تراتيل البيدر وبوح الملامح/ أ.حسناوي سيلمي

في تلك القرية المعلقة على حافة الأفق، حيث الزمان يمرّ ويداه ممتلئتان بالصبر، كان يعقوب يقف في البيدر الشاسع. كانت الشمس تدنو من مغربها، كأنها عينٌ ذهبية تودّع الأرض بكبرياء باقٍ، صابغةً الأفق بألوان الأرجوان والرماد، بينما كانت أسراب الطيور العائدة إلى أعشاشها ترسم خطوطاً من الانعتاق والحرية؛ تغدو خفيفةً بعد يومٍ طويل، تماماً كحبات القمح التي تنفض عنها ثقل الغبار. بين يدي يعقوب غربال قديم، يملأه بحبات الحنطة الذهبية، ثم يرفعه عاليًا لتذروه في الفضاء. ومع كل رفعة، كانت تهبّ نسمة ريح باردة تفاجئ الأبدان، تمرّ لتأخذ الغبار العالق بعيدًا، وتترك الحبات النقيّة تهبط في حجر الأرض مستسلمة وجاهلة بمصيرها تحت طواحين الزمن، التي كان صداها البعيد يأتي من وراء التلال كأنه دقات قلب الكون الرتيبة والمستمرة.كان يتأمل ذلك المشهد بعينين تحملان فلسفة الوجود: ثمة ضرورة للريح، وثمة حاجة للغربال، فالأشياء لا تصفو إلا إذا جرؤت على التخلي عن غبارها العالق بها. وكانت الحكمة المنسية تدور في خلده كصوت تلك الطواحين الهادئة: صفي القمح وذريه وخلي القمح يدي غباره… فالنقاء له ثمن، ولا بد للقمح أن ينفض عن كاهله ما ليس منه ليصير خبزًا، وليصير حياة.على مقربة منه، فوق الأرض التي تبدو بسمرتها العميقة ورائحة ترابها العتيق كأمٍ صبورة مستعدة دائماً لاحتواء الخيبات، كان يجلس الشيخ محمد رجل خطّ الزمان على وجهه جغرافيا كاملة من الفصول. لم يكن بحاجة لأن يتكلم ليعرف الناس ما يدور في أعماقه. كان وجهه شاشة شفافة تعكس تقلبات الطقس في قلبه. التفت إليه يعقوب، ونظر إلى قسمات وجهه المثقلة، وقال بصوت أشبه بوشوشة الريح: يا شيخ محمد، أرى في عينيك غباراً لا تذهبه هذه النسمات الباردة .ابتسم الشيخ ابتسامة باهتة، كأنها ضوء شمس شاحب يمر عبر ضباب الخريف، وقال بصوت مثقل بالخبرة: يا بني، القلبُ إذا كان مهموماً، فإن الوجه يعطي أخبارَه.
الوجوه هي المخطوطات التي تكتبها الأرواح في عتمة الكتمان. نحن نحاول غسل قلوبنا بالصمت، ونحاول ذرو الهموم في فضاء النسيان، لكن حبر الحزن ثقيل، ما إن يسكن الروح حتى يفيض على الملامح خطوطاً وتجاعيد ونظرات كاسفة . وقف كلاهما يتأملان الغبار المتطاير في الأفق وسط هدوء المساء وسكون الحركة إلا من هدير الطواحين البعيد. الإنسان كحبة القمح, تصقله المعارك، وتذروه الأيام، ويمر بغربال الابتلاء. والحزن ليس عيباً يُخفى، بل هو دليل على أننا أحياء، نملك وجوهاً تأبى الكذب وامتلاك الأقنعة.لكن يعقوب، وهو يرفع الغربال للمرة الأخيرة، رأى شعاعاً أخيراً من نور الشمس يخترق ذلك الغبار المتطاير، فيحيله إلى ذهب يلمع في الهواء قبل أن يتلاشى. التفت إلى الشيخ وقال ونبرة الأمل تملأ عينيه: ولكن انظر يا شيخ محمد.. الغبار يرحل في النهاية، وتبقى الحبة الصافية جاهزة لتهب الحياة. الوجوه التي تخبرنا بالهموم اليوم، هي ذاتها التي ستشرق بالبِشر غداً عندما يأتي فجر الفرج، فما ضاق وجهٌ بالغمّ إلا ليتسع بنور الصبر والرضا .هز الشيخ محمد رأسه موافقاً، بينما كانت النسمة الباردة تحمل آخر بقايا الغبار بعيداً، تاركة البيدر نقياً، والقلوب مستعدة لربيع جديد.



