مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

بين الشفاه والليل: شعرية التكوين العاطفي وتجليات الكتابة في مقطع إدريس علوش/عبد العزيز الخبشي- المغرب

1000151068 1

يقول الشاعر إدريس علوش:
«وتسألين من أين تأتي القصيدة
من شفتيك ومن حبر القافية
كنت أردد
وكان الليل شاهداً.»
إدريس علوش – المغرب.

يقدم هذا المقطع القصير نموذجا مكثفا للشعر الحديث الذي يراهن على الاقتصاد اللغوي، دون أن يتخلى عن كثافته الدلالية واتساع أفقه التأويلي. فالشاعر لا يجيب عن سؤال مصدر القصيدة باعتباره سؤالاً تقنيا يتعلق بصناعة الشعر، وإنما يحوله إلى سؤال وجودي يمس العلاقة بين الذات المبدعة والآخر الملهم، وبين اللغة والعاطفة، وبين التجربة الإنسانية وفعل الكتابة. ومن هنا فإن النص لا يكتفي بالإخبار عن مصدر القصيدة، بل يؤسس لرؤية شعرية تجعل من الحب شرطا للقول، ومن الحضور الأنثوي طاقة مولدة للغة، ومن الليل فضاءً شاهداً على ميلاد القصيدة.

يفتتح الشاعر نصه بالفعل المضارع: «وتسألين»، وهو اختيار أسلوبي بالغ الدلالة، لأن المضارع هنا لا يحيل إلى زمن لحظي، بل يمنح السؤال صفة الاستمرار والتجدد. إن السؤال لا يطرح مرة واحدة، وإنما يتكرر كلما تجددت القصيدة، وكأن الشاعرة أو المخاطبة لا تكف عن البحث في سر هذا الكلام الذي يتجاوز حدود اللغة العادية. ويلاحظ أن الشاعر لم يقل: «سألتِ»، بل قال: «تسألين»، ليجعل فعل التساؤل نفسه جزءاً من دينامية العلاقة بين العاشق والمعشوق، وبين الشاعر والملهمة. وهذا ما يجعل المطلع يشتغل بوصفه مدخلا حواريا يخفف من سلطة الخطاب الأحادي، ويؤسس لما يسميه النقد الحديث بـ”شعرية الحوار”، حيث يصبح الآخر شريكا في إنتاج المعنى لا مجرد متلق له.

ثم تأتي الإجابة في قوله: «من شفتيك ومن حبر القافية»، وهي إجابة تنزاح عن المنطق الواقعي إلى المنطق الشعري. فالقصيدة لا تأتي من العقل أو التجربة المباشرة، وإنما تأتي من «شفتيك»، أي من موضع الكلام والابتسام والقبلة والهمس. فالشفاه هنا ليست عضوا جسديا، وإنما علامة سيميائية تختزن الحب واللغة والإغراء والاعتراف. لقد اختزل الشاعر المرأة في أكثر أعضائها قدرة على إنتاج المعنى العاطفي، فجعل منها المصدر الأول للقصيدة.

غير أن الشاعر لا يكتفي بالشفاه، بل يضيف إليها عبارة «حبر القافية»، وهي صورة استعارية عميقة تمزج بين المحسوس والمجرد. فالحبر رمز للكتابة، والقافية رمز للبناء الموسيقي للنص، وبذلك تتداخل عناصر الإلهام مع عناصر الصناعة الفنية. إن القصيدة لا تولد من العاطفة وحدها، كما لا تولد من التقنية وحدها، وإنما تنبثق من تفاعل الإحساس مع الصياغة، ومن اتحاد القلب باللغة. وهنا ينجح الشاعر في تجاوز الثنائية التقليدية بين الإلهام والصنعة، ليؤكد أن الشعر الحقيقي هو لقاء بين حرارة الشعور وجمالية التعبير.

وفي قوله: «كنت أردد» ينتقل النص من لحظة السؤال والجواب إلى لحظة الفعل. فالفعل «أردد» يوحي بالتكرار والاستغراق، وكأن الشاعر يعيش حالة إنشاد داخلي لا تنقطع. وليس المقصود مجرد الترديد اللفظي، وإنما استعادة صورة المحبوبة داخل الذاكرة حتى تتحول إلى إيقاع دائم يسكن الذات. إن الترديد هنا يمثل حالة من الامتلاء الوجداني التي تجعل القصيدة امتدادا للتأمل أكثر من كونها فعلا إراديا. وهذا ينسجم مع التصورات الحديثة التي ترى أن الشعر ليس خطابا جاهزا، بل هو تجربة معاشة تتشكل تدريجيا داخل الوعي.

أما خاتمة المقطع: «وكان الليل شاهداً» فتمنح النص بعداً رمزياً بالغ العمق. فالليل في الشعر العربي الحديث لم يعد مجرد زمن طبيعي، بل أصبح فضاءً نفسيا ووجوديا تتكثف فيه العزلة والحنين والتأمل. لكن الشاعر هنا يضفي على الليل وظيفة جديدة، إذ يجعله شاهدا. والشهادة في معناها الثقافي ترتبط بالحقيقة والصدق، وكأن الليل وحده كان يراقب لحظة ولادة القصيدة ويعرف أن مصدرها الحقيقي هو تلك المخاطبة. إن تشخيص الليل وتحويله إلى كائن يشهد يمثل انزياحا بلاغيا يمنح الصورة حيوية خاصة، ويجعل عناصر الطبيعة تدخل في شبكة العلاقات الإنسانية.

ومن زاوية النقد الأسلوبي، يقوم النص على الاقتصاد اللغوي، إذ لا يتجاوز أربعة أسطر، لكنه يفتح آفاقا واسعة للتأويل. فلا وجود للحشو أو الزخرفة المجانية، وإنما تعتمد اللغة على التكثيف والإيحاء، وهي إحدى السمات الأساسية للشعر الحديث. كما يلاحظ حضور الأفعال أكثر من الأسماء: تسألين، تأتي، كنت، أردد، كان، مما يمنح النص حركة داخلية ويجعله قائماً على دينامية الفعل لا على سكون الوصف.

أما من الناحية التداولية، فإن النص يبني علاقة حميمة بين المتكلم والمخاطبة، ويشرك القارئ في هذا الحوار دون أن يقدم له معاني جاهزة. فالقارئ يصبح مطالبا بإعادة بناء العلاقات بين الشفاه والقصيدة، وبين الحبر والقافية، وبين الليل والشهادة، وهو ما يجعل النص مفتوحا على قراءات متعددة، وهي خاصية مركزية في الشعرية الحديثة التي لا تؤمن بانغلاق الدلالة.

وفي ضوء المناهج النقدية المعاصرة، يمكن القول إن هذا المقطع يحقق ما يسميه النقاد اقتصاد العلامة الشعرية، حيث تتحول الكلمات القليلة إلى شبكة من الرموز والإشارات. فالشفاه علامة للحب، والحبر علامة للكتابة، والقافية علامة للفن، والليل علامة للذاكرة والسر، والشهادة علامة للحقيقة. ومن خلال هذا النسق الرمزي ينجح الشاعر في بناء عالم شعري متماسك رغم قصر النص.

إن قيمة هذا المقطع لا تكمن في زخرفة عباراته، بل في صدقه الشعوري وقدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية قابلة للتأويل. فهو يذكرنا بأن القصيدة لا تصنع في المختبرات اللغوية، وإنما تولد حين يلتقي القلب بالكلمة، وحين تصبح المحبوبة جزءا من معجم الشاعر، ويغدو الليل أمينا على أسرار الكتابة. وهكذا يثبت إدريس علوش أن الشعر الحقيقي لا يجيب عن سؤال: من أين تأتي القصيدة؟ بقدر ما يجعل القارئ يعيش لحظة ميلادها، ويشعر بأن أجمل القصائد ليست تلك التي تكتب بالحبر وحده، بل تلك التي تكتب أولا على شفاه المحبة، ثم تحفظها ذاكرة الليل شاهدا على خلودها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة