في حضرة هناء عبد الكريم السمان/حوار: علي نفنوف

علي نفنوف

تخرج الكلمات أحيانا من أكمامنا كاعترافات متأخرة، أو كحصى نلقيه في بركة الذاكرة الساكنة لعل إيقاعها يستيقظ. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار حتى تكاد تسبق معانيها، يصبح الإصغاء إلى اللغة نوعا من رجعة التوازن بين ما نقوله وما نريد قوله.
من هنا يأتي هذا الحوار مع الباحثة في اللسانيات والصحفية والشاعرة هناء عبد الكريم السمان، التي امتدت تجربتها بين دمشق وبيروت ودبي وسيدني، وعبرت خلالها مساحات متباينة من الثقافة والعمل الإعلامي. لم تكن هذه المدن مجرد محطات على طريق مهني، وإنما تجارب أعادت تشكيل علاقتها باللغة والمكان والإنسان، ووسعت زاوية رؤيتها إلى ما تفعله الكلمات في وعينا، وما تخفيه أحيانا خلف ظاهرها.
درست هناء اللسانيات في الجامعة الأمريكية في بيروت، وعملت في الصحافة المكتوبة والتحرير، متنقلة بين بيئات لغوية وثقافية مختلفة. وبين صرامة البحث اللغوي وضرورات الكتابة الصحفية، وبين ذاكرة دمشق وانفتاح بيروت وتجارب الاغتراب، تتشكل أسئلة هذا الحوار للاقتراب من تجربة ترى فيها وسيلة لفهم الإنسان، وقراءة ما يقوله وما يضمره، واستعادة التفاصيل التي قد تفقدها الأخبار حين تتحول إلى أرقام وعناوين عابرة.
حين تفكر اللغة في نفسها
حين يجتمع البحث اللساني والعمل الصحفي في تجربة واحدة، يبدو السؤال الأول متعلقا بحدود كل منهما: كيف يمكن للباحث أن يحافظ على صرامة المعرفة، فيما تطالبه الصحافة بالسرعة والوضوح والاختصار؟ وهل تضطر الكاتبة إلى التخلي عن شيء من عمقها الأكاديمي كي تصل إلى قارئها؟
لا ترى هناء السمان تعارضا بين المجالين، بل تعتبر أن كلا منهما يضيء الآخر. فقد منحتها دراسة اللسانيات حساسية أكبر تجاه اللغة، كأداة للتعبيرو نظاما يحمل المعاني، وقد يكشف أحيانا ما تحاول الكلمات إخفاءه. أما الصحافة، فقد علمتها أن المعرفة لا تكتمل ما لم تستطع الوصول إلى القارئ بوضوح وسلاسة.
وتقول إن التبسيط ليس مرادفا للسطحية، وإن الكتابة الجيدة هي التي تحافظ على عمق الفكرة من دون أن تثقلها بالمصطلحات. فاللغة، في نظرها، ليست استعراضا للمعرفة، وإنما وسيلة لفهم الإنسان والعالم من حوله.
من هذه العلاقة بين المعرفة وسبل إيصالها، ينتقل الحديث إلى الصحافة المكتوبة نفسها، وإلى قدرتها على تجديد لغتها في زمن تتشابه فيه العناوين وتتكرر العبارات حتى تفقد كثيرا من حيويتها.
لا تعتقد هناء أن الصحافة فقدت قدرتها على توليد تراكيب جديدة، لكنها تربط ذلك بوعي الكاتب بلغته، وبالمساحة التي يمنحها لنفسه كي يفكر خارج القوالب المألوفة. فاللغة ليست كيانا جامدا، وإنما تتطور مع تحولات المجتمع وأسئلته وتجربته اليومية.
وتلفت إلى أن المشكلة لا تكمن في سرعة الصحافة وحدها، بل في الاستسلام للعبارات المستهلكة والتراكيب الجاهزة، حتى تصبح الأخبار متشابهة في لغتها وإن اختلفت موضوعاتها. ومع ذلك، تظل الصحافة الجادة قادرة، كما ترى، على الموازنة بين الدقة والابتكار، وتقديم لغة حية لا تتخلى عن وضوحها ولا تستسلم للفقر التعبيري.
لكن تجديد اللغة لا يتعلق بالتراكيب وحدها؛ فالكلمات نفسها قد تصبح وسيلة لتشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وصناعة صورة معينة عن الأحداث. وهنا تستعيد هناء أدوات دراستها اللسانية، ولا سيما التداولية وتحليل الخطاب، لتوضح كيف يمكن للمعرفة الأكاديمية أن تتحول إلى ممارسة صحفية يومية.
تقول إن قيمة اللسانيات تكمن في مساعدة الصحفي على قراءة ما وراء الكلمات، وفهم العلاقة بين اللغة وسياقها، وبين ما يقال وما يراد إيصاله. فعند تحليل خطاب سياسي أو اجتماعي، لا يكفي التوقف عند المعنى المباشر للجمل، بل ينبغي السؤال عن المتحدث، والجهة التي يخاطبها، والظروف المحيطة بكلامه، والمعاني التي يحاول تثبيتها في وعي المتلقي.
هذه الأسئلة تجعل الصحفي أكثر انتباها إلى طرائق صناعة الرأي العام وتوجيهه، وأكثر قدرة على التمييز بين المعلومة والتأويل، وبين الخطاب الذي يشرح الواقع والخطاب الذي يسعى إلى تشكيل صورته.
ولا يشترط، بحسب هناء، أن يستخدم الصحفي المصطلحات الأكاديمية في مادته المنشورة، وإنما أن يستفيد من أدواتها في التفكير والتحليل والتحقق. فالمعرفة الحقيقية لا تقاس بعدد المصطلحات التي نستعرضها، انما بقدرتنا على رؤية ما كان خافيا قبل امتلاكها.
المدن التي تعيد تشكيل أصواتنا
إذا كانت اللغة تتشكل بالسياق الذي تستخدم فيه، فإن المكان يترك أثره فيها أيضا. وليس انتقالها بين دمشق وبيروت مجرد تفصيل في سيرتها المهنية؛ إنه تجربة تتيح النظر إلى اللغة من داخل بيئات مختلفة، حيث تتداخل الذاكرة مع الإيقاع اليومي، وتمنح المدن كلماتها نبرات خاصة.
حين تستعيد دمشق، لا تتحدث عنها باعتبارها مدينة تسكن الذاكرة فحسب، وإنما جزءا من تكوينها اللغوي والوجداني. هناك تشكلت علاقتها الأولى بالمكان، وبالإيقاع الذي تمنحه الحياة اليومية للكلمات، وبذلك المزيج من الألفة والخصوصية الذي يترك أثره في الإنسان حتى حين يبتعد.
أما بيروت، فقد منحتها تجربة أخرى، بما تحمله من انفتاح ثقافي وتعدد واختلاف. وأسهمت سنوات عملها في الصحافة اللبنانية في توسيع رؤيتها للعالم والثقافة العربية، كما جعلتها ترى دمشق من زاوية مختلفة. فالمسافة، كما تقول، لا تبعدنا بالضرورة عن المكان، قد تكشف لنا ما لم نكن ننتبه إليه ونحن في داخله.
وتضيف أن تجربتها بين دمشق وبيروت، ثم دبي وسيدني، جعلت علاقتها بالمكان أكثر اتساعا. فالمدن التي نعبرها لا تلغي بعضها في داخلنا، وإنما تتراكم لتصنع رؤيتنا للعالم.
وإذا كان المكان يترك أثره في الذاكرة، فإن لغته اليومية تترك أثرها في الكتابة أيضا. فالمحكية البيروتية، بما تحمله من حيوية وقرب من نبض الحياة، تختلف في إيقاعها وإمكاناتها عن الفصحى التي تمنح التعبير مجالا أوسع لاستيعاب المعاني المركبة. وبين المستويين، وجدت مساحة لاكتساب حساسية خاصة تجاه الفروق الدقيقة في التعبير والإيقاع.
علي
هل تحتاج الحقيقة إلى الشعر؟
في زمن تتنافس فيه العناوين الصادمة على انتباه القارئ، تبدو الكتابة الصحفية أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على الدقة والموضوعية، من دون أن تتحول إلى لغة جافة تختزل الإنسان في خبر؟ وهل تستطيع الشعرية أن تمنح الصحافة عمقا إضافيا، أم أنها قد تبعدها عن الواقعية؟
تضع هناء المسألة عند الحد الفاصل بين جمال التعبير ودقة المعلومة. فالصحافة، قبل أي شيء، مسؤولية تجاه الحقيقة والقارئ، ولا يجوز أن تتحول الاستعارة إلى بديل عن الوقائع، أو أن تحجب اللغة الجميلة ما ينبغي كشفه بوضوح.
لكنها لا ترى أن الواقعية تستلزم الجفاف، أو أن الدقة تعني الكتابة بلغة خالية من الروح. فالصحفي يستطيع أن يكتب بلغة رشيقة وموحية، وأن يمنح التفاصيل الإنسانية عمقها، من دون أن يتنازل عن الموضوعية أو يخلط بين الخبر والرأي.
وتكمن أهمية الشعرية، في رأيها، في قدرتها على إنقاذ الإنسان من التحول إلى رقم في الخبر، وإعادة الوجه والصوت والتجربة إلى الوقائع. عندئذ لا تكون الشعرية زينة تضاف إلى الحقيقة، بل محاولة للإصغاء إلى بعدها الإنساني، شرط ألا تتقدم عليها أو تحجبها.
وعندما نصل إلى الشعر الذي يرافق كتابتها الصحفية، لا تختار اسما واحدا تختصر فيه علاقتها بالشعر. فالتجربة، كما توضح، تتشكل عبر قراءات متعددة، وتظل مفتوحة على الاكتشاف والتغير. وما يترك أثره في الكاتب ليس بالضرورة نصا بعينه، هي طريقة في النظر إلى العالم، وحساسية تجاه اللغة والإنسان والتفاصيل التي قد تبدو عابرة.
تكتب الشعر والنقد في أوقات فراغها؛ تجد في الشعر مجالا لاختبار اللغة وأسئلتها، وفي النقد محاولة لفهم النصوص والكشف عن طبقاتها الدلالية والجمالية. ويلتقي المجالان مع العمل الصحفي عند نقطة أساسية هي الانتباه إلى ما لا يظهر من النظرة الأولى.
فعين الصحفي تبحث عن المعلومة والسياق، فيما يساعد الحس الشعري على التقاط ما يحيط بهما من مشاعر ودلالات إنسانية. وحين تجتمع العينان، يصبح النص الصحفي قادرا على أن يكون دقيقا ومؤثرا في آن، من دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن وظيفته.
وفي سياق حديثها عن الأصوات التي تشدها، تذكر الأديب والناقد السوري سليمان أحمد العوجي، مشيرة إلى أنه لا يحب أن يوصف بالأديب والناقد، لأنه يرى أن ما يكتبه ليس أكثر من إفراغ لشحنات قلبه. كما تستحضر الشاعرة السورية سعاد محمد والشاعر السوري صقر عليشي، في إشارات تكشف عن تعدد منابع التلقي لديها، وعن علاقة بالشعر لا تختصرها الأسماء ولا تحصرها مدرسة واحدة.
ولعل أجمل ما يمنحه الشعر للصحفي، كما توحي إجاباتها، أن يظل قادرا على رؤية الإنسان في قلب الحدث، وألا تسمح له كثرة الأخبار أن يفقد دهشته الأولى أمام الحياة.
**
في ختام الحوار، تعود هناء السمان إلى المحطات التي صنعت تجربتها، من دمشق وبيروت إلى دبي وسيدني. وهي ترى أن هذا الامتداد منحها خبرات مهنية وثقافية متباينة، ووسع علاقتها باللغة والإعلام والإنسان.
تعمل اليوم في الصحافة المكتوبة والتحرير لعدد من المواقع، إلى جانب عملها محررة في مجلة Golden الناطقة بالإنجليزية. كما تدرّس اللغة الهولندية التي تحبها، وتعود في أوقات فراغها إلى الشعر والنقد، وهما المساحتان اللتان تمنحانها فرصة أخرى للإصغاء إلى اللغة ومساءلتها.
وتختصر موقفها من الكتابة في إيمانها بأنها، مهما اختلفت أشكالها، تظل مسؤولية؛ مسؤولية تجاه الحقيقة، وتجاه اللغة، وتجاه الإنسان الذي نكتب عنه وله.
ولعل هذه العبارة تعيدنا إلى السؤال الذي بدأ منه الحوار: ماذا تفعل اللغة بنا، وماذا نستطيع أن نفعل بها؟ بين البحث اللساني والممارسة الصحفية، وبين الذاكرة والاغتراب، لا تبدو الكتابة عندها مجرد مهنة تنتهي بانتهاء النص،هي ممارسة تتطلب يقظة مستمرة تجاه المعنى، وانتباهًا إلى الإنسان الذي قد تضيع ملامحه حين تستسلم الكلمات للقوالب الجاهزة.
وهكذا تبقى الأبواب مواربة على الياسمين والملح؛ لتعيدنا إلى أمكنة غادرناها، و لتذكرنا بأن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن أرضه، من دون أن يتوقف عن الإصغاء والحنين إلى لغتها.



