الّلهمّ آمين …أيمن عبد الحميد الوريدات – الأردن
في الوقت الّذي يجرّ فيه اللّيل أذياله فارًّا فزعًا من نور الفجر الّذي بدأ يبسط نوره الوضّاء على أرجاء الخليقة ، يستيقظ الأسدُ ويقف رافعًا رأسه نحو السّماء ملجأ كلّ ضعيف ، وملاذ كلّ جبّارأنساه جبروته للحظة أنّه مخلوق وضيع ، ويرفع يديه إلى السّماء داعيًا متضرّعًا إلى سامكها : اللهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ ابن آدم ومن شرّ ما ينفث ويخطّط ، ومن شرّ أفكاره ، ويطول به المقام وهو يدعو مكسور الخاطر ، لكنّ رجاءه في الله لا ينقطع ، وكثيرًا ما كان ابنه ووليّ عهده الشبل يصحو ويبدي استغرابه وذهوله من دعاء والده ، وتدور في ذهنه أسئلة كثيرة ؛ ألسنا أقوى مَن في الوجود ؟ ألسنا الآمرين والنّاهين في الغابات ؟ ألم يدن لنا بالولاء والطّاعة كلّ قريب وبعيد ؟ ألسنا ولسنا …؟ فلم هذا الدّعاء من الأسد الجبّار؟
ومن هو ابن آدم هذا ؟ وأين يعيش ؟
لم يفارق الأسد هذه العادة بل صارت ديدنه في كلّ فجر ؛ علّ دعاءه يصادف ساعة استجابة فيكون مقبولاً ، ولا يتعرّض له ابن آدم ، ضاق الشبل ذرعًا بما يفعله أبوه ، وتجرّأ على سؤاله : والدي وتاج رأسي ، إن كنّا نحن أقوى المخلوقات فلمَ اسمعك تدعو الله أن يجنّبك شر ابن آدم ؟ ومن هو ابن آدم هذا ؟
فيجيب الأسد : ابن آدم أقوى مخلوقات الأرض ، الإنسان ، وباختصار شديد الغدر، والخداع، والقوّة والبطش ، العقل والمكيدة . فيردّ الشبل : وكيف أعرفه ، وأين أراه ؟ فيزأر الأسد زأرة تملأ الأرجاء ، فيقف الشبل حائرا منتظرا ما بعدها ، فيأتي الردّ لا أريدك أن أن تراه حتّى من بعيد ، لأنّ غدره قد يصلك ، وأنت تظنّ أنّك في مأمن من شرّه ، فما كان من الشّبل إلاّ أن طأطأ رأسه مظهرًا الولاء والطّاعة.
لم يفارق الأسد عادته في الدّعاء ، ولم تفارق أوصاف الإنسان مخيّلة الشبل ، وبدأ يرسم صورة لهذا الكابوس المسمّى الإنسان ، صورة بشعة ربّما كالصورة الّتي كنّا نرسمها صغارًا للغول ، بل ربّما أشدّ ترهيبًاوتخويفًا .
يخرج الأسد يوما متفقّدًا مملكته وبصحبته شبله وفلذة كبده ، فتسوقه قدماه إلى أطراف مترامية لم يكن قد وصلها من مملكته ، فيلمح من بعيد زول ابن آدم ، فيحاول تغيير اتّجاهه إلآّ أنّ بصر شبله الحادّ كان أشدّ لمحًا ، فوقعت عينه على ابن آدم لأوّل مرّة في حياته ، وهو لا يعرف أنّ هذا هو … ويقرأ في صفحات وجه أبيه ارتباكًا لم يقرأه فيهما من قبل ، ويسأله : ما هذا الشيء يا أبي ؟ فيتلعثم الأسد ولا يكاد يبين ، فيبادر الشّبل : أهذا هو ابن آدم الّذي تخشاه ؟ أهو صاحب الأوصاف الّتي ذكرت ؟ هزّ الأسد رأسه بالإيجاب ومضى لا يثني على شيء .
بعدها بدأ الشّبل يفكّر ويطيل التفكير والتّأمّل فلا تراه إلاّ شارد الذّهن مشغول البال ، فهو لم يرَ في الإنسان ما يُرعب ؛ حجم عاديّ كأيّ مخلوق آخر ، لا مخالب في يديه ، لأ أنياب حادّة تساعده على الافتراس ،لا لا … فأين يكمن سرّ قوته ؟ لا يريد الشّبل أن يكون عاقًّا ، ولكنّه يريد المغامرة مع هذا الإنسان ليكتشف سرّ الخلطة في قوّته ، فيستغلّ إنشغال والده في تصريف الكثير من الأمور ، فيسوق نفسه دون قلق أو خوف نحو الجهة الّتي كان فيها تشرّفه بمعرفة ابن آدم ، تلك المعرفة الّتي كانت تشكّل له هاجسا ومصدررعب ، ويتّجه نحو ابن آدم الّذي كان منهمكًا في أعمال الزّراعة ، ويطيل النّظر فيه ؛ من فوق إلى تحت ، يمينًا ويسارًا ، دبرًا وقبلا ، فلا يرى فيه مبعث قلق ، ولا يكترث الأخير لوجود الشّبل الّذي ظنّ أنّه قادر على الفتك بالإنسان بضربة واحدة لا يحتاج بعدها إلى خوض جولات أخرى للحسم ،ويبادر بسؤال الإنسان : أأنت الإنسان ؟ أين قوّتك ؟ فيأتيه الجواب : عند خروجي من بيتي لا أحمل من قوّتي إلاّ ما يكفيني ، فأنا الآن بربع قوّتي والثّلاثة أرباع الأخرى في بيتي لأنّي لا أحتاجها في مثل هذا الموقف ، الشبل المسكين لا يواجه شيئا مجردًا من ثلاثة أرباع قوّته ، فيبادر أتصارعني أتواجهني ؟ فيردّ الإنسان بكلّ ما أوتي من خبث : نعم شرط أن أذهب لإحضار باقي قوّتي ،فيأتي جواب الشّبل بالإيجاب ، فيقول الخبيث : أخشى أن تراني متسلّحًا بقوّتي فتولّي هاربًا ، فيردّ الشبل : لست من يعطي وعدًا ولا يفي به ، ولو كان على قطع رأسي ، يوافق الإنسان شرطَ ربط الشبل بجذع شجرة ، حتّى يحضر قوّته ويعود فيفكّ وثاقه للمنازلة ، وافق المسكين فأخرجَ الإنسانُ السّوط وانهال عليه ضربا بكلّ اتّجاه ، والشّبل يصيح أين العهد والوعد أين … ولا يزيد التوسّل الخبيث إلاّ شدّة في الضرب إلى أن تغيّرت ملامح الشبل ورما ونفخا وتكسيرًا و… فيعود جارًّا خيبته وأذيال هزيمته النّكراء ، ولم ينبس ببنة شفة لأحد ، ويتسلّل إلى فراشه كاتمًا أنّاته ونتيجة اختباره الأول والأخير حتّى عن أقرب شيء إليه ، ويصحو الأسد على عادته داعيًا متضرّعا إلى الله أن يجنبه شرّ ابن آدم ، ويكون الشّبل حريصًا يومها على الاستيقاظ حتّى لا تفوته بركة الدّعاء فيرفع يديه من تحت اللّحاف مؤمّنًا من قلبه ومن أحشائه من الصّميم بصوت متهدّج: اللهمّ آمين الّلهم آمين … لم يدرك المسكين خبث الخبيث إلاّ بعد ما ذاقه .





