أصداء الجمر في محاريب السكون/أ. حسناوي سيلمي

في تلك البقعة المنسية من العالم، حيث يتقاطع غسق العمر بشفق الأمنيات، كان سليم يجلس على مقعده الخشبي العتيق، مراقباً انتحار الضوء على حافة الأفق. لم يكن غيابه عن ضجيج المدينة رغبة في التلاشي، بل كان انكفاءً واجباً؛ إذ أدرك مبكراً أن حنجرة اللغة أضيق من أن تتسع لشهيق الوجع، وأن الكلمات—مهما أوتيت من بلاغة—ليست سوى توابيت ضيقة لأفكار شاسعة.
كان يحمل في صدره قلباً مثقلاً بأسرار لم تجد لها في مساحات البوح مأوى. أسرار كالنجم الآفل، تملك من الحرارة ما يكفي لإحراق السطور، لكنها تفتقر إلى الفضاء الذي يحتمل مداراتها. خلف ملامحه المسترسلة في هدوء يشبه طمأنينة المقابر، كانت تدور حروب طاحنة، ومعارك صامتة لا رايات فيها تُرسم، ولا هدنة تلوح في الأفق. كان غبار المعارك العاطفية والفكرية يملأ تجاويفه، لكنه يصر على إبقاء ملامحه الخارجيّة كسطح بحيرة راكدة في ليلة بلا ريح.
في باحة روحه، كان يتراكم عتب ثقيل كالجمر المخبوء تحت الرماد. كم تنفس الصعداء ليمنع هذا العتب من التدفق؛ إذ علم بيقين الفيلسوف وعاطفة الشاعر أن الحقيقة لو نُطقت بكامل عريها، لأحرقت بهشاشتها أولئك الذين يحبهم. اختار أن يحترق هو بناره الخاصة، على أن يدع شظايا كلماته تخدش أرواحاً تشبثت به يوماً. لقد غدا الصمت لديه ملاذاً وعقاباً في آن واحد؛ ملاذاً يحميه من ابتذال الشرح، وعقاباً يجلده بأسواط العزلة الوجودية. كان الصمت قناعاً يرتديه كل صباح، يمشطه بعناية ليبدو بخير أمام العابرين، يبتسم للمارة، ويحيي الجيران، بينما في العمق المتواري خلف جدار العينين، كانت قلاع نفسه تتداعى لبنة لبنة، وانهياراتها الرهيبة تحدث في صمت مطبق، صمت كوني لا يسمعه أحد، سوى العدم الذي يرقب المشهد من بعيد.
ولم يكن ذلك الصمت المطبق ليمر دون أن يرتطم بجدار ينبض؛ فبينما كان سليم يغرق في لُجّته، كانت “زليخة” ترقبه من مسافة الروح لا الجسد. زليخة، التي كانت تقرأ الفراغات بين الكلمات وتدرك أن خلف كل قناع هادئ زلزالاً مؤجلاً، اقتربت منه ذات مساء، وفي يدها مصباح ضئيل وفي عينيها أسئلة بحجم المدى. لم تقتحم عزلته بضجيج العتاب، بل جلست عند حافة صمته، كمن يجلس قرب نهر مقدس يخشى أن يعكر صفو مياهه بكلمة طائشة.
نظرت إلى ملامحه الوديعة، ورأت بعين بصيرتها غبار تلك الحروب الطاحنة التي يخفيها، ولمحت الشروخ الرهيبة في قلاعه المتداعية. لم تقل له “تحدث”، لأنها علمت أن الوجع إذا اتسع ضاقت به الحروف، بل مدت يدها ومسحت على يده برفق، في إشارة خفية تفيد بأنها هنا، ليست لتسمع صوته، بل لتقاسم النبض في تلك العتمة التي لا يسمعها أحد. في تلك اللحظة، التقت عينان تخفيان الجمر، بعينين تملكان القدرة على احتواء الرماد.
لم تحاول زليخة أن تنزع قناع سليم بالقوة، بل جعلت من حضورها رداءً آخر أكثر دفئاً، يغنيه عن عناء الاختباء. بدأت تنسل إلى عزلته بهدوء مكين؛ فكانت تشاركه الصمت وكأنه لغة ثالثة يفهمانها معاً، وتتقاسم معه عبء الرسائل المعلقة التي لم تُكتب قط، والعتب المخبوء الذي تخوف سليم من إطلاقه لئلا يحرق من يحب. بمرور الأيام، تحول وجود زليخة إلى مصلٍّ يهدئ ضجيج تلك الحروب الطاحنة في أعماقه، إذ وجد في عينيها مأوى آمنًا لأسراره دون حاجة للبوح أو التبرير. هكذا، تراجعت حدة العقاب الوجودي الذي فرضه على نفسه، وتبددت وطأة الانهيارات الداخلية، بعد أن أدرك أن ثمة صمتاً لا يعني التداعي، بل يعني الطمأنينة بين يدي روح تفهم دون أن تسمع.
وفي غمرة ذلك التحول الخفي، لم يغادر سليم صمته تماماً، ولم تطالب زليخة بجعل الكلام جسراً وحيداً بينهما؛ بل بقيت اللمسة والوجيب هما البلاغة البديلة. جلس الإثنان على ذلك المقعد الخشبي العتيق، مراقبين الضوء الذي يعود لينبت كل صباح بعد انتحاره في الأفق, تاركين للمدى أن يعيد ترتيب فوضى الأرواح في سكون تام.
لم يعد الصمت بعد ذلك اليوم عقاباً ينهش الغائر من جراح سليم، ولا غدا قناعاً يرتديه ليواري خلفه خراب الأعماق، بل صار مساحة سلام شاسعة يتقاسم اتساعها مع روح أتقنت فن الإصغاء إلى الرماد. بقيا هناك، ككتاب مفتوح في صفحة بيضاء، يدعوان كل عابر تداعت قلاعه في خفاء أن يتأمل في سر ذلك الشفاء: هل كان الصمت هو الداء أم كان الدواء المخبوء في أعماق من نحب؟ وهل نشفى حين نجد من يسمع كلماتنا، أم حين نلتقي بمن يتسع صمته لوجعنا دون تبديد؟



