ترنيمة الرماد والأثير: فلسفة البعث من قلب السعير/أ. حسناوي سيلمي

حين يلبس الوجود جلباب الدخان، وتصير السماء سقفاً من أسى مسجور، لا تعود الحرائق مجرد التهام للأوراق والجذوع؛ إنها المحنة حين تختبر طينة الأرض وجوهر الإنسان. في هذه الأيام الكربلاء من تاريخ الجزائر، حين صعدت زفرات غابات تيزي وزو وبجاية وجيجل إلى عنان السماء، لم تكن النار تحرق الشجر، بل كانت تبحث عن عمق الذهب في معادن البشر . وقف الزيتون العتيق—شاهد القرون والسكينة—يتحول إلى مشاعل من نور مؤلم، يئن تحت وطأة القيظ، وكأن الطبيعة تُعلن مخاضاً كونياً يساءل فيه الفناءُ البقاءَ.النار في فلسفة الكون ليست نهاية؛ إنها الهدم الذي يسبق البناء الأسمى. فعندما امتدت ألسنة الجحيم لتلتهم الجبال، لم يرتعد الإنسان الجزائري، بل أدرك بحدسه الأزلي أن الموت يُهزم بفيض الوجود المشترك.
في خطوط النار الأولى، تلاشت الحدود بين الذات والآخر؛ انصهر رجال الحماية والجيش والمتطوعون في بوتقة واحدة، مذكرين إيانا بفلسفة التضحية: أن تموت جزئياً ليعيش الكل. لم تكن دلاء الماء المنسكبة مجرد إطفاء لغضب الطبيعة، بل كانت طقساً صوفياً لغسل الحقد، وترسيخاً لقيمة الفداء حيث الغريب يفتدي الغريب بمهجته ودمه.ومن رحم ذاك السواد، انبثقت أعظم لوحات الوجود عمقاً. تحركت جغرافيا الوطن لا بالأقدام، بل بوجيب القلوب الشاعرة. أقبلت قوافل الجنوب محملةً ببركة الواحات، وجاء الغرب بفيض نبله، والوسط بلهفة روحه، ليلتقوا جميعاً عند جرح الشرق والقبائل النازف. هذه الهبة التضامنية لم تكن مجرد إغاثة مادية، بل كانت تجلياً لـ “الوعي الكلي”؛ حقيقة فلسفية تثبت أن الألم إذا نزل بعضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. سارت الشاحنات عبر الفيافي والقفار كشرايين ممتدة تثبت أن المسافات مجرد وهم أمام حقيقة الانتماء الواحد.في مراكز الإيواء والمستشفيات، تحولت الجراح إلى لغة حوار صامتة وأكثر عمقاً من الكلمات. هناك، حيث ينكسر الجسد، يعلو الروح.
كانت الأياد الحانية التي تمسح الندوب تقرأ في الوجوه المحترقة كتاب “الولادة الجديدة”. إن فلسفة التضامن الجزائري تجلت في تحويل “المأساة الشخصية” إلى “ملحمة جماعية”؛ فلا بواكي للبيوت المهدمة ما دام الحصن الإنساني مشيداً بالحب والتآخي.إن الغابات التي كساها الرماد لم تمت؛ فالرماد هو السماد السري للخلود. لقد أثبت الإنسان في هذه الأرض أن الروح أقوى من المادة، وأن المحبة أسرع انتشاراً من ألسنة اللهب. لم تنطفئ النار بالماء وحده، بل انطفأت بيقين القلوب التي رأت في الرماد فضاءً جديداً لغرس بذور البقاء. وستظل هذه اللوحة التضامنية شاخصة في جدار الزمن، حكمةً خالدة تروي للأجيال: أن الشعوب العظيمة لا تنكسر بالبلاء، بل تُصهر فيه لتعود أكثر نقاءً، وصفاءً، وجمالاً.



