها في الحياة الواقعية؛ لأن ما يجعل الوعد ممكنًا — فيما يُخبرنا أوستن — هو وجود نَهْج عُرْفي وصيغ يَقدِر المرء على تكرارها. لكي أقدر على قطع وعدٍ في «الحياة الواقعية» لا بد من وجود إجراءات أو صِيَغ تقبل الإعادة والتكرار، مثل تلك التي تُستعمَل على خشبة المسرح. فالسلوك «الجاد» حالة خاصة من لعب دور في مسرحية.
يتساءل دَريدا أو يتظاهر بأنه يتساءل: «هل ينجح المنطوق الإنجازي إذا لم تُكرِّر صيغتُه منطوقًا «مشفَّرًا» أو قابلًا للإعادة، وبكلامٍ آخر: إذا لم تكن الصيغةُ التي أُعلِنُ بها افتتاحَ جلسة أو إبحار سفينة أو عقد زواج صيغةً مُحددة تتطابق مع نموذج يقبل الإعادة، وإذا لم تكن مِن ثَمَّ ممكنةَ التحديد بوصفها «صيغة يمكن اقتباسها أو إيرادها مرة أخرى أو الاستشهاد بها»، فهل ينجح المنطوق الإنجازي؟» (هوامش الفلسفة، ص٣٨٩، SEC ص ص١٩١-١٩٢). وما دامت توجَد «الحالة المعيارية» التي يمضي بمُقتضاها قطعُ الوعد، فلا بد من التسليم بأنها تُكرر إجراءً عُرْفيًّا، ويُعَد أداءُ المُمثل على خشبة المسرح نموذجًا ممتازًا لهذا التكرار. إنَّ إمكان وجود عباراتٍ إنجازية «جادة» يعتمِد على إمكان وجود إنجازيات، والسبب هو أن العبارات الإنجازية تعتمد على قابلية الإعادة التي تتجلَّى بوضوحٍ في الإنجازيَّات.٥ ومثلما قَلَبَ أوستن التعارُضَ التراتبي الذي أنشأه السابقون عليه حين أوضح أن العبارات التقريرية حالة خاصة من العبارات الإنجازية، نقلب التعارضَ الذي يُنشِئه أوستن بين الجاد والطفيلي بإيضاح أن العبارات الإنجازية التي يزعم أنها «جادة» هي مجرد حالة خاصة من الإنجازيَّات.
وذلك مبدأ في الاتساع جدير بالاعتبار. يصبح المساقُ دالًّا حين يَقبل الإعادة، حين يمكن تكراره في مختلف السياقات الجادة وغير الجادة، حين يمكن إيراده ومحاكاته محاكاة ساخرة. وليست المحاكاة أمرًا عارضًا يصيب ما هو أصلي بل هي شرط إمكانه. فما نُطلق عليه أسلوب هيمنجواي الأصلي هو كذلك؛ لأنه يمكن اقتباسه ومحاكاته والسخرية منه. ولكي يوجَد هذا الأسلوب، لا بد من التعرُّف على سِماته التي تميزه والتي تجعله ينتج تأثيراتٍ متميزة، وبما أن سمات الأسلوب يمكن التعرف عليها فلا بد أن المرء يقدِر على عزلِها بوصفها عناصر ممكنة التكرار. ومِن ثمَّ فإن قابلية الإعادة التي يُعلِن عنها ما ليس بأصيل ومُشتق ومحاكاتي وساخر، هي ما تجعل الأصليَّ والأصيلَ ممكنًا. أو فلْنضرب مثلًا أوثقَ صِلة بالموضوع: لا يوجَد التفكيك سوى بفضل عملية الإعادة وحدَها، وقد يخاطر المرء بالحديث عن ممارسة تفكيكية أصلية في كتابات دَريدا فيُنحِّي جانبًا ما يقوم به أتباعه المُعجبون به من عمليات محاكاة له على أساس أنها مُمارسات مُشتقة، ولكن حقيقة الأمر أن تلك التكرارات أو السخريات أو «أنواع الوَهَن» أو أشكال التشويه هي ما يُنشِئ أيَّ منهج، فتتمفصل — ضمن حدود عمل دَريدا نفسه — مع ممارسة التفكيك.
تُسلِّط القراءة التفكيكية الضوء على الطريقة التي يُكرِّر من خلالها أوستن خطوةً عَيَّنَ هو حدودَها عند آخرين وانتقدَها، كما تُسلط الضوء على الطريقة التي يضع بها فرقًا بين الجاد والطفيلي، وهو الفرق الذي مكَّنه من مباشَرة تحليل أفعال الكلام، وهو أيضًا الفرق الذي تُقوِّضه مُضمراتُ هذا التحليل نفسه. وما دام يمكن إعادة إنتاج أي عبارة إنجازية جادة بطرُق متنوعة، والعبارةُ نفسها تكرارُ إجراءٍ عُرْفي، فهذا معناه أن إمكان التكرار ليس أمرًا خارجيًّا يطرأ على الإنجازيَّات الجادة. ومِن ثمَّ، يُلِحُّ دَريدا على أن الإنجازيَّ مبنيٌّ، منذ البداية، على أساس هذا الإمكان: «هذا الإمكان جزء من الحالة التي يُزْعَمُ أنها «معيارية». إنه جزء جوهري ومُحايث ومُستمر، كما أن استبعاد ما يَعترف أوستن نفسه بأنه إمكان ثابت من وصف المرء، يُعَد وصفَ شيءٍ آخر سوى الحالة المعيارية المزعومة» (الشراكة المحدودة، ص٦١، ٢٣١).
ومع ذلك، لا يُعد استبعادُ أوستن ما هو طفيلي — مثلما هي الحال في استبعاد سوسير الكتابة — مجردَ خطأ كان يُمكِّنه اجتنابه، بل هو جزء استراتيجي في مشروعه. وكما قد رأينا أعلاه، من جهة أوستن يؤدي المنطوقُ وظيفةً إنجازية ومن ثَمَّ يكون له معنًى محدد، أو ينطوي على فعل إنشائي [إنجازي] حين يوجَد إجراء عُرْفي يتضمن «النطق بكلماتٍ معينة بواسطة أشخاص مُعينين في ظروف معينة» وحين تُنفَّذ الشروطُ المخصوصة بالتمام والكمال. بذلك يصبح الفعل الإنشائي [الإنجازي] معتمدًا اعتمادًا كاملًا على السياق. وعلى المُنظِّر تحديد ملامح السياق الأساسية — طبيعة الكلمات، والأشخاص، والظروف اللازمة — لكي يكون في استطاعته تفسير المعنى. ما الذي يحدث حين يقوم المرء بهذا التحديد؟ يستشهد أوستن بمثال الزواج، إذ حين يقول القسُّ: «أُعلِنُكما الآن زوجًا وزوجة»، ينجح منطوقه في إنجاز فعلِ الجمع بين رجلٍ وامرأة بالزواج إذا كان السياق يَفي بشروط معينة: إذ لا بد أن يتمتع المتحدِّث بسلطة إنجاز القران ولا بدَّ للشخصَين اللذين يخاطبهما أن يكونا رجلًا وامرأةً لم يسبق لهما الزواج، ولا حصلا على إذنٍ بالزواج من قبل، لا ولا نطقا العبارات المُقتضية له في مراسم سابقة. وحين يصوغ المرء تلك الشروط المُتعلقة بالكلمات والأشخاص والظروف الضرورية لمنطوقٍ يحمل معنًى خاصًّا أو إلزامًا، يقدر المستمع أو الناقد — من دون صعوبة تُذْكَر في العادة — على تخيل الظروف التي تقتضيها تلك الشروط وليس للمنطوق فيها إلزام الفعل الإنشائي [الإنجازي] الذي من المفروض أن يترتب عليه، كأن نفرض مثلًا أن مُقتضيات مراسم الزواج مُستوفاة غير أن أحد المشاركين كان تحت تأثير التنويم المغناطيسي، أو أن المراسم جميعها مُكتملة لكنها كانت عبارة عن «بروفة»، أو أن المُتحدث كان قسًّا يمنح الإذن بإنجاز القران وقد حصل عليه الزوجان من قبل، أو أن ثلاثتهم كانوا عند هذه اللحظة يلعبون أدوارًا في مسرحية تتضمَّن مراسم عقد القران.
حين يقترح أيُّ شخصٍ مثالًا على جُملة بلا معنًى، يقدر المستمعون في العادة على تخيُّل سياقٍ، يمكن فيه لهذه الجملة أن تكون ذات معنًى، فبواسطة تأطيرها يجعلونها دالةً. هذا الوجه من وظيفية اللغة — أي إمكان تطعيم grafting جملة بسياقٍ يُغيِّر من وظيفتها — ناشطٌ أيضًا في حالة العبارات الإنجازية performatives. ووَفْقَ أيِّ تحديدٍ للظروف التي يُعَد معها المنطوقُ وعدًا، يُمكننا إما تخيُّل تفاصيل إضافية تصنع اختلافًا، وإما وضع تأطير آخر للظروف (كأن نتخيَّل مثلًا تنفيذ الشروط على خشبة مسرح أو في مثال شارح).
ولكي يَحدَّ أوستن من تلك العملية أو يضبطها — تلك العملية التي تُهدد إمكان نظرية ناجحة عن أفعال الكلام — يهتدي إلى إعادة تقديم فكرة سبق أن رفضها، ألا وهي المتعلقة بأن معنى المنطوق يعتمد على حضور قصدية الدلالة في وعي المُتحدث. أولًا: يُنحِّي أوستن جانبًا ما ليس بجادٍّ، وهي فكرة لا يُحددها صراحةً لكنها تتضمَّن إحالة واضحة إلى القصد: فعل الكلام «الجادِّ» هو الفعل الذي يُصادِق فيه المُتكلمُ بوعيٍ على الفعل الذي يُظهر أن المُتكلم يريده ناجزًا. ثانيًا: يقدم أوستن القصد بما هو السمة الأولى في الظروف المحيطة حين يُنحِّي أفعال الكلام المنجَزة بلا قصدية — «تلك التي تتم تحتَ الإكراه أو بالمصادفة، أو بسبب هذا أو ذاك من أنواع الغلَط، ولنقُل: بأي سبلٍ أخرى لا قصدية فيها» (ص٢١).
ومع ذلك، لا يحلُّ هذا التقديم الجديد المشكلة؛ إذ ليس بمستطاع القصد أن يلعب دور المُحدِّد الحاسم أو الأساس المطلق في نظرية أفعال الكلام. ولِفَهْم ذلك يحتاج المرء إلى مجرد التفكير فيما يحدُث لو أن أحد المشاركين قال بعد إتمام مراسم الزوج إنه كان يمزح حين نطق بالكلمات التي قالها، أو إنه كان يتظاهر فقط، أو إنه يؤدي بروفة، أو إنه فعل ما فعل تحت ضغط الإكراه. وعلى فرض أن الآخرين قد صدَّقوا ما أخبر به عن نِيَّته، فلن يكون ذلك في حدِّ ذاته حاسمًا. ما قد كان يدور في ذهنه عند لحظة النُّطق لن يُحدِّد ما قد أنجزه منطوقُه في فعل الكلام speech act. وفي المقابل، تعتمد قضيةُ إذا ما كان الزواج قد حدث حقًّا على مناقشةٍ مُستفيضة للظروف؛ فلو أن القسَّ قال ستوجَد بروفةٌ بملابس رسمية كاملة تسبق مباشرةً المراسم الحقيقية، أو لو أثبت العريس أن والد العروس كان يُهدده في أثناء المراسم بمسدس، عندئذٍ ربما يصِل المرء إلى استنتاجٍ مختلف بخصوص إلزام الفعل الإنشائي [الإنجازي] في منطوقاتهم illocutionary force of their utterances. وما يُوضَع في الحسبان هو وصف الظروف وصفًا مقبولًا ظاهريًّا: إذا ما كانت ملامح السياق الإجمالية تخلق إطارًا عامًّا يُغيِّر من إلزام الفعل الإنشائي في المنطوقات.
وعليه، فإمكان تطعيم grafting منطوقٍ بسياقٍ جديد — أي إمكان تكرار صيغةٍ في ظروف مختلفة — لا يزعزع مبدأ كون السياق — لا القصد — هو الذي يُحدد إلزام الفعل الإنشائي، بل يؤكد — على العكس — هذا المبدأ: في عملية الاستشهاد citation أو الإعادة iteration أو التأطير framing تُغيِّر الملامحُ السياقية الجديدة من إلزام الفعل الإنشائي. ونحن بذلك نُقارب مبدأً شاملًا أهميتُه جديرةٌ بالتفكير؛ فما يضع تماسُكَ العبارات الإنجازية والأداء موضع التساؤل ليس تحديد إلزام الفعل الإنشائي عن طريق السياق، بل إمكان هيمنة حقل أفعال الكلام من خلال تفصيل المُحدِّدات السياقية الواجبة لإلزام الفعل الإنشائي تفصيلًا حصريًّا. ومِن حيث المبدأ، لا بد أن تتمكَّن نظرية أفعال الكلام من تحديد كلِّ ملمحٍ في السياق قد يؤثِّر في نجاح فعلٍ كلامي بعينه أو إخفاقه، أو قد يؤثر تأثيرًا قويًّا فيما يُنجزه منطوق فعل كلامي مُحدد. ويُقرر أوستن أن ذلك يستلزم سيادة السياق كليةً: «إن فعل الكلام التام في موقف كلام تام ظاهرة واقعية فحسب نحاول شرحها، وهذا هو السبيل الوحيد المتاح» (ص١٤٨). غير أنه لا يُمكننا السيطرة على السياق في كُلِّيته، من حيث المبدأ وعلى المستوى العملي في آنٍ. المعنى حدُّ السياق، ولكن السياق غير محدود. ويقول دَريدا صراحةً: «هذه نقطة بدايتي: لا يمكن تحديد المعنى بمعزِل عن السياق، غير أنه ما مِن سياقٍ يصِل إلى درجة التشبُّع. وما أُحِيلُ عليه، هنا، ليس ثراء المحتوى، أي الخصوبة الدلالية، بل على الأصح البِنية، بِنية ما يتبقَّى أو بِنية الإعادة» («مواصلة الحياة»، ص٨١).
السياق غير محدود بمعنيَين. الأول: إن أيَّ سياق مُعطًى عرضة لوصفٍ إضافي، فمن حيث المبدأ لا يوجَد حدٌّ لما قد يتضمَّنه أيُّ سياقٍ مُعطًى، كما لا يوجَد حدٌّ لما قد يظهر أنه على صِلة بأداء فعل كلام مُحدد. هذا الانفتاح البنيوي في السياق أساسٌ في كل فروع المعرفة؛ فالباحث يكتشِف أنَّ العوامل التي تُجوهِلَت سابقًا على صلةٍ بسلوك موضوعاتٍ مُعينة، ويقدم المؤرِّخ مادة جديدة أو يُعيد تفسير معلوماتٍ ليحملها على حدثٍ مُعين، والناقد يعود بفقرةٍ أو نصٍّ إلى سياقٍ، بما يجعل النص يتبدَّى في ضوءٍ جديد. ويرى دَريدا أن اللحظات اللافتة للنظَر المُتعلقة بإمكانات توصيف السياق توصيفًا إضافيًّا آخَر هي إزاحات تُتيحها فكرة اللاوعي. في كتابه أفعال الكلام Speech Acts يُحدِّد سيرل Searle شرطًا من شروط قطع الوعد على النحو الآتي: «لو أن ظاهر الوعد لا ينطوي على خلَل، فلا بد أن يكون الشيء الموعود به شيئًا يُريده السامع، أو يدخل ضمن اهتمامه» (ص٥٩). وحين تُصبح الرغبة اللاواعية ذات أهميةٍ سياقية ستتغيَّر مِن ثمَّ منزلة بعض أفعال الكلام: إن المنطوق يَعِدُ بفعل ما يريده السامع على مستوى الظاهر، وأما على مستوى اللاوعي فقد توجَد أشياء مفزعة تَحول دون كون الوعد وعدًا، فيُصبح تهديدًا. وفي المقابل، فهذا المنطوق الذي يظنُّه سيرل وعدًا ناقصًا بسبب أنه «يَعِدُ» بشيءٍ يدَّعي السامع أنه لا يريده، يُصبح وعدًا كاملًا (الشراكة المحدودة، ص٤٧، ٢١٥). السياق هو الذي يُحدد المعنى، ولذا فهو عرضة للتغيُّر حين تحتشد إمكاناتٌ إضافية أخرى.



