📰 آخر الأخبار
جيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علويأَنا نِساءٌ أُخْرَياتٌ يَصْرُخْنَ فِي صَمْتِي / ثورية الكور - المغربA Universe in a Single Pill / Dr. Nam Young-jooصراع الاستعادة وتحدي المعنى: هل تنجح اللقاءات التواصلية للأحزاب المغربية في كسر الجدار الرقمي واستعادة ثقة الشارع قبل تشريعيات 2026؟ ​ حسن كرياطتمائم الحقائق/سميرة جدي - الجزائرالحكاية الشعبية في أدب الطفل... ........ " من حفظ الذاكرة إلى بناء الهوية والمواطنة.."حسين عبروسA Short Collection By Soran Mohammedمابين عينيك وقلبي/الشاعر فيصل النائب الهاشميالحلم والبحر/عارف عبد الرحمنثلاث أضاميم من الهايكو النسوي الهندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالترنيمة الرماد والأثير: فلسفة البعث من قلب السعير/أ. حسناوي سيلميفي التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل
جيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علويأَنا نِساءٌ أُخْرَياتٌ يَصْرُخْنَ فِي صَمْتِي / ثورية الكور - المغربA Universe in a Single Pill / Dr. Nam Young-jooصراع الاستعادة وتحدي المعنى: هل تنجح اللقاءات التواصلية للأحزاب المغربية في كسر الجدار الرقمي واستعادة ثقة الشارع قبل تشريعيات 2026؟ ​ حسن كرياطتمائم الحقائق/سميرة جدي - الجزائرالحكاية الشعبية في أدب الطفل... ........ " من حفظ الذاكرة إلى بناء الهوية والمواطنة.."حسين عبروسA Short Collection By Soran Mohammedمابين عينيك وقلبي/الشاعر فيصل النائب الهاشميالحلم والبحر/عارف عبد الرحمنثلاث أضاميم من الهايكو النسوي الهندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالترنيمة الرماد والأثير: فلسفة البعث من قلب السعير/أ. حسناوي سيلميفي التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل

وأخيرًا، توظِّف كتابات دَريدا تطعيمات تنتمي عادةً إلى التقنيات الشعرية من أجل تمزيق العادات التقليدية في الفكر وإقامة روابط جديدة: استثمار العلاقات الإتيمولوجية والمورفولوجية والكتابية والصوتية أو استثمار الروابط الدلالية التي تُقِيمها كلمةٌ واحدة. فكتاب نواقيس يستثمر العلاقات بين كلمات مُتنوعة من خلال الحرفين gl وcl. وأما كتاب الحقيقة في الرسم ﻓ «يتخلَّى عن الحرفين gl ويبحث في الحرفين tr» (ص١٩٥)، ويشرح ما قد يتطوَّر عن هذا الاهتمام باﻟ «سمة   trait» (الحد الفاصل line، الهيئة المائزة feature، الصِّلة connection، ضَرْبَة بالفرشاة stroke، مُخطط تمهيدي outline، شُعاع shaft، إبراز projection، امتداد stretch، تقييد leash، أثر trace):

ثم في موضع آخر، تنسحب مناقشة الهيئات أو السِّمات المتواترة، بأكملها، نحو التقاطُع بين «عائلتَين من الكلمات»، إحداهما عائلة كلمة Riss [= الشقَّ الفاتح] «الصدع rift» (الهَيْكَلة الأولية التي تُتيح الانكشاف Aufriss، المسوَّدة draft، المحيط Umriss، المخطط التمهيدي outline، الإطار frame، تخطيط إجمالي sketch، التصميم المبدئي Grundriss، الخطة plan، الملخَّص summary)، والثانية عائلة كلمة Zug، Ziehen، Entziehen، Gezüge (الهيئة أو السمة feature، السحب draw، الدفع pull، الانسحاب والتراجع withdraw، الترخيم الذي يجمع كل الهيئات: «الصدع rift هو الصورة التي يتوحَّد فيها كلٌّ من المسوَّدة والخطَّة، الخَرْق والحد الفاصل»، هيدجر «أصل العمل الفني»). (الحقيقة في الرسم، ص٢٢٢)

فالروابط التي تؤكد أصول الكلمة وتاريخها etymology أو بنية الكلمة وصرفها morphology، وتكشف عن وجود صدع أو شق فاتح، في أعماق المسوَّدة والمخطط التمهيدي والخطة؛ هذه الروابط سبلٌ لتطويق مفهومٍ والتأثير في قوته. ويجري ذلك بعناية خاصة حين يكون جذرُ العنصر — مثلما هي الحال في عائلات الكلمات المستشهد بها هنا — ترجمةً للاختلاف المُرْجِئ    differance: العلامة أو الهيئة بما هي فجوة. ومن بين طاقم الكلمات التي تضعها علاقتُها بكلماتٍ أخرى في منظورٍ جديد كلمة marge (= هامش وحافَّة ومنطقة حدِّية)، marque (= إشارة)، marche (= مسيرة) ([وهي تعني على التوالي:] هامش margin، إشارة mark، مسيرة step)، وأما «العائلة» الأقوى المُستعمَلة في محلِّها تمامًا فهي عائلة الكلمات الثلاث الآتية: pharmakon (= السم والدواء)، pharmakeus (= الساحر والمشعوذ والسجين)، pharmakos (= كبش الفداء)، ويستعملها دَريدا في مقاله «صيدلية أفلاطون» La Pharmacie de Platon. وتستحق عائلة الكلمات هذه أن نعرضها مثالًا على منطق الدلالة الذي تكشف عنه القراءة التفكيكية.

تُوصَف الكتابةُ في محاورة فيدروس   Phaedrus بأنها pharmakon، وهي كلمة تعني كُلًّا من «الدواء» (دواء لعلاج ضعف الذاكرة، مثلًا) و«السُّم». ويُقدِّمها مخترعُ الكتابة للبشر دواءً، في حين يَعُدُّها سقراط عقارًا خطيرًا. هذا المعنى المُزدوِج الذي تحمله كلمة pharmakon أساسٌ في تعيين منزلة الكتابة منطقيًّا بأنها مُكمِّل: إنها إضافة مصنوعة تُداوي وتُلوِّثُ. وترتبط كلمة pharmakon (= الدواء والسُّم) ارتباطًا قويًّا بكلمة pharmakeus (= الساحر والمشعوذ والسجين)، وهي كلمة مُستعمَلة في حوارات منسوبة إلى سقراط وإلى آخرين. يبدو سقراط بالنسبة إلى محاوريه ساحرًا يشتغل بالخداع والسحر، وسرعان ما اعْتُقِلَ في المدينة الغريبة لكونه مشعوذًا، والحقُّ أنه اعْتُقِلَ لأنه يُضلِّل الشباب، وفي أثينا بعد اعتقاله حُمِلَ على تجرُّع السُّم poison (=pharmakon).

غير أن شعوذة سقراط لم تكن تقنيةً عارضة أو خارجية بالنسبة إلى الفلسفة، بل هي النهج الفلسفي ذاته. فالمُتوسِّل إلى الآلهة في افتتاحية محاورة كريتياس   Critias، يطلب منها أن «تَهبنا الدواءَ الشافي (pharmakon teleôtaton)، الدواء الأكثر فاعلية من كل الأدوية الأخرى (ariston pharmakôn)، ألا وهو المعرفة (epistemen)». يقدم النصُّ، إذن، «نظام اللوجوس المعرفي الفلسفي بوصفه علاجًا يعكس تأثيرات السُّم، بوصفه قوة منقوشة داخل اقتصاد الفارماكون غير المنطقي الشامل» (التشتيت، ص١٢٤، ١٤٢). ومع أن الكتابة والفارماكون يُقدَّمان بوصفهما أداة هامشية بالنسبة إلى نظام العقل والطبيعة فإن علاقات الدلالة تقتضي ضمنًا قلبَ هذا النظام وتعيينَ ماهية الفلسفة بوصفها تحديدًا خاصًّا ﻟ الفارماكون. إن الفارماكون ليست له صفة مميزة أو طابع مُحدد، بل هو على الأصح إمكان السُّم والدواء في آنٍ (السُّم الذي تجرَّعه سقراط يُعد دواءً له). وعليه، يرى دَريدا أن الفارماكون «عنصر مشترك، وسيط في أيِّ تفكُّك مُحتمل … ينطوي الفارماكون على «ثنائية ضدية» لأنه يشكِّل العنصر الذي به تكون الأضداد متقابلةً، يُشكِّل حركة ولعبًا يعود من خلالهما كلُّ ضدٍّ إلى آخره؛ فيعكس نفسَه وينتقل إلى آخره: (الروح/الجسد، الخير/الشر، الداخل/الخارج، التذكُّر/النسيان، الكلام/الكتابة … إلخ.) وعلى أساس هذه اللعبة أو هذه الحركة، يؤسِّس أفلاطون التعارُضات أو الفروق. الفارماكون حركة اختلاف، مكان حدوث الاختلاف، لعبة (إنتاج) الاختلاف» (ص١٢٧، ١٤٥-١٤٦).

ويُعَزِّزُ من وظيفة كلمة الفارماكون — بما هي تهيئة الاختلاف — ارتباطها بكلمة pharmakos التي تعني «كبش الفداء». إبعاد كبش الفداء   pharmakos يُطهِّر المدينةَ، كما أن إبعاد فارماكون الكتابة (= ترياقية الكتابة وسُمِّيَّتها) يُطهِّر نظامَ الكلام والفكر. ويُطرَد كبشُ الفداء لأنه مُمثل الشر الذي يبتلي المدينة بالأمراض: يُطرَدُ لكي يرجع الشرُّ إلى الخارج الذي منه جاء، ولكي تتأكد أهمية التمييز بين الداخل والخارج. ولكي يؤدِّي كبش الفداء دورَ مُمثِّل الشر الذي ينبغي طرده، لا بد أن يُختار من داخل المدينة. ويعتمد إمكان استعمال كبش الفداء في تأسيس فرقٍ بين داخلٍ نقي وخارج مُلَوَّث، على كونه موجودًا فعلًا في الداخل، وهذا هو الحاصل أيضًا عند استبعاد الكتابة، إذ لا يؤدي استبعادُها وظيفتَه التطهيرية إلا إذا كانت الكتابة توجَد فعلًا في داخل الكلام. يقول دَريدا: «إن شعيرة كبش الفداء تقوم بدورها كاملًا على الحد الفاصل بين الداخل والخارج، وظيفتُها رسم الحد وإعادة رسم الحد باستمرار. داخل الأسوار/خارج الأسوار   Intra muros/extra muros. أصل الاختلاف والتقسيم أن كبش الفداء   pharmakos يُمثل الشر المغروس في عُمق الداخل والناتئ من الداخل على حدٍّ سواء» (ص١٣٣، ١٥٣). ويعتمد التمثيل — هنا مثلما هي الحال في مواضع أخرى — على التكرار، كذلك يعتمد مَغزى الإبعاد على أعراف الشعيرة التي تُكرِّر الإبعادَ؛ إذ يلاحظ دَريدا أن شعيرة الإبعاد كانت تتكرَّر في أثينا كل عام، في اليوم الذي وُلِدَ فيه الساحر والمشعوذ والسجين (= pharmakeus) الذي جعله موتُه بالفارماكون   pharmakon (= السُّم والدواء) كبش فداء   pharmakos: سقراط.

ما قيمة تلك الروابط أو العلاقات الناجمة عن تطعيم كلمات pharmakon (= السُّم والدواء)، pharmakeus (= الساحر والمشعوذ والسجين)، pharmakos (= كبش الفداء) إحداها بالأخرى؟ وما قيمة التلاعُب اللفظي بحرفين [حرف اﻟ a وحرف اﻟ e] في كلمة differance (= الاختلاف المُرْجِئ)؟ وما قيمة لعبة اﻟ supplement (= المُكمِّل)؟ قد يرى معظمُ القرَّاء أنها أمثلة على التطعيم أو التهجين في الفلسفة وأن دَريدا يلهو بمكاسب غير مشروعة. يقول رورتي: «إن أفظع شيءٍ في عمل دَريدا استعماله تلاعُبات لفظية بلُغات عديدة، والدعابات الناتجة عن تتبُّع أصول الألفاظ وتاريخها، أَضِفْ إلى هذا التلميحات التي يجيء بها من أيِّ مكان، والتلاعبات الصوتية والطباعية» («الفلسفة نوعًا من الكتابة»، ص ص١٤٦-١٤٧). وتلك أمور فظيعة من المنظور الذي يُسلِّم بإمكان التمييز على أُسس ثابتة بين العمليات الفلسفية الأصيلة والخُدَع، بين العرْض الفلسفي وضرب المثال، بين المظاهر النصِّية أو اللغوية الطارئة والمنطق أو الفكر نفسه. تتلخَّص فضيحة scandal الكتابة عند دَريدا في محاولته منح أوجه الشَّبه أو الروابط «الاعتباطية» قيمة «فلسفية».١٦ فكون الفارماكون   pharmakon يعني كُلًّا من السُّمِّ والدواء، وأن الهايمن   hymen يعني غشاء البكارة وفضَّ الغشاء،١٧ وأن التشتيت   dissemination يعني بَعْثَرة كُلٍّ من المَني semen والبذور seeds ووحدات المعنى الصُّغرى sèmes (السِّمات الدلالية)، وأن تعبير s’entendre parler يعني سماعَ المرء وفهْمه نفسَه وهو يتكلَّم؛ تلك كلها وقائع طارئة تنتمي إلى اللغة، ولذا فهي أوثق صلةً بالشعر، ولا قيمة لها بالنسبة إلى خطاب الفلسفة في عمومه.

من اليسير الردُّ بأن التفكيك يرفض التمييز بين الشعر والفلسفة أو بين الهيئات اللغوية الطارئة والفكر ذاته، ولكن هذا هو الخطأ بعينِه؛ فهذا ردٌّ يسير على تُهمة تتعمَّد التبسيط، ردٌّ يدلُّ على عجز حقيقي؛ فالمرء يكتب بكلتا يدَيه فيما يقول دَريدا: لا بدَّ أن يأتي الردُّ مزدوِجًا كما نتوقَّع. ولْنتأمل مثال الهايمن   hymen، الذي يظهر في مناقشة مالارمه الثرية لفن المُحاكاة:

يُصوِّر المشهدُ الفكرةَ وحدَها، ولا يصوِّر أيَّ حدثٍ واقعي، من خلال غشاء مهبل hymen مدنَّس ومقدَّس في آنٍ (ينساب منه الحلم)، فيما بين الرغبة والتحقق، اقتراف الفعل وتذكُّره: استباق هنا واستدعاء هناك، في المستقبل، في الماضي، تحت إحساسٍ مُزيَّف بالزمن الحاضر. (ص١٧٥)

«الهايمن» hymen، هنا، زواج بين الرغبة وتحقُّقها، إنه انصهار يمحو الأضدادَ والاختلافَ بينها. ولكن الهايمن — فيما يؤكد دَريدا — هو أيضًا غشاء المهبل، والغشاء بين الرغبة وتحقُّقها هو على وجه التحديد ما يفصل بينهما. نحن لدينا «عملية تتسبَّب في انصهار الأضداد أو مزج بينها وتَقِفُ بين الأضداد «في آنٍ»»، إنها عملية مزدوِجة ومُستحيلة، وهي لهذا السبب في أغلب الظن «غشاء مهبل داعر ومقدَّس» (ص ص٢١٢، ٢٤٠).

بعد تطوير تضمينات هذا الهايمن الذي لا يقبل الحسم، يُعلِّق دَريدا على إجرائه، وما يُفضي إليه، مطوِّرًا بذلك ما لعلَّه يكون الردَّ باليد اليُمنى على تهمة التطعيم والتفاهة:

بخصوص كلمة الهايمن hymen ليست المسألة فيها تكرار ما قد فعله هيجل بكلماتٍ ألمانية مثل Aufhebung (= الرفع الجدلي)، وإصدار حكم Urteil، والقصد Meinen، والمثال الإيضاحي Beispiel … إلخ، مثيرًا الإعجابَ بالصدفة السعيدة التي تغمس اللغةَ الطبيعية في مبدأ الجدل التأمُّلي. فما يُوضَع في الحسبان هنا ليس الثراء المعجمي، أي انفتاح المفهوم أو الكلمة دلاليًّا بإيضاح مدى عُمقها أو اتساعها أو الراسب فيها من دلالتَين متناقضتَين (الاستمرارية والانقطاع، الداخل والخارج، الهُويَّة والاختلاف … إلخ.) إن ما يُعتبر ها هنا، هو النشاط النحوي والصرفي (الممارسة) الذي يؤلِّف دلالةَ الكلمة أو المفهوم وينقضها. يبدو أنَّنا نعود يقينًا بكلِّ شيءٍ إلى كلمة هايمن   hymen. ومع أنَّ كل شيء [في العمل] يجعلها دالًّا لا يحلُّ غيرُه محلَّه، فذلك في حقيقة الأمر فَخٌّ. هذه الكلمة بدلالتها المزدوِجة ليست ضرورية؛ ذلك أن فِقه اللغة philology وأصل الألفاظ وتاريخها etymology لا يهمُّنا إلا بدرجةٍ ثانوية. ولن يخسر نصُّ محاكاة   Mimique شيئًا بفقد كلمة «الهايمن». فالتأثير يُنتِجُه في المقام الأول السياقُ الذي يُرتِّب اﻟ بين بطريقةٍ تجعل من الواجب تعليق المسافة، فحسب، لا مُحتوى الكلمات. ويؤشِّر «الهايمن» مرةً أخرى على ما تؤشِّر عليه مسافة اﻟ بين، وسيظل يؤشِّر وإنْ لم توجَد كلمة «هايمن». وإذا استبدل المرءُ «الزواج» أو «الجريمة» أو «الهُويَّة» أو «الاختلاف» ﺑ «الهايمن» فسيظلُّ التأثير كما هو، باستثناء افتقاد التكثيف الاقتصادي أو التراكُم الذي لم نكن لنُغفله. (ص ص٢٢٠، ٢٤٩-٢٥٠)

وهكذا، فمِن ناحية أولى — وهو ما يُمثل الردَّ باليد اليُمنَى — حين يحتفظ دريدا بالمُقدمات المنطقية في النقاش الفلسفي يُجيب بنعم؛ فكَوْن الهايمن له معنيان مُتعارضان فذلك واقعة لغوية عارِضة في اللغة الفرنسية (وكذلك في اللغتَين اللاتينية والإنجليزية)، وهو ما يستثمره دريدا، لأن الكلمة تُقدم له بنيةً تحتية فاعلة بشكلٍ اقتصادي ولها قدْر من الأهمية. ويتصادف أن كلمة الاختلاف المُرْجِئ تجمع بين بنية الاختلاف وفنِّ الإخلاف، ولكن المناقشة لا تعتمِد على تلك الهيئة المورفولوجية والمعجمية في الفرنسية؛ ذلك أن كون أفلاطون يستعمل كلمة فارماكون   pharmakon (= السُّم والدواء) ليصف الكتابة وpharmakeus (= الساحر والمشعوذ والسجين) ليصِف سقراط، أو أنَّ أوستن يتحدَّث عن الخطاب الأدبي بوصفه خطابًا «طفيليًّا»؛ فهذا كله يُعَد أمرًا مهمًّا من حيث هو عَرَضٌ على منطقٍ أعمق فاعل في مناقشاتهم، ولا ريب في أن هذا المنطق كان سيُعلن عن نفسه بطرق أخرى في الغالب إنْ لم تُستعمَل تلك الكلمات؛ والسبب هو أنه منطق يقتضي ضمنًا التمفصُلات الأكثر جوهرية في خطاباتهم.

ومِن ثمَّ، يعني الردُّ باليد اليُمنَى أن التفكيك يتقبل التمييز بين الهيئات السطحية في الخطاب ومنطقه التحتي أو بين الهيئات الإمبريقية في اللغة والفكر نفسه. حين يُركِّز التفكيك على المجازات في نصٍّ، أو على هيئاتٍ يبدو أنها هامشية، تكشف هذه المجازاتُ أو الهوامش عمَّا هو مُهم حقًّا. وحين يستشهد التفكيك بسلسلة معاني كلمةٍ في معاجم مختلفة، أو حين يركز على كلمة تجتمِع حولها روابطُ مورفولوجية وإيتمولوجية، يُمَسْرِح من خلال هذه التداعيات الطارئة علاقاتٍ تُكرِّر نفسَها بأقنعةٍ عديدة فتؤدي إلى منطقٍ تحكُمه المفارقة. يقول دَريدا عن كلمة التشتيت   dissemination: «تتمتع هذه الكلمة بحظٍّ طيب … إن لها قدرة اقتصادية على التكثيف، فحين تنحلُّ شبكتُها يظهر سؤال الاختلاف المُرْجِئ على المستوى الدلالي (والاختلاف المُرْجِئ مفهومٌ جديد عن الكتابة)، فيضان مَنَوي، يستحيل معه إعادة تخصيص المفهوم والمَنيِّ «بشكلٍ أحادي المركز وأبوي وعائلي»» («الإنصات إلى الفلسفة»، ص٣٠٩). لا يتلاعب دَريدا بالكلمات، بل يُراهن عليها ويوظفها استراتيجيًّا وعينه على رهانات أكبر، وبهذه الطريقة وحدَها يشتبك مع الخطاب الفلسفي ويشارك فيه.

وأما من الناحية الأخرى — وهو ما يُمثل الردَّ باليد اليُسْرَى — فبالاستناد إلى الهيئات اللغوية والنصية — مثلما هو حاصل في مقال دريدا «صيدلية أفلاطون» — يسائل المرءُ إمكانَ التمييز اليقيني بين بنيات اللغة أو النصوص وبنيات الفكر، بين الطارئ والجوهري. أليس من المُحتمل أن العلاقاتِ المُحددةَ التي نهملها لكونها شيئًا عارِضًا قارَّةٌ أيضًا فيما نراه جوهريًّا؟ إذا جادل المرء بأهمية العناصر الشعرية البادية للعيان أو الطارئة في النصوص الفلسفية فهو بذلك يُلمِح إلى إمكان معالجة الفلسفة بوصفها شكلًا نوعيًّا من خطاب شعري شامل، والحقُّ أن القراءات التفكيكية تفعل ذلك على وجه التحديد. إنَّ معاملة الكتابات الفلسفية لا بوصفها عبارات عن أوضاع كائنة بل بوصفها نصوصًا — أي بوصفها خطاباتٍ غير متجانسة أنتجتها مجموعةٌ من المقتضيات الطبيعية أو تتجاوز الطبيعةَ — يعني إمكانَ عَدِّها بشكلٍ جادٍّ عناصر تافهة أو مجانية قد ينصرف عنها الفلاسفة لكونها عوارض في التعبير والعَرْضِ الفلسفي تنطوي على أبعادٍ إنجازية لافتة في كتابات يُفترَض أنها تقريرية. ودريدا بتحليله الاستراتيجيات البلاغية التي تُسلط الضوء على المكمل   Supplement عند روسو، والفارماكون   pharmakon (= السُّم والدواء) عند أفلاطون، والإطار المحيط   parergon عند كانط، يجعل الفلسفة مُجرَّد عيِّنات من أدب أصلي archiliterature ويُعَطِّل التراتُب الذي بمُقتضاه يصير الأدب هامشًا غير جاد بالنسبة إلى خطاب المفاهيم الجاد.

ولعل أفضل دليلٍ على هذا القلب التفكيكي يجيء من فحص المجاز في الفلسفة. على المستوى النظري، يُعَد المجاز في الخطاب الفلسفي ملمحًا طارئًا عليه. ومع أنه يلعب دورًا مهمًّا في التعبير عن المفاهيم وشرحها، فهو من حيث المبدأ مُنفصل عن المفاهيم ومدى ملاءمتها أو عدم ملاءمتها. والحقُّ أن تصفية المفاهيم الرئيسة من البلاغة التي يجري التعبير بها عنها، يُعَد المهمةَ الأساس في الفلسفة. ولكن حين يضطلع المرء بهذه المهمة، فمِن الصعوبة بمكانٍ أن تجد مفاهيم ليست مجازية، بل الأكثر من هذا أن العبارات التي يُعَرِّفُ بها المرءُ هذه المهمة الفلسفية هي ذاتها عبارات مجازية. يُقدِّم أرسطو في المباحث   Topics تقنياتٍ عديدة من أجل إضفاء الوضوح على الخطاب عن طريق تعيين حدود المجازات وتفسيرها، ولكن دَريدا يُعلِّق قائلًا: «يكفي الاستناد إلى معيار الوضوح والغموض في تأسيس الآتي: يَنبني تحديد المجاز تحديدًا فلسفيًّا كليًّا، ويشتغل فعلًا، على أساس «مجازات». كيف يمكن الحديث بوضوح أو بغموض كما ينبغي عن عينةٍ من المعرفة أو اللغة؟ كل المفاهيم التي تشارك في تحديد المجاز لها أصلٌ وقوة «مَجازيَّان»» (هوامش الفلسفة/«الميثولوجيا البيضاء» ص٥٤). والأفكار التي يبدو أنها غير مجازية في الخطاب هي مفاهيم تَدين قوتها دَينًا كبيرًا لجاذبيتها البلاغية.

إن قيم المفهوم والتأسيس والنظرية قيم مجازية تقاوِم التحليل المجازي الشارح. ولسْنا في حاجة إلى تأكيد وجود المجاز البصري الذي يفتح، تحت الشمس، كل وجهة نظر نظرية. «التأسيس» يتضمَّن الرغبةَ في أساسٍ ثابت ونهائي من أجل بناء الأرض، الأساس بما هو دعامة بنية مصنوعة. وتنطوي قوة هذا المجاز على تاريخه الخاص، وقد تولَّى هيدجر تفسيره. وأخيرًا فإن مفهوم المفهوم لا يعجز عن الاحتفاظ بنموذج إيماءة القوة تلك وإنْ كان لا يمكن اختزاله إلى هذا النموذج، لا يعجز عن إدراك الشيء والاستحواذ عليه بوصفه موضوعًا. (ص ص٢٣-٢٤، ٢٦٧)

يقرأ بول دي مان، لوك وكوندياك واجتهادات كانط في تحديد المجازات والتحكُّم فيها (يلاحظ كانط أن تعابير من قبيل «الأساس» ground، و«يعتمد على» to depend، و«يُستخلَص من» to follow from هي مجازات)، فيوضِّح أن محاولات التحكُّم في المجاز لا يمكن أن تقتلع ذاتَها من المجاز، كما يوضح أن الفرق الحاسم بين الحَرْفي والمجازي — في كل حالة — ينحلُّ من تلقاء نفسه. «وأما عدم قابلية الحسم فناشئة عن عدم التماثل في النموذج الثنائي» الذي يُعارض البلاغي بالحَرْفي أو الأدبي بالفلسفي («إبستيمولوجيا المجاز»، ص٢٨). إن الحَرْفي نقيض البلاغي، ولكن التعبير الحَرْفي هو أيضًا مجاز نسينا قوتَه البلاغية. وما هو فلسفي محكومٌ عليه بأنه أدبي باعتماده على المجاز حتى حين يُعَرِّفُ نفسَه بتعارُضه مع المجاز.

ومِن ثمَّ، فإن النصف الثاني من الردِّ على تهمة استثمار الهيئات الطارئة يُزيح التعارُضَ بين الطارئ والجوهري بالبرهنة على أن نوعية العلاقات المُحدَّدة بأنها طارئة وشعرية تؤثر تأثيرًا فعليًّا في نظام المفاهيم عند جذوره. ما مِن سبيلٍ أمام الفلسفة لكي تُحرِّر نفسَها من البلاغة؛ لأنه ما من سبيل للحُكم بما إذا كانت حرَّرت نفسَها أم لا، فهذا النوع من الأحكام يُضَفَّر على نحوٍ لا يقبل الحلَّ مع القضية محل الحُكم. صحيح أن الخطاب الفلسفي ينطوي على خصائص عديدة تجعلنا نضعه تحت لائحة النص الفلسفي، ولكن هذا الخطاب يقع ضمن النصِّية الشاملة general textuality حيث يَحول التكرار أو الإعادة واتساع السياق نفسه — أي العلاقة بأشكال وسياقات أخرى — دون تعيين حدود المعنى تعيينًا حاسمًا. إن كبش الفداء   pharmakos يتكرَّر طردُه من المدينة لكي تظل طاهرةً، ولا بد أن المجاز والشعر الطفيلي غير الجاد موجود حقًّا في عمق المدينة لكي يمكن طرده. ويتكرَّر اكتشاف وجوده فيها، وذلك هو السبب في تكرار طرده.

إن جانبَي الرد — بكِلتا اليدَين اليُسرى واليُمنى — على إدانة الفيلسوف غير مُكتملين إلى حدٍّ ما، ولا يمكن لمُّهما معًا في مركَّب متماسك. ولهذا السبب، لا يبدو ردًّا بالمرة من وجهة نظر مَن يرون أن المنطق يَحظر على المرء التسليم بوجود فرقٍ، ويستعمله، ثم يفنِّده وهو يستعمله. وحينئذٍ، يصبح السؤال إذا ما كان المنطق يفرض بالقوة تحريماته أو يفرض بالحِيلة تصديقاته الفاعلة على التفكيك. ومع ذلك يُصاغ — في الغالب — الاعتراضُ على هذا الإجراء التفكيكي المزدوِج بمجازٍ لا يستحضر سلطةَ القانون أو الأخلاق، بل يستحضر نوعًا من عدم المناسبة على المستوى التجريبي والفيزيقي: يمثل هذا الإجراء المزدوِج في التفكيك «عملية قطع غصن شجرة والمرء جالس عليه». ولعلَّ هذه العبارة مناسبة لوصف ما يقوم به التفكيك. ومع أنه وضع غير مألوف ومحفوف بالمخاطر إلى حدٍّ ما، فهو يُمثل بوضوحٍ ما يُحاوله المرء: نجلس على غصن شجرة ونظلُّ جالسين ونحن نقطعه. وإذا أراد المرءُ المخاطرة بالنتائج فلن يمنعه أيُّ عائقٍ أخلاقي أو فيزيقي، ومِن ثمَّ يصبح السؤال: حين ينجح المرء في قطع غصن الشجرة تمامًا فعلى أيِّ أرضٍ تسقط قدمه وكيف؟ سؤال صعب. ولكي نُجيب عنه نحتاج إلى فَهْم الموقف بأكمله فَهْمًا شاملًا — مرونة الحركة، قوة تأثير الأدوات المُستعمَلة، طبيعة الحقل المعرفي — وقدرة على التنبؤ الدقيق بنتائج العمل. وأما إذا بدا «قطع غصن الشجرة الذي يجلس عليه المرء» فعلًا طائشًا عند مَن يعتدُّون بالحِسِّ المشترك common sense، فهو ليس كذلك بالنسبة إلى نيتشه وفرويد وهيدجر ودَريدا؛ لأن الشكَّ يُساوِرهم في وجود «أرض» ground يرتطمون بها بعد سقوطهم، فلعل أفضل الأفعال بصيرةً قطعُ الغصن بيقينٍ طائش، تقطيع أوصال محسوب أو تفكيك كاتدرائية كبرى تُشبه أشجارًا استظلَّ بها الإنسان على مدى ألف عام.١٨

وأنا أُشدِّدُ على الإجراء المزدوِج في التفكيك؛ بسبب شيوع الميل إلى تبسيط كلِّ حركةٍ تفكيكية ومعاملة التفكيك بوصفه مجرد محاولة لإبطال كل الفروق، لا تستثني الأدب ولا الفلسفة، فلا تَبقى سوى نزعةٍ نصِّية شاملة لا تَعتدُّ بأيِّ اختلافٍ أو تمييز. فالحاصل هو العكس، إذ يبدو الفرق بين الأدب والفلسفة فرقًا جوهريًّا يَقدِر التفكيك من خلاله على قلقلة هذا التعارُض: مثلًا، البَرْهنة على أن أكثر القراءات فلسفيةً للعمل الفلسفي — أي القراءة التي تُسائِل مفاهيمَه أو أسسَه التي ينبني عليها خطابُه — هي قراءة ترى العمل الفلسفي أدبًا؛ أي بناءً بلاغيًّا وخياليًّا تُحَدِّدُ نظامَه وعناصره مقتضياتٌ نصِّية عديدة، وفي المقابل تكون أقدَر القراءاتِ وأنسبها للأعمال الأدبية هي القراءات التي ترى هذه الأعمالَ إيماءاتٍ فلسفيةً فتقوم بتسليط الضوء على مُضمرات تَتعالق مع تعارُضات فلسفية تتكِئ عليها تلك الأعمالُ.

وعلى سبيل الإيجاز، نقول إن تفكيك تعارُض مثل: حضور/غياب، أو كلام/كتابة، أو فلسفة/أدب، أو حَرْفي/مجازي، أو مركزي/هامشي، لا يَعني تدمير التعارُض فيتخلَّف عنه مبدأ غائي واحد monism يشتغل بمُقتضى الغياب وحدَه أو الكتابة وحدَها، أو الأدب وحدَه، أو المجازي وحدَه، أو الهامشية marginality   وحدَها؛ بل يعني تفكيكُ التعارُض فكًّا وإزاحةً وجَعْلَه يبدو اختلافيًّا. وعلى المستوى التخطيطي، يقتضي التفكيك عددًا من الحركات المتمايزة: أولًا، البرهنة على أن التعارُض القائم فرض ميتافيزيقي وأيديولوجي بإظهار مُضمراته ووظيفته في نسَق القيم الميتافيزيقي أولًا، وهي مهمة تستلزم تحليل عددٍ من النصوص تحليلًا واسعًا، ثم إيضاح أن هذا التعارُض مُعطَّل في النصوص التي تُعلِن عنه وتستند إليه. ثانيًا، الإبقاء على التعارُض بتوظيفه في الحِجاج أو الجدل أولًا (أي عدم النظر إلى خصائص الكلام والكتابة أو خصائص الأدب والفلسفة على أنها أخطاء كان يمكن تلافيها، بل النظر إليها بوصفها مصادر أساسية في النقاش)، ثم إعادة التعارُض مع قلبه بما يمنحه منزلةً وتأثيرًا مختلفَين. حين يتمايز الكلام والكتابة بوصفهما نسختَين عن كتابة أوَّلية شاملة generalized protowriting لن يحمل التعارضُ المُضمراتِ نفسَها التي يحملها حين تُفهَمُ الكتابةُ بوصفها تمثيلًا تقنيًّا وناقصًا للكلام. كما أن الفرق بين الحَرْفي والبلاغي — وهو الفرق الجوهري في مناقشات وظيفية اللغة — سيشتغل بشكلٍ مختلف حين يُحدد القلبُ التفكيكي deconstructive reversal اللغةَ الحَرْفية بكونها مجازاتٍ نسينا مجازيتَها، بدلًا من عَدِّ الاستعارات مجرد انحرافاتٍ عن الحَرْفية السَّويَّة الواضحة المتميزة.

وحين يعمل التفكيك بهذه الطريقة — بحركة مزدوِجة ومن الداخل والخارج في آنٍ قبل تصنيفهما بوصفهما داخلًا وخارجًا والتمييز بينهما — يحتل موقعًا غامضًا، بما يجعله عُرْضةً للهجوم وإساءة الفَهْم في الغالب. فالتفكيك حين يستند إلى الفروق التي يُسائِلها، وحين يستثمر التعارُضات التي يسعى إلى تجنُّب مضمراتها الفلسفية، يتعرَّض للهجوم بحُجَّة أنه يُشِيع حالةً من الأناركية١٩ التي تُعطِّل أيَّ نظامٍ مهما كان، وبحُجَّة أنه يبدو — من منظورٍ مقابل — تابعًا لعمليات التراتُب التي يَدينها. إذ بدلًا من أن يقدم التفكيكُ أرضًا ثابتة يبني عليها نظامًا أو مركَّبًا جديدًا، يتورَّط في النسَق الذي ينتقِده، أو يُسايره، محاولًا إزاحتَه. وكما رأينا عند تأمُّلنا بعض تطعيمات دَريدا، فإن كتابات التفكيك على علاقة إشكالية مع التمييز بين الجاد وغير الجاد بوجهٍ خاص. ولا يقصد التفكيكُ التنصُّل من إمكانات المناقشة الجادة أو من ادِّعاء التعامُل مع القضايا «الجوهرية»، بل يُحاول الإفلات من حدود ما هو جادٌّ حتى يُفنِّد ما تتمتَّع به الاعتبارات الفلسفية «الجادة» من أسبقية في المنزلة على ما يُثيره «السطح» اللغوي من قضايا.

ويصعب شرح تضمينات علاقة التفكيك المزدوِجة بالفلسفة والمشروعات الفلسفية، ولكنها أساسُ فَهْم التفكيك. حين تُوصَف الفلسفةُ بأنها مُتمركزة لوجوسيًّا، نرى دَريدا يُعَيِّنُ مشروعَها الأساسَ بأنه مشروع يسعى إلى تحديد طبيعة الحقيقة والعقل والوجود وتمييز الجوهري من العَارِض والأساس المَكين من المصنوع. فمنذ ديكارت، انبثقت مركزية اللوجوس في الفلسفة بتركيزها على المعرفة بوجهٍ خاص. ويعرض ريتشارد رورتي هذه القضيةَ في دراسة ضخمة لهذا التراث:

الفلسفة بما هي نظام معرفي ترى نفسَها محاولةَ تصديق على دعاوَى المعرفة التي يُقدمها العِلم أو الأخلاق أو الفن أو الدين، أو كشف حقيقتها. وهي تسعى إلى القيام بتلك المهمة على أساس فَهْمها الخاص لطبيعة المعرفة وطبيعة العقل. ويمكن للفلسفة لعب دور الأساس لسائر الثقافة ما دامت الثقافة مجمع دعاوَى المعرفة، والفلسفة هي التي تفصل في تلك الدعاوَى. وهي تقدِر على فعل ذلك لأنها تفهم أسسَ المعرفة وتكتشف هذه الأسسَ حين تدرس الإنسانَ من حيث هو عارِفٌ وحين تدرس «العمليات العقلية» أو «نشاط التمثيل» الذي يجعل المعرفةَ مُمكنةً. المعرفة تمثيل دقيق لما هو في خارج العقل. ولذا، يُعَد فَهْم إمكان المعرفة وطبيعتها فَهْمًا للطريقة التي يقدر بها العقل على بناء تلك التمثيلات. (الفلسفة ومرآة الطبيعة، ص٣)

الواقعُ حاضرٌ خلف التمثيلات؛ ذلك أن التمثيلات الدقيقة هي تمثيلات الواقع، وتعلو منزلة الفلسفة على منزلة أي نظريةٍ في التمثيل.

إن نظرية التمثيل التي تسعى إلى تشييد أُسسٍ مُسَلَّم بها أو لها منزلة المُعطيات، عليها افتراضُ حضورِ ما تُمثِّله التمثيلاتُ الصحيحة. ومِن ثَمَّ، ينشأ السؤال عمَّا إذا لم يكن أيُّ مُعطًى مفترَض بناءً أو نتاجًا يعتمد — في حقيقة الأمر — على النظرية التي يبدو أنها تدعمه. أَضِفْ إلى هذا أن المشكلة التي تُميز نظريات الحقيقة أو المعرفة هي: لماذا يسود الاعتقاد أننا نمتلك معرفةً بشروط الحقيقة أو شروط المعرفة أقوى يقينًا مما نمتلِكه عن حقيقة معينة؟ يرى التقليدُ البرَجماتي أننا حين نُعرِّف الحقيقة بأنها الحالة الراهنة ببساطة، لا نثِق في أن هذه اليقينيات صادقة، كما لا نضمَن أيضًا سلامة معاييرنا اللازمة للبحث الناجح؛ لأننا نعرف أن الاكتشافات المُستقبلية ستُبطِل يقينياتِنا الراهنةَ. الحقيقة — فيما يرى المفكرون — هي التفكير على نحوٍ أفضل ضمن إطار الجدل والتبرير: الحقيقة كما يُقدمها جون ديوي John Dewey هي «قولٌ يمكن تبريره».٢٠ الحقيقة هي مجموعة فرضيات يمكن تبريرها ضمن حدود نماذج التبرير المعتمدة حاليًّا. وبدلًا من أن نوائمَ بين فرضيات مُعينة وحالة معينة، ننشغل بحديث متواصل تَنتج عنه فرضياتٌ ندافع بها عن فرضيات أخرى، في عملية لا نهائية على ما يبدو، لا تتوقَّف إلا حين يصل المتحدثون إلى حالة إشباع أو حين يُصيبهم الضجر أو الملل (رورتي، ص١٥٩). وفيما يرى المنظِّرون الذين يرَون الحقيقةَ مجردَ عملية مواءمة، توجد حقيقة، لكننا لا نعرف أبدًا إذا ما كنَّا نعرفها أم لا. يعتقد البرَجماتيون أننا نعرف الحقيقة، بما أن الحقيقة هي كل ما تقدر مناهجنا في الإثبات على إثباته. وما دامت الحقيقة نسبية من منظور مجموعة الإجراءات والفرضيات المؤسسية التي قد تتغير، فلا يوجد أساسٌ أشد طمأنينة — فيما يرون — من نوع الحقيقة الذي نمتلكه.

لعله من المُغرِي مماثلة التفكيك بالبرَجماتية ما دام يقدم — مثلما تفعل البرَجماتية — نقدًا للتراث الفلسفي، وما دام يُشدد على الضوابط المؤسسية والعُرْفية في البحث المنطقي. وكما ترى البرَجماتية في وصف رورتي لها، يرى التفكيكُ التمثيلاتِ مجردَ علامات تُحيل إلى علاماتٍ أخرى تُحيل بدورها إلى علامات أخرى، كما يرى أن البحث هو العملية التي تدعم من خلالها الفرضياتُ فرضياتٍ أخرى، وما يُقال إنه الفرضية «الأساس» يتكشَّف الحال عن أنها جزءٌ من نصٍّ شامل. غير أنه توجَد عقبتان رئيستان في مماثلة التفكيك بالبرَجماتية. تتمثل الأولى في أن التفكيك لا يقنع بتصوُّر برَجماتي عن الحقيقة؛ فاللجوء إلى الإجماع والعُرْف — أي الاعتقاد أن الحقيقة هي ما تُثبته مناهجنا المعتمَدة في الإثبات — يجعل من مبدأ السلوك أساسًا ينبني عليه ما بعدَه. ومن منظور مناقشات دَريدا لأوستن وسيرل، تَنتج مبادئُ السلوك عن أفعال الاستبعاد. إن مُنظِّري فعل الكلام يستبعدون الأمثلة غير الجادة؛ لكي يؤسِّسوا قوانينهم على الإجماع والعُرْف. ويستبعد الأخلاقيون ما هو منحرِف؛ لكي يؤسِّسوا التعاليم الأخلاقية على الإجماع الاجتماعي. وفيما يُلاحظ رورتي، إذا كان تحليل الفرضيات بغرَض تحديد مدى موضوعيتها يعني «اكتشاف إذا ما كان يوجَد اتفاق شامل فيما بين عقلاء الرجال من ذوي الحِسِّ السليم على ما يُعَد إثباتًا لحقيقتهم» (ص٣٣٧)، فلَسوف تتشكَّل الموضوعيةُ، حينئذٍ، على أساس إقصاء وجهات نظر مَن لا يوصفون بالعقلانية والحِسِّ السليم: النساء والأطفال والشعراء والأنبياء والمجانين. وفي الغالب، يجِد المرءُ اتفاقًا شاملًا، لكن ضروب الإجماع التي تلعب دور الأُسس فيه ليست مُعطاة بل مُنتَجة، أي تُنتِجها إقصاءاتٌ من ذلك النوع.

وبما أن التفكيك يهتم بما يجري إقصاؤه وبالمنظور الذي يقدم الإقصاءَ على أساس الإجماع، فلا سبيل إلى التسليم بالإجماع على أنه حقيقة، أو حَصْر الحقيقة فيما يمكن إثباتُه في داخل النسَق. والحقُّ أن فكرة الحقيقة بوصفها ما تُثبته المناهج المعتمَدة في الإثبات، تُستعمَل في انتقاد ما يظنُّه الناسُ حقيقةً. وبما أن التفكيك يحاول رؤية الأنساق من الخارج ومن الداخل في آنٍ، فإنه يحاول الإبقاء على احتمال أن شذوذ النساء والشعراء والأنبياء والمجانين قد يُعطي حقائق عن النسَق الذين هم على هامشه تتناقَض مع الإجماع ولا يمكن إثباتها في داخل إطار لم يتطوَّر بعد.

وأما العقبة الثانية فتتمثل في أن التفكيك يختلف عن البرَجماتية من حيث موقفه تجاه انعكاس البحث على نفسه متأمِّلًا نفسَه بنفسه. ترى البرَجماتية — في أشدِّ اتجاهاتها صرامةً — أن محاولة الاستبطان أو البحث النظري لا تُمكِّننا من الخطو بعيدًا عن إطار اليقينيات والفرضيات التي نشتغل من داخلها، فنحن لا نقدر على الخطو بعيدًا عن مؤسساتنا ويقينيَّاتنا حتى نُقيِّمها. ومن ثمَّ، لا نشغل أنفسَنا بمثل تلك الأمور، بل ننشغل بشكلٍ برَجماتي بأفعالنا. وبطبيعة الحال، يتشكَّك التفكيك في إمكان حلِّ المشكلات الإبستيمولوجية أو في إمكان وجود انقطاع حقيقي عن مركزية اللوجوس في الفكر الغربي، بل يستنكر حالةَ الرضا الذاتي التي قد تؤدي إليها البرَجماتية، فيجعل من انعكاس الإجراءات والأُطر المؤسسية على نفسها بنفسها مهمتَه الضرورية. إن مساءلة مقولات المرء وإجراءاته قد تُهدِّد حالةَ الرضا الذاتي التي تتمتَّع بمكانة، ولكن المبدأ — الاستراتيجية — يمكن صياغته على نحو شديد الوضوح: إذا كنَّا لا نقدر، من حيث المبدأ، على الخطو بعيدًا عن الأُطر المفاهيمية لكي ننتقدها ونُقيِّمها، فإن ممارسة الاستبطان — أي محاولة تنظير عملية الممارسة — تتسبَّب في إنتاج نوع من التغيُّر، مثلما يوضح لنا ذلك بإسهابٍ تاريخُ النقد الأدبي الحديث. لن يقود البحثُ النظري إلى أُسس جديدة، وبهذا المعنى فالبرَجماتيون على صواب. ولكن الصواب يُجانبهم حين يرفضون البحث النظري انطلاقًا من هذه الأسس: كونه يؤدي إلى تغيُّرات في الفرضيات والمؤسسات والممارسات.

إن التمسُّك بفكرة نشوء الحقيقة عن مواقع هامشية وغير متمركزة يُعَد جزءًا من تلك الاستراتيجية النظرية؛ لأن كل الدعاوَى التي تدَّعي اكتشاف أساس أو موقع يتمتع بسلطة معرفية ستتعرض للمساءلة، كما يعتمد المشروع النقدي على مقاومة فكرة كون الحقيقة هي ما يمكن إثباته ضمن حدود إطار معتمَد وكفى. ولعلَّه من المُرْضي القول إن «الحقيقة» تلعب هذا الدور الرئيس في الجدل والتحليل؛ لأنها تنطوي بدقَّةٍ على هذا الازدواج الدائم: الإحالة المزدوِجة التي يَصعب محوها. الحقيقة هي ما يمكن إثباته ضمن حدود إطار معتمَد، وهي أيضًا الحالة الراهنة ببساطة، إنها على أي حالٍ ما يؤمِن به المرء أو يثبته.

ويُمكننا فَهْم المرونة التي تتسم بها وظيفة «الحقيقة» المزدوِجة أو لعبة «الحقيقة»، حين نرى أن مَن يؤيدون التصور البرَجماتي عن الحقيقة لا يؤكدون، بوجهٍ عام، أن رؤيتهم حقيقية بسبب أن الحقيقة هي قول يمكن تبريره؛ أي يمكن إثباته ضمن حدود فرضيات ثقافتنا. إنهم يرون — على العكس — أن ذلك هو ما تَكونه الحقيقةُ، وأن ذلك هو الحقيقة عن الحقيقة، حتى لو اعتقد الناس، بوجهٍ عام، أن الحقيقة شيء آخر سوى ذلك.

وتوجد مفارقة نصادفها، على الأغلب، في حقول الفلسفة والنقد الأدبي والتاريخ، ولا ريب في أننا نصادفها في حقول أخرى. إذ نجد أنصار المواءمة والإطلاق في نظرية الحقيقة يدافعون عن موقفهم على أسس برَجماتية: تنطوي نظرية الحقيقة، بحالها هذه، على عواقب مرغوبة؛ فهي نظرية ضرورية للحفاظ على القيم الجوهرية. ولا حاجة بنا إلى الإيمان بإمكان الوصول إلى الحقيقة، فعَجَلة الجدل دائرة، بل علينا الإيمان بوجود حقيقةٍ — الطريقة التي تكون عليها الأشياءُ، معنى حقيقي في نصٍّ أو منطوقٍ — أو يخسر البحثُ والتحليل كلَّ غرَض يُمكنه السعي إليه، وحينئذٍ سيبدو المسعى الإنساني بلا غاية. يقول أنصار الرؤية البرَجماتية — أيًّا كانت عواقب نزعتهم النسبية — إن علينا التعايش مع هذا الوضع لأن ذلك هو الحقيقة، وهو الطريقة التي تكون عليها الأشياءُ: فالحقيقة نسبية وتعتمد على إطار المفاهيم. وتؤدي كل محاولات الدفاع عن أيِّ موقفٍ إلى حركةٍ تفكيكية يَعتاد منطق الجدل فيها على الدفاع عن موقف يتعارَض مع موقف مُثبَت من قبل.

تُعَيِّنُ القراءات التفكيكية هذا الموقف الذي يتسم بالمفارقة والذي بمُقتضاه تنطوي المواقع المتمركزة لوجوسيًّا على ما يُبطِلها من ناحية، ومن ناحية أخرى تنكر العباراتُ المتمركزة لوجوسيًّا بنفسها مركزيةَ اللوجوس. وبقدْر ما يستبقي التفكيك تلك المواقع يبدو أنه يسعى إلى تركيبٍ جدلي، أي إلى نظرية مكتملة وأعلى في المنزلة، غير أن هاتَين الحركتَين حين تتلازمان لا تقدمان موقعًا متماسكًا أو نظرية أعلى. فالتفكيك لا يقدم نظريةً أفضل عن الحقيقة، بل يمارس القراءة والكتابة على نحوٍ يتجاوب مع التناقُضات المنطقية aporias التي تنشأ في عمق محاولات إخبارنا بالحقيقة. لا يُطور التفكيك إطارًا فلسفيًّا جديدًا، كَلا ولا يقدم حلًّا، بل يقوم بنقلاتٍ حائمة تروح وتجيء برشاقة استراتيجية بين لحظات اقتصادٍ شامل لا يسعى إلى تركيب جدلي. يتحرك التفكيك في داخل الجدية الفلسفية وفي خارجها، في داخل عملية البرهنة الفلسفية وفي خارجها. إنه يعمل من داخل إطار الخطاب وحوله بغرض قلب التراتُبات ثم إزاحة ما جرى قَلْبُه، ولا يسعى إلى البناء على أرض جديدة.

١  لن أقوم، هنا، بمناقشة التفكيك عند دَريدا في علاقته بأعمال هيجل ونيتشه وهوسرل وهيدجر، حيث قامت جاياتري سبيفاك بذلك في مُقدمتها لكتاب في عِلم أنساق الكتابة. انظر أيضًا رودلف جاشِه «التفكيك بوصفه نقدًا».

٢  وقد نرفض ذلك بادِّعاء أننا نلاحظ أحيانًا السبب أولًا ثم النتيجة، فمثلًا نرى ارتفاع الكرة في الهواء باتجاه زجاج النافذة أولًا ثم نشاهد تحطُّم الزجاج ثانيًا. ويرى نيتشه أن التجربة أو توقُّع النتيجة فحسْب هو ما يُمكِّننا من تعيين ماهية الظاهرة بوصفها سببًا «مُمكنًا». وعلى أي حال، فإن التشكيك في الاستدلال على العلاقات السببية من العلاقات الزمنية يجعل من إمكان قلْب العلاقة الزمنية مؤشرًا كافيًا للتشويش على مُخطط السببية. وبخصوص مناقشة وافية حول التفكيك النيتشوي انظر: بول دي مان، أمثوليات القراءة، ص ص١٠٧–١١٠. ولمُطالعة مناقشة مثالٍ آخر بشكلٍ واسع، وهو تفكيك نيتشه لمبدأ الهُويَّة، انظر: دي مان ص ص١١٩–١٣١، وسارة كوفمان نيتشه والمشهد الفلسفي ص ص١٣٧–١٦٣.

٣  وبالطبع، فهذا التبسيط متعمَّد حتى يسمح ببحوثٍ معقدة. ويلفت تشخيصُ أوستن اللاذع الانتباهَ إلى بِنية التكميل التي ناقشناها: قد يَثبت أن مصدر الخطر المِهني المُفترض — الاعتلال الخارجي الذي يُبتلى به المُحلِّلُ أو يُصيبه — جوهري، أي هو المهنة ذاتها، من دون أن تفقد خاصَّة الاعتلال. وقد حاول اللاحقون على أوستن من أتباعه إثبات صحَّة تحليله فقاموا باستبعادات وتبسيطات أكثر تطرفًا. إذ اضطلع جيرولد كاتز Jerrold Katz في كتابه بنية القضية وقوة الفعل الإنشائي   Propositional Structure and Illocutionary Force (نيويورك، هاربر ورد، ١٩٧٧م)، بإيضاح أن إضفاء الطابع المثالي الأشمل سيحفظ الفرقَ بين الإنجازي والتقريري من بصيرة التفكيك الذاتي الذي يقوم به أوستن، وذلك في الفصل المعنون ﺑ «كيف نحمي أوستن من أوستن» (ص ص١٨٤-١٨٥). وانظر المناقشة المُمتازة التي قدمتها شوشانا فيلمان Shoshana Felman في: فضيحة الجسد الناطق   Le Scandale du Corps Parlant ص ص١٩٠–٢٠١.

٤  في مناقشة رائعة تُعطي شوشانا فيلمان لأوستن دور دون جوان الذي يغوي القرَّاءَ ويعطل كل القواعد. فهي تحاول تنحية استبعاد أوستن الخطاب غير الجاد حين تجد أوستن يقول: «ينبغي ألا أمزح، كَلَّا ولا أكتب قصيدةً مثلًا»، (ألا تُعَد هذه العبارة الاستنكارية مزحةً؟) (فضيحة الجسد الناطق، ص١٨٨). وذلك إلماح ذكي، وجزء من محاولة فيلمان أن تَنسِب إلى أوستن كل شيء تعلَّمَته من دَريدا، لكي تُدين بعدئذٍ دَريدا بإساءة قراءة أوستن. ومع ذلك، فإن اعتبار استبعاد المزحة مزاحًا يَحول دون شرح الاقتصاد المنطقي الذي يمضي بمُقتضاه مشروع أوستن الذي يُسلِّم بأفعال الكلام غير الناجحة وتوظيفها بشكلٍ مُفيد فقط من خلال استبعاد المنطوقات الأدبية وغير الجادة. ومحل الرهان هو هذا المنطق، لا موقف أوستن أو تفضيله لما تُطلِق عليه فيلمان «المزحة».

٥  يتَّهم سيرل دَريدا ﺑ «الاضطراب فيما لا يقلُّ عن ثلاث ظواهر مُنفصلة ومتمايزة: قابلية الإعادة، الإيراد أو الاستشهاد citation، الطفيلية». «يوجَد اختلافٌ أساسٌ، ففي الخطاب الطفيلي تكون التعابير مستعملةً   used لا مذكورة   mentioned» — وما يقوله دَريدا عن وجود اختلاف بينهما ليس مفهومًا («إعادة تكرار الاختلافات»، ص٢٠٦). غير أنَّ الفرق بين يستعمل   use ويَذكر   mention يُمثل على وجه التحديد تراتُبًا من التراتُبات التي يُفنِّدها دَريدا. ويبدو الفرق واضحًا ومُهمًّا في الأمثلة الكلاسيكية؛ فعبارة: بوسطن مزدحمة   Boston is populous تَستعمل كلمة بوسطن Boston، في حين أن قولنا: «بوسطن» كلمة ذات مقطعَين   Boston is disyllabic لا يستعمل الكلمةَ بل يَذكرها؛ أي يَذكر كلمة «بوسطن» باستعمال تعبيرٍ يشرح الاسم. ها هنا، يبدو الفرق واضحًا؛ لأنه يُشير إلى الفرق بين استعمال كلمة للإخبار عن مدينة، والإخبار عن كلمة. ولكن حين ننتقل إلى أمثلة أخرى على الإيراد مرةً أخرى أو الاستشهاد تُصبح المشكلة أعقد؛ إذ حين أكتبُ عن باحث أكاديمي العبارة الآتية: «يعتقد بعض الباحثين في كُليتي أن عمله «مُمِل وغير مناسب» أو «بلا معنًى»»، فما الذي أفعله؟ هل استعملتُ تعابير «مُمِل وغير مناسب» و«بلا معنًى» وفي الوقت نفسه ذكرتُهما؟ إذا أردْنا الحفاظَ على الفرق بين الاستعمال والذِّكر ها هنا، فسنلجأ إلى أفكار الجدية والقصد التي يزعم دَريدا أنها متضمَّنة هنا. إنني أستعمل التعابير بقدْر ما أقصد — بجدية — المعاني التي ينطوي عليها مساقُ العلامة التي أتفوَّه بها، إنني أذكُرها حين أُعيد تكرارَ بعض هذه العلامات (بين علامات تنصيص مثلًا)، من دون أن أستسلم للمعنى الذي تنقله. فيما يرى سيرل، يُصبح الذكر حينئذٍ مُتطفِّلًا على الاستعمال، والفرق بينهما يفصل استعمالَ اللغة الخاص — حيث أقصدُ بجدية معنى العلامات التي أستخدمها أو أستعملها — عن التكرار المُشتق الذي يكتفي بالذِّكر فقط. لدَينا عندئذٍ فرق — هل أستعمل «بجدية» تعابير «مُمِل» و«بلا معنًى» و«غير مناسب» أم أذكرها فقط؟ — بين نوعَين من الإعادة، يتأسَّسان بوضوح على القصد، ودَريدا على صواب تمامًا حين يزعم أن تراتُبَ يَستعمل/يَذكر use/mention تراتبٌ كامل من النوع نفسه الذي عليه تراتُبُ جاد/غير جاد وكلام/كتابة. يحاول الجميعُ ضبطَ اللغة عن طريق وصف الوجوه التي تتميز بها قابليتُها للإعادة بأنها طفيلية أو مشتقَّة. وتبرهن القراءةُ التفكيكية على أن التراتُب يمكن قلْبه وأن الاستعمال مجرد حالة خاصة من الذكر.
ويظل الفرق مفيدًا: فهو يساعدنا على وصف الكيفية التي تُدمِّره بها اللغةُ. وأيًّا كان ما أرغب في مجرد ذكره لصديقٍ بخصوص ما يقوله الآخرون عنه فإنني أستعمل هذه التعابير بشكلٍ فعَّال فأمنحها معنًى وقوة في خطابي. ولا أهمية لمِصداقية ما أرجوه من «استعمال» تعابير مُحددة، فأنا أجد نفسي أذكرها: «إنني أحبُّك» هو دائمًا مجرد اقتباس، بما أن الكثير من المُحبِّين قد قالوه من قبل.

٦  انظر تشارلز ألتيري Charles Altieri، الفعل والكيف   Act and Quality ص ص٢٣–٥٢، و«فتجنشتين عن الوعي واللغة: اعتراض على نظرية الأدب عند دَريدا» Wittgenstein on Consciousness and Language: A Challenge to Derridean Literary Theory، وتوجَد مناقشة مُماثلة يقوم بها أبرامز M. H. Abrams: «كيف نصنع أشياء بالنصوص» How to Do Things with Texts ص ص٥٧٠-٥٧١.

٧  على سبيل المثال، يُقرِّر واين بوث Wayne Booth الآتي: «يقصد دَريدا إلى «حرية اللعب» المساوية ﻟ «الجنون المنهجي» بكل ما يحمله من انعدام الغاية وعدم الوفاء والرعب» (الفهم النقدي، ص٢١٦). وقد يُعيننا على فَهْم بوث لدَريدا مقالات جيوفري هارتمان Geoffrey Hartman التي يستعمل فيها صياغاتٍ تُماثل صياغات دَريدا.

٨  ترجم كاظم جهاد قسمًا من كتاب Glas إلى العربية تحت عنوان: نواقيس (حول جان جُنيه) منشور في: الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ترجمة كاظم جهاد (المغرب، دار توبقال، ١٩٨٨م). وقد أشار في هوامش ترجمته إلى أنه اقتصر، بالاتفاق مع دَريدا، على ترجمة الجانب الخاص بجان جُنيه لدواعٍ أدبية وأخرى تتعلق بالصلاحية الفكرية. وأُحِيلُ القارئَ إلى قراءة الفقرة الشارحة التي يُخصصها كاظم لترجمته تحت عنوان «جُنيه: مغامرة الاسم» ص ص٤٠–٤٣، كما أُحِيله إلى قراءة نصِّ الترجمة ص ص١٦٩–٢١١. (المترجم)

٩  بخصوص تقرير مختلف عن كتاب نواقيس   Glas، انظر كتاب جيوفري هارتمان إنقاذ النص   Saving the Text، حيث يقول هارتمان: «لقد نَظرتُ إلى Glas بوصفه عملًا فنيًّا يُسهم به دَريدا في تطوير مفاهيم فلسفية مُحددة. ويحتلُّ الكتاب في تاريخ الفن … مركزًا أرى أنه المركز الأخصب» (ص٩٠). والمحصلة هي «الدريداوية» Derridadaism (ص٣٣)، التي يرفض هارتمان بشكلٍ مُطلَق عَدَّها «استغراقًا في الذات» (ص١٢١) وهو المنهمك في إنقاذ النص. وبما أن الكثيرين يميلون إلى تقبُّل كلمة هارتمان عن كتاب نواقيس   Glas فما له أهمية تأكيد احتواء الكتاب على شرح إيضاحي لهيجل وجُنيه وسوسير جدير بالنظر. بخصوص قراءة العلاقات بين العمودَين، انظر مقال ميشيل ريفاتير المعنون ﺑ «الازدواج البلاغي» Syllepsis.

١٠  يستغل دَريدا القرابة الصوتية بين الحرفَين الأوَّلَين من كلمتَي Pleasure Principle في عنوان كتاب فرويد ما وراء مبدأ اللذة وهما معًا PP من ناحية، وكلمة Pépé التي تعني بلغة الأطفال الفرنسيين الجدَّ. وأما لعبة إرنست — حفيد فرويد — التي لاحظها فرويد فيُمكن إجمالها على النحو الآتي: حين كانت أمُّ إرنست، وهي نفسها ابنة فرويد، تغيب عن إرنست باستمرار في الفترات الصباحية كان إرنست يُسَلِّي نفسَه بِبَكَرة خيط يُرسلها على اتساع يده فتذهب عنه بعيدًا ثم يجذب الخيطَ فتعود إليه مرةً أخرى، وفي أثناء هذه اللعبة كان ينطق بكلمتَين هما fort/da (= ذهبت/عادت)، وكان جدُّه فرويد يراقب لعبته تلك ففسَّرها بأن حفيده إرنست يتحكَّم من خلالها في عملية غياب أُمه (= ابنة فرويد) وعودتها؛ فإرنست يضمن عودةَ أمِّه في كل مرة بعد غيابها عبر تمثيل صدمة الذهاب تمهيدًا للعودة. وينتهز دَريدا تعليق فرويد على لعبة حفيده فيرى أنها تمثيل مُعقد لعلاقة فرويد نفسه بمبدأ اللذة وبخاصة في أُخريات حياته (قرْب موته)، ثم علاقته بكتابة مبدأ اللذة، وأخيرًا علاقته بمُستقبل عِلم التحليل النفسي بعد موته الوشيك ودرجة تَحكُّمه في هذا المُستقبل (= توريثه بوصفه أبا التحليل النفسي)، يُضاف إلى ذلك علاقاتُ فرويد العائلية بوصفه أبا العائلة وبخاصَّةٍ مع مَن عَدَّهم دُخلاء على عائلته مثل زوج ابنته. ولكريستوفر نوريس تعليق شائق بهذا الخصوص، راجِع مقال نوريس: «نيتشه، فرويد، ليفيناس: عن أخلاقيات التفكيك» المنشور في الكتاب الحالي، القسم الخاص بفرويد. (المترجم)

١١  يشير دَريدا بضمير الغائب المفرد he في هذا الموضع إلى كيان مزدوِج: فرويد وحفيده في آنٍ. (المترجم)

١٢  يقصد دَريدا وصف فرويد لمبدأ اللذة ووصفه لملاحظاته عن لعبة حفيده إرنست: ذهبت/عادت. (المترجم)

١٣  جَبْر التكرار مصطلحٌ أساسٌ عند فرويد في كتابه ما وراء مبدأ اللذة. (المترجم)

١٤  عنوان مقال دريدا هو Ousia et Grammè، وقد راعيتُ معنى الكلمة اليونانية ousia الذي يفيد الجوهر والوجود من حيث هو أصل وغاية وتأسيس مبدأ ينتهي إلى نفسه. وأما كلمة Grammè فأترجمُها إلى «وحدة الكتابة» بمعنى الحرف، الذي هو أصغر وحدة في الكتابة. (المترجم)

١٥  تجدُر الإشارة مرةً أخرى إلى أن مفردة supplementarity تعني تكميلًا أو إضافةً تسدُّ نقصًا أصليًّا يُعاني منه ما جعلته الميتافيزيقا في مرتبة الأصل، كما تعني نيابةَ ما ليس أصليًّا عن الأصل. وفي الحالين تُعَد هذه العملية مؤشرًا على عدم أصلية الأصل. وأما في هذا السياق أعلاه فتعني أن ما عَدَّه الشراحُ والمُفسِّرون أعمالًا معتمَدة (= canon) ليس كذلك؛ لأن بمقدور ما جعلوه غير مُعتمَد أن يُكمِّل ما جعلوه معتمدًا، وأن يُضاف إليه لكي يسدَّ النقص فيه، وأن ينوب عنه. وتلك بَرْهنة دَريدا الإجرائية. (المترجم)

١٦  تعني كلمة scandal هنا: فضيحة أو صدمة ناتجة عن فعل أو عمل يتنافى مع الأدبيات والأعراف المُعتمَدة (= canon). والمقصود أن طريقة دَريدا في الكتابة الفلسفية تتنافى من وجهة نظر رورتي مع الطريقة المعتمَدة في الكتابة الفلسفية التي يحصل بمُقتضاها الإجماع على أن صاحبها فيلسوف بحق؛ أي القدرة على تشييد نسَق فلسفي وَفْقَ منطق العرْض البرهاني الخالص. ولذا، يرى بعض منتقدي دَريدا أنه في أحسن الأحوال مجرد قارئ فلسفة وليس فيلسوفًا. وبهذه الطريقة، تُبعَد أعمالُ دَريدا عن دائرة الفلسفة من أجل الحفاظ على نقاء أنساق الفلسفة على مرِّ تاريخها الطويل: طرد هذا الساحر المشعوذ اللعوب الذي يُفسد نقاءَ الأنساق فيشوِّش على داخلها الأليف، ألا وهو دريدا. (المترجم)

١٧  يشير كاظم جهاد إلى أن كلمة اﻟ hymen لدى دَريدا تعني كُلًّا من البكارة والجِماع في آنٍ، كما تُحيل الكلمةُ إلى كلمة hymne التي تعني النشيد. انظر مُقدمة الترجمة العربية ﻟ الكتابة والاختلاف (المغرب: دار توبقال، ١٩٨٨م)، ص٢٨. ولكي تتَّضح وظيفة غشاء البكارة المزدوِجة يمكن القول إنه يحتفظ بحالة العذرية البيولوجية وفي الوقت نفسه يطلب الجِماع الذي هو انتهاكٌ وفضٌّ وهَتْك. إن غشاء البكارة يعني تنحيةَ «الآخر الدخيل» من أجل الاحتفاظ ﺑ «جوهر الذات المُستقلة»، لكنه وهو يقوم بهذه العملية يدعو «الآخرَ الدخيل» إليه ويجتلِبه إلى نفسه؛ إنه يظلُّ في حالة انتظار مجيء «الآخر الدخيل» الذي يفضُّه. فما الذي يَعنيه «جوهر ذات مستقلة» وهي على هذه الحال من الانتظار؟ تلك هي على وجه التحديد وضعية الاختلاف المُرْجِئ وَفْقَ دَريدا؛ فالهُويَّة الخالصة مؤجَّلة بفعل اختلافٍ أصلي كامن فيها. وأحيانًا، أترجِمُ كلمةَ اﻟ «هايمن» إلى «مهبل» أو «غشاء المهبل» أو أحتفظ بها مُعَرَّبةً كما سأفعل بعد قليل. (المترجم)

١٨  أشكر وليام وارنر الذي أمدَّني بصياغات هذه الجملة في ردِّه على ملاحظاتي بخصوص عبارة «قطع غصن الشجرة والمرء جالس عليه» — وهي فاعلية تعود إلى دعوة نيتشه إلى «الحياة في خطر»، الواردة في كتابه العلم المرح   Gay Science.

١٩  الأناركية anarchism في أصلها نزعة سياسية ترى ضرورةَ إسقاط كل أنظمة الحكم وإحلال العمل الطوعي بين الأفراد والجماعات محلَّها. والمقصود بالكلمة هنا، كما هو واضح من السياق، إبطالُ تحكُّم النظام في عناصر النظام بمُقتضى نسَق الفروق والتمييزات التراتُبية التعسُّفية، ويَشيع لسوء الحظ ترجمتُها في العربية إلى الفوضوية، وهي ترجمة مُغرِضة نوعًا ما يتبنَّاها المدافعون عن النظم التسلُّطية — وسيادة الدولة مهما كان الثمن — أو الأنساق التراتبية. الأناركية بالمعنى السابق نزعة تهدف إلى التحرُّر السياسي والاجتماعي بغرَض تحقيق نوع من العدالة البسيطة أو حالة من الاستواء. (المترجم)

٢٠  يُورِده رورتي في كتابه الفلسفة ومرآة الطبيعة   Philosophy and the Mirror of Nature، ص١٧٦. هذا الكتاب، وبصفةٍ خاصة الفصول الثالث والرابع والسادس والسابع والثامن، يساعد على فَهْم دَريدا، فهو يُمثل نقدًا يقدِّمه فيلسوفٌ تحليلي لما يُطلِق عليه دَريدا نزعة مركزية اللوجوس في الفلسفة الغربية. إذ يستعمل رورتي الحُجَجَ التحليلية ضد المشروع التحليلي، في تمييزه الفلاسفة النسقيين عن «فلاسفة التنقيح» من أمثال ديوي وفتجنشتين في أعماله الأخيرة وجادامر ودَريدا. «الفلاسفة النسقيون العِظام بنَّاءون ويعرضون الحُجَجَ، وأما فلاسفة التنقيح العِظام فأعمالهم ردُّ فعل يعرضون فيها المثالب» (ص٣٦٩). ويعترف رورتي بأن فلاسفة التنقيح يعتزمون، في حقيقة الأمر، تقديم حُجَج، ولكنه يُلمِح إلى أنهم لا يفعلون ما يعتزمونه. ومع ذلك، فكما يرى دَريدا، إذا اشتبك المرءُ مع الفلسفة فعليه تقديم حُجَّة، ورورتي نفسه يجد أن الحُجَّة التحليلية ضرورية في مشروعه التنقيحي المُتعلِّق بتنقيح التراث. إن فيلسوف التنقيح يكتب نصوصًا هجينة بالضرورة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة