📰 آخر الأخبار
حنظلة ما زال حاضراً بيننا/وفاء حميدThe Rain Is Falling- Haibun Poem By Salim Elias Madaloضريبةٌ مضافة/عارف عبد الرحمنWho am I?By Soran Mohammedكيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri LankaThe Green House of Dead Sunlight/Alam Mahbubبَرْقٌ مِنْ سَحَاب/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي-العِراقُ - بَغْدادُكلماتك / تغريد نديم عمران - سورياAwaiting / Ri Hossain-Bangladeshجيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovo
حنظلة ما زال حاضراً بيننا/وفاء حميدThe Rain Is Falling- Haibun Poem By Salim Elias Madaloضريبةٌ مضافة/عارف عبد الرحمنWho am I?By Soran Mohammedكيف نبني الوطن إذا لم نبنِ الإنسان؟غارسيا ناصحرحلة النسق من الفلسفة إلى اللسانيات الحديثة/جواد عامركورنافة */نبيل حامد-مصرإشراقة من عتمة الدجى / زيد الطهراويTHE DAWN AFTER DARKNESS By Dr. Nancy Denniss-SYDNEYThey Lied to You By Ahmed Miqdad-G a zaPoems By Kushi Nanayakkara-Sri LankaThe Green House of Dead Sunlight/Alam Mahbubبَرْقٌ مِنْ سَحَاب/كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي-العِراقُ - بَغْدادُكلماتك / تغريد نديم عمران - سورياAwaiting / Ri Hossain-Bangladeshجيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovo

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

بلاغة البوح وانتصار الذاكرة: قراءة نقدية في قصيدة «أَخْبِرْهُمْ» للشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغرب

collage 3

نجية تزروت – المغرب

تنتمي هذه القصيدة إلى الشعر الوجداني الحديث الذي يجعل من التجربة الذاتية منطلقا لاكتشاف المعنى الإنساني الأوسع. فالشاعرة “نجية تزروت” لا تكتب قصة حب بالمعنى التقليدي، وإنما تشيد عالما شعريا يتداخل فيه الحب مع الذاكرة، والغياب مع الحضور، والأمل مع الانكسار، والذات مع الآخر. فمنذ العنوان الضمني المتكرر «أخبرهم» يتشكل خطاب شعري قائم على الرغبة في نقل حقيقة لا يعرفها الآخرون، وكأن القصيدة كلها شهادة وجدانية ضد النسيان، ومحاولة لاستعادة ما تعجز الوقائع عن الاحتفاظ به.

من زاوية العتبات النصية، فإن عنوان القصيدة، بوصفه أول عتبة يواجهها القارئ، يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد التسمية، إذ يفتح أفق انتظار مخصوصا، وفق ما ذهب إليه الناقد الفرنسي Gérard Genette في حديثه عن “عتبات النص”. فالفعل “أخبرهم” لا يحدد من هم “هم”، ولا يحدد كذلك طبيعة الخبر، وهو ما يخلق فراغا دلاليا يدفع القارئ إلى الدخول في النص بحثا عن هوية المخاطب والمخاطبين معا. ومن ثم فإن العنوان لا يختزل القصيدة، بل يضاعف من طاقتها التأويلية، ويجعلها منذ البداية خطابا موجها إلى الذاكرة الجمعية أكثر من كونه خطابا موجها إلى شخص بعينه.

كما أن القصيدة، منذ سطورها الأولى، تكشف عن وعي شعري بأن الذاكرة ليست مجرد وعاء لحفظ الماضي، وإنما هي، بتعبير الفيلسوف Paul Ricoeur، إعادة بناء دائمة لما وقع، وليست استعادة آلية له. ولذلك لا تسترجع الشاعرة التجربة كما حدثت، بل كما استقرت في وجدانها بعد أن صقلها الزمن وأعاد تشكيلها باللغة.

يفتتح النص بالفعل الأمر «أَخْبِرْهُمْ»، وهو ليس أمرا موجها بقدر ما هو استعطاف لذاكرة الآخر كي تحفظ ما عاشته الذات. هذا التكرار يمثل العمود الإيقاعي والدلالي للنص، إذ يعود في كل مقطع ليؤسس لحركة دائرية تجعل القصيدة أقرب إلى موجات متلاحقة من الاعترافات. والتكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يخلق إحساسا بالإلحاح، وكأن الشاعرة تخشى أن تضيع التجربة في زحام الحياة إذا لم تروَ وتحكَ.

ولعل هذا التكرار يذكر بما يسميه الناقد المغربي محمد مفتاح “اقتصاد العلامة”، حيث لا تتكرر الكلمة في الشعر الحديث لتملأ الفراغ، وإنما لتولد في كل مرة دلالة جديدة. فالفعل “أَخْبِرْهُمْ” في المقطع الأول يحمل معنى الاعتراف، وفي المقطع الثاني يتحول إلى استدعاء للذاكرة، ثم يغدو في المقطع الأخير إعلانا عن انتصار الذات على الصمت، وهو ما يمنح اللازمة الشعرية حيوية دلالية متجددة.

كما يشير صلاح فضل في كتاباته حول أسلوبية الشعر إلى أن التكرار لا يعد قيمة فنية إلا عندما يكون مولدا للمعنى، لا مجرد إعادة صوتية، وهو ما يتحقق بوضوح في هذه القصيدة، إذ إن كل عودة لعبارة “أخبرهم” تفتح أفقا شعوريا جديدا، وتدفع السرد الوجداني إلى مستوى أكثر عمقا.

على المستوى اللغوي، تتميز القصيدة بلغة شفافة، بعيدة عن التعقيد اللفظي، لكنها مشبعة بالإيحاء. فالألفاظ اليومية مثل «الطرقات»، «الجبال»، «الشرفات»، «الشواطئ»، و«مرائب السيارات» تتحول داخل السياق الشعري إلى علامات رمزية، وهو ما ينسجم مع أحد أهم منجزات الشعر الحديث الذي لم يعد يبحث عن اللغة المزخرفة بقدر ما يبحث عن الطاقة الشعرية الكامنة في الأشياء المألوفة. فحتى «مرائب السيارات»، وهي مفردة تبدو بعيدة عن المعجم الشعري التقليدي، تندمج داخل التجربة العاطفية لتصبح شاهدا على تفاصيل الحب، وكأن الشعر قادر على منح الأشياء العادية حياة استثنائية.

ويكشف الحقل المعجمي للقصيدة عن ثراء واضح؛ إذ تتجاور مفردات الطبيعة (الشمس، الجبال، الوديان، الشواطئ، الصبح، المساء) مع مفردات المدينة الحديثة (الشرفات، مرائب السيارات)، في تداخل يؤكد أن التجربة الإنسانية لا تنحصر في فضاء واحد، وإنما تمتد بين الطبيعي والعمراني، وبين البراءة الأولى وتعقيدات الحياة الحديثة. وهذا الامتزاج يمنح النص بعدا حضاريا، ويبعده عن الانغلاق داخل الرومانسية التقليدية التي كانت تجعل الطبيعة وحدها فضاء للحب.

ومن منظور الأسلوبية الحديثة، فإن بساطة اللغة ليست مرادفا للبساطة الفكرية، بل هي، كما يرى جابر عصفور، نتيجة لاقتصاد تعبيري يجعل اللفظة العادية قادرة على حمل طاقات إيحائية كبيرة متى وُضعت داخل بنية شعرية محكمة. وهذا ما تنجح فيه نجية تزروت، إذ تمنح الكلمات اليومية بعدا جماليا جديدا دون أن تثقل النص بالزينة اللفظية.

أما على المستوى البلاغي، فإن القصيدة تقوم على شبكة كثيفة من الاستعارات والانزياحات. فقولها: «شوقي كعنادي يهزم أمام ابتسامة» يجسد الشوق كقوة تنهزم أمام بسمة واحدة، في استعارة تكشف هشاشة الإنسان أمام الحب مهما ادعى الصلابة. وفي قولها: «خلف صمتي جيش من الزهاد» تنتقل من التعبير المباشر إلى صورة مركبة تجعل الصمت فضاء مكتظا بالمعاني المكبوتة. فالزهاد هنا ليسوا مجرد أشخاص، بل رمز للتقشف العاطفي والانضباط الداخلي، وكأن الصمت ليس فراغا، وإنما امتلاء هائل بالمشاعر المؤجلة.

ومن منظور البلاغة الحديثة، فإن هذه الصور لا تقوم على التشبيه والزخرفة، وإنما على ما يسميه عبد القاهر الجرجاني بـ”النظم”، أي إن قيمتها ليست في مفرداتها منفردة، بل في العلاقات التي تنشأ بينها داخل السياق. فـ”الشوق” لا يصبح قوة منهزمة إلا لأنه وضع في مواجهة “الابتسامة”، والصمت لا يغدو فضاء عامرا إلا لأنه اقترن بصورة “جيش من الزهاد”. وهكذا تولد البلاغة من تركيب العلاقات، لا من الألفاظ ذاتها، وهو ما يمنح النص حيوية دلالية كبيرة.

كما أن القصيدة تعتمد على الانزياح بوصفه جوهر اللغة الشعرية، فاللغة لا تقول الأشياء كما هي، وإنما تعيد خلقها. وهذا ما يؤكده Jean Kohen حين يرى أن الشعر يبدأ من اللحظة التي تنحرف فيها اللغة عن استعمالها المألوف لتصبح منتجة للجمال. ومن هنا تبدو صور نجية تزروت بعيدة عن التقرير وقريبة من الإدهاش، لأنها تعيد تشكيل الواقع وفق منطق الوجدان لا وفق منطق العقل.

وتبلغ الصورة الشعرية ذروتها في قولها: «قطفت لك من الشمس برتقالة». فهذه الصورة تنتمي إلى الخيال الحداثي الذي لا يخضع لمنطق الواقع، وإنما لمنطق الشعر. فالشمس لا تُقطف، والبرتقالة ليست جزءا منها، لكن الجمع بينهما ينتج صورة مدهشة توحي بأن المحب قادر على اقتناص المستحيل وتقديمه قربانا لمن يحب. وكذلك عبارة «رويتك من عشقي حد الثمالة» تجعل الحب ماء يُشرب حتى الامتلاء، وهي استعارة تمنح العاطفة بعدا حسيا كثيفا.

وتحيل صورة “الشمس” إلى دلالات متعددة؛ فهي رمز للحياة والدفء والنور والخصب، بينما تحيل “البرتقالة” إلى الامتلاء واللذة والحلاوة. وعندما تجمع الشاعرة بين الرمزين فإنها تنتج صورة مركبة تجعل الحب قادرا على اقتطاع النور نفسه وتقديمه هدية للمحبوب، وهي صورة تنتمي إلى الخيال الخلاق أكثر مما تنتمي إلى الخيال الزخرفي.

أما عبارة “رويتك من عشقي حد الثمالة” فتكشف عن تداخل الحواس داخل النص، إذ يتحول الشعور إلى ماء، ويصبح العشق شرابا، وهي ظاهرة تعرف في البلاغة الحديثة بتراسل الحواس، حيث تنتقل الدلالة من مجال إلى آخر لتوسيع أفق الصورة الشعرية وإغنائها.

ومن الناحية الفنية، تعتمد القصيدة على شعر التفعيلة الحرة أو قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، حيث تغيب البحور التقليدية لتحل محلها موسيقى التكرار، والتنغيم، والتوازي التركيبي. ويلاحظ أن الشاعرة تستخدم الجمل القصيرة المتتابعة، مع التدرج في التكرار مثل «بَعِيداً… بَعِيداً… بَعِيداً» و«كَثِيراً… كَثِيراً… كَثِيراً». وهذا الأسلوب يخلق إيقاعا نفسيا يعكس امتداد التجربة واستحالة اختزالها في كلمة واحدة.

ويستند الإيقاع هنا إلى البنية الداخلية للجملة أكثر مما يستند إلى الوزن الخليلي، وهو ما يجعل الموسيقى نابعة من حركة المعنى نفسه. فالتكرار، والتوازي، وتجاور الأفعال، وتوالي الصور، كلها عناصر تصنع إيقاعا وجدانيا يشعر به القارئ حتى في غياب الوزن التقليدي. وهذا ما يجعل النص قريبا من مفهوم “الموسيقى الداخلية” الذي أولاه أدونيس وأنسي الحاج أهمية كبيرة في الشعر العربي الحديث.

كما أن علامات الحذف (…) تؤدي وظيفة جمالية دقيقة؛ فهي لا تشير إلى حذف كلام فحسب، وإنما تعكس امتداد الشعور وعجز اللغة عن احتواء فيض التجربة، وكأن الصمت نفسه يصبح جزءا من البنية الإيقاعية للقصيدة. وهذا ما يجعل البياض والصمت عنصرين من عناصر الكتابة، لا مجرد فراغ طباعي.

كما تقوم البنية الفنية على الانتقال من ضمير المخاطب إلى ضمير المتكلم، ومن الماضي إلى المستقبل. ففي البداية تتحدث عن تجربة عاشتها مع الآخر، ثم تنتهي بإعلان مشروعها الشخصي: «سأكتبها يوماً بأشواقي». وهذا التحول البنائي بالغ الأهمية؛ إذ تنجح الشاعرة في تحويل الخسارة إلى فعل إبداعي، فلا تنتهي القصيدة عند الفقد، وإنما تبدأ منه رحلة جديدة نحو الكتابة.

ويكشف هذا الانتقال أيضا عن تطور درامي داخل النص؛ فالمتكلمة تبدأ أسيرة علاقة ثنائية مع الآخر، لكنها تنتهي وقد استعادت مركزيتها بوصفها ذاتا مبدعة. وبذلك يتحول المحبوب من غاية للقصيدة إلى سبب في ميلاد القصيدة نفسها، وهو انتقال من الحب بوصفه تجربة إلى الكتابة بوصفها مصيرا.

ومن اللافت كذلك أن الزمن في القصيدة ليس زمنا خطيا، بل زمن دائري تتجاور فيه الذاكرة والحاضر والمستقبل. فالماضي يستعاد في الحاضر، والحاضر يكتب من أجل المستقبل، والمستقبل نفسه لا يتحقق إلا عبر فعل الكتابة. وهو ما يمنح النص بعدا وجوديا يجعل الزمن النفسي أهم من الزمن الكرونولوجي.

من المنظور النفسي، تكشف القصيدة عن شخصية تمتلك قدرة عالية على تحويل الألم إلى طاقة خلاقة. فهي لا تستسلم للحزن، ولا تغرق في خطاب الضحية، وإنما تؤكد في خاتمتها أن صدرها ما زال متسعا للكلمات، وأن عشقها للحياة ما زال جارفا. وهنا يتحول الشعر إلى آلية للمقاومة النفسية، وإلى وسيلة لترميم الذات بعد الانكسار. إن الشاعرة لا تكتب لأنها سعيدة، بل لأنها تريد أن تنتصر على الحزن بالكتابة.

ويذهب Segmund Freud إلى أن الفن يمثل أحد أرقى أشكال “التسامي”، حيث تتحول الرغبات والآلام إلى إبداع قادر على تحقيق التوازن النفسي. ويبدو أن نجية تزروت تحقق هذا المعنى بامتياز؛ فهي لا تنكر الألم، لكنها تعيد صياغته جماليا، فيغدو الشعر علاجا للروح لا مجرد تعبير عن معاناتها.

كما أن الذات الشاعرة لا تظهر في صورة المنكسرة أو المهزومة، بل في صورة الإنسان الذي يعترف بجراحه دون أن يسمح لها بأن تصادر إرادته في الحياة، وهو ما يمنح القصيدة بعدا إنسانيا يتجاوز حدود التجربة الفردية ليصبح خطابا عن قدرة الإنسان على النهوض بعد الخيبة.

أما البعد الاجتماعي، فيتجلى في أن الحب لا يعيش داخل غرفة مغلقة، بل يتحرك في الفضاء العام: في الطرقات، والجبال، والشرفات، والشواطئ، وحتى في مرائب السيارات. وهذا الامتداد المكاني يمنح التجربة بعدا اجتماعيا، إذ تصبح الذاكرة مرتبطة بالأمكنة بقدر ارتباطها بالأشخاص. فالمكان هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل في تشكيل الوجدان.

ومن هنا تكتسب الأمكنة في القصيدة وظيفة رمزية تتجاوز بعدها الجغرافي، وهو ما يلتقي مع أطروحة الفيلسوف والناقد Gaseton Bachelard في كتابه La poétique de l’espace، حيث يؤكد أن المكان في الأدب ليس إطارا خارجيا، وإنما فضاء تتجسد فيه الأحلام والذكريات والانفعالات. فالطرقات والجبال والشواطئ ليست مجرد محطات للحركة، بل تتحول إلى خزائن للذاكرة، وإلى شهود صامتين على التجربة الإنسانية.

كما أن انتقال الذات بين هذه الأمكنة المختلفة يمنح القصيدة دينامية سردية، إذ تتحول الجغرافيا إلى سيرة وجدانية، ويصبح المكان جزءا من هوية العاشقين، لا مجرد مسرح للأحداث. وهذه إحدى سمات الشعر الحديث الذي لم يعد ينظر إلى المكان بوصفه ديكورا، بل باعتباره عنصرا بنائيا يشارك في إنتاج الدلالة.

ومن الزاوية الفكرية، تنحاز القصيدة إلى فلسفة تؤمن بأن الحياة تستحق أن تُعاش رغم الخيبات. ويتجلى ذلك في المفارقة الجميلة بين «غزيرة الأماني» و«ضحالة الأمل». فالأماني لا تنضب رغم ضآلة احتمالات تحققها، وهي مفارقة وجودية تعكس إيمان الإنسان بإمكان الحلم حتى عندما تبدو الوقائع معاكسة له. كما أن الخاتمة تؤكد أن المستقبل لا يزال مفتوحا أمام القصائد والحكايات، وهو إعلان واضح عن انتصار الإبداع على الانكسار.

وتعد هذه المفارقة من أجمل لحظات القصيدة؛ فهي تفرق بين “الأمل” بوصفه معطى واقعيا قد يضعف أو يتراجع، و”الأماني” بوصفها طاقة روحية لا تنفد. ولذلك لا تستسلم الذات لضعف الأمل، لأنها تمتلك وفرة الحلم، وكأن الشاعرة تعيد الاعتبار إلى الإرادة الإنسانية بوصفها قوة تتجاوز شروط الواقع.

وهذا المعنى يقترب من فلسفة Ernst Bloch في كتابه The principale of Hope ، “مبدأ الأمل” حيث يرى أن الإنسان لا يعيش بما تحقق، بل بما يستطيع أن يتخيله، وأن الحلم ليس نقيض الواقع، وإنما القوة التي تدفع إلى تجاوزه. ومن هذا المنظور تتحول القصيدة إلى احتفاء بإرادة الحياة أكثر من كونها مرثية لعلاقة عاطفية.

ومن الناحية الرمزية، يتحول «الإخبار» إلى رمز لمقاومة المحو، وتتحول «القصائد» إلى وسيلة لحفظ الوجود، بينما يصبح «العالم الجميل» رمزا للمدينة الداخلية التي تبنيها الذات بعيدا عن قسوة الواقع. ولا يتعلق الأمر بعالم مثالي بقدر ما هو عالم تصنعه اللغة، حيث يصبح الشعر وطنا بديلا عندما تضيق الأوطان الواقعية.

كما يلاحظ كذلك أن القصيدة تقوم على شبكة من الثنائيات الضدية التي تمنحها توازنا دلاليا؛ فهناك الصمت والكلام، الفناء والحياة، الأمل والخيبة، الحضور والغياب، الماضي والمستقبل، الواقع والحلم. وهذه الثنائيات لا تتصارع داخل النص بقدر ما تتكامل، إذ ينتهي كل طرف إلى إنتاج نقيضه؛ فالفناء يلد الحياة، والصمت ينجب الكلام، والغياب يوقظ الذاكرة، والخيبة تلد القصيدة.

كما أن رمز الشمس لا يحيل إلى الضوء وحده، بل إلى القدرة على العطاء دون انتظار المقابل، في حين ترمز “البرتقالة” إلى الامتلاء والنضج والدفء، مما يجعل الصورة برمتها احتفالا بالكرم العاطفي الذي يتجاوز حدود الممكن.

وعلى مستوى التلقي، تمتلك القصيدة قدرة واضحة على استثارة القارئ لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تفتح فضاءات واسعة للتأويل. فكل قارئ يستطيع أن يرى في هذه التجربة شيئا من ذاكرته الخاصة، وأن يعيد بناء الصور وفق خبرته الذاتية. وهذه السمة تعد من أهم خصائص النصوص الشعرية الحديثة التي لا تنغلق على معنى واحد.

وهنا تبرز أهمية نظرية التلقي عند هانس Hans Robert Jauss و Wolfgang Iser ، اللذين أكدا أن النص الأدبي لا يكتمل إلا بالقارئ، وأن المعنى لا يقيم داخل الكلمات وحدها، بل يتولد من الحوار المستمر بين النص وأفق انتظار المتلقي. ولذلك تبدو قصيدة “أَخْبِرْهٌمْ” نصا مفتوحا يسمح لكل قارئ بأن يملأ فراغاته من تجربته الخاصة، وهو ما يفسر قدرتها على إثارة التعاطف والتماهي.

ومن هذه الزاوية أيضا، فإن القصيدة لا تفرض معنى واحدا، بل تتيح قراءات متعددة؛ فقد يقرؤها عاشق بوصفها قصيدة حب، ويقرؤها ناقد بوصفها قصيدة عن الذاكرة، ويقرؤها فيلسوف بوصفها نصا عن مقاومة الفناء، وهو ما يمنحها ثراء تأويليا يميز النصوص الشعرية الجيدة.

ومع ذلك، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية تتمثل في أن هيمنة العاطفة أحيانا تأتي على حساب التكثيف الشعري، إذ تميل بعض المقاطع إلى المباشرة التعبيرية أكثر من ميلها إلى الإيحاء. غير أن هذا الاختيار يبدو منسجما مع طبيعة النص الذي يراهن على صدق التجربة أكثر من رهانه على التعقيد البلاغي.

ويمكن إضافة ملاحظة أخرى تتعلق بأن القصيدة، في بعض المواضع، تميل إلى الاسترسال الوجداني أكثر من ميلها إلى الاقتصاد اللغوي، غير أن هذا الامتداد لا يفقدها تماسكها، لأن التكرار والإيقاع الداخلي يحافظان على وحدة النسيج الشعري، ويحولان التدفق العاطفي إلى عنصر جمالي لا إلى مجرد إسهاب.

كما أن قوة النص لا تكمن في سعيه إلى الإدهاش اللغوي وحده، بل في صدقه الإنساني، وهو ما جعل الشاعر محمود درويش يؤكد أن القصيدة العظيمة ليست تلك التي تقول أشياء غريبة، وإنما تلك التي تقول الأشياء العميقة بطريقة تجعلها تبدو وكأنها تُقال لأول مرة. وهذا الوصف يكاد ينطبق على عدد من صور هذه القصيدة التي تجمع بين البساطة والابتكار.

في المحصلة أو في الختام، تقدم نجية تزروت نصا شعريا يجمع بين بساطة اللغة وعمق الرؤية، وبين رهافة الإحساس وثراء الصورة، ويؤكد أن الشعر الحقيقي لا يقاس بوزنه أو زخرفته، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة نابضة بالحياة. إنها قصيدة تحتفي بالحب، لكنها لا تتوقف عنده؛ وتستحضر الفقد، لكنها لا تستسلم له؛ وتؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تعيد بناء الإنسان كلما حاولت الحياة أن تهدمه. ولهذا تغدو «أَخْبِرْهُمْ» أكثر من قصيدة غزل؛ إنها بيان شعري عن انتصار الذاكرة، وإرادة الحياة، وسلطة الكلمة على النسيان.

وإذا كانت القصيدة قد انطلقت من تجربة ذاتية خاصة، فإنها تنتهي إلى أفق إنساني رحب، حيث يصبح الحب استعارة للحياة، وتصبح الكتابة فعلا من أفعال المقاومة، وتغدو الذاكرة شكلا من أشكال الانتصار على الزمن. وبهذا المعنى تحقق نجية تزروت ما يسميه Paul Ricoeur “الهوية السردية” التي طرحها كمفهوم في كتابه “الذات عينها كآخر» (Soi-même comme un autre)، إذ تعيد الذات بناء نفسها من خلال الحكي، وتقاوم الفناء بفعل الكتابة.

ومن ثم يمكن القول إن “أَخْبِرْهُمْ” ليست مجرد قصيدة وجدانية، بل نص شعري يمتلك مقومات القراءة النقدية الحديثة، لأنه يجمع بين جماليات اللغة، وعمق الرمز، وكثافة الصورة، وتعدد مستويات التأويل، وتداخل الأبعاد النفسية والاجتماعية والفكرية والفلسفية. إنها قصيدة تثبت أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العاطفة، بل يحولها إلى معرفة بالإنسان، وإلى رؤية للعالم، وإلى فعل جمالي قادر على أن يمنح التجربة الفردية قيمة إنسانية كونية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة