مائة عام من إخفاقات الإعلام العربي:من الصحف والراديو إلى الشاشات والتفاهة الرقمية/أ.د. سيّار الجميل

كلما تقدّمت الوسائل، تكاثرت الخطايا، واستفحلت السطحية، وتراجع الوعي
أولا : خطورة الاعلاميات العربية
لم تكن مأساة الإعلام العربي أنه تأخر في امتلاك أدوات الاتصال الحديثة؛ فقد عرف الصحافة والإذاعة والتلفزيون والفضائيات، ثم دخل عالم الإنترنت والمنصات الرقمية، وتكاثرت فيه المؤسسات والقنوات والمواقع والحسابات حتى صار الكلام متاحاً للجميع، والصورة في متناول الجميع، والتعليق ممكناً في كل لحظة. لكن السؤال الذي يستحق أن نواجهه بشجاعة هو: ماذا فعل هذا التطور بعقل الإنسان العربي، وبقدرته على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين الرأي والدعاية، وبين النقد والشتيمة؟ وهل أنتج اتساع وسائل الاتصال رأياً عاماً أكثر استقلالاً ونضجاً، أم أنه أتاح في أحيان كثيرة إعادة إنتاج التبعية والتضليل على نطاق أوسع؟ إن المأساة، في تقديري، أن الوسائل تطورت أسرع من الثقافة التي تحكم استخدامها، وأن القدرة على إيصال الرسالة اتسعت من دون أن تتطور بالقدر نفسه القدرة على اختبار صدقها أو مساءلة غاياتها. وهكذا أمكن أن يصبح الإعلام، الذي كان يُفترض أن يكون إحدى أدوات التنوير وتكوين الوعي العام، وسيلةً لتخديره وتوجيهه وإثارة انفعالاته، بل لتدريبه أحياناً على قبول ما يناقض مصالحه وكرامته ومستقبله.
ثانياً: من الصحافة الناشئة إلى ( الراديو ) الإذاعات المحرِّضة
نشأت الصحافة وتوسعت في بيئات سياسية واجتماعية لم تكن فيها حرية التعبير مستقرة منذ أواخر القرن التاسع عشر ، ولكنها تطورت وانتجت أدواراً مهمة في نشر الأفكار الحديثة، وإثارة الأسئلة المتعلقة بالإصلاح والتعليم والاستقلال والهوية، وأسهمت في اثارة حوارات رائعة ، ولكنها لم تكن في سلة واحدة في المكان والزمان .. وبالرغم من قيمة المستنيرين فيها ، فقد غدت حزبية وتحريضية ثم ثورية وسلطوية وطائفية خضعت للسلطة أو للمال أو لمصالح أصحاب النفوذ وصولا الى تقديس المستبدين . وبقيت الصحف حاجة ضرورية يومية يجد فيها العربي متعته ، وما يسعى إلى تعبئته وشحنه بما يريده من اخبار وريبورتاجات ومقالات رأي وكلمات متقاطعة .. الخ ثم جاءت الإذاعة لتغيّر العلاقة بين الرسالة والجمهور. ، فدخل الراديو البيت، والمعمل والمزرعة والمقهى.. وقدّمت الإذاعة ببرامجها إمكانات ثقافية هائلة، من نشر المعرفة واللغة والموسيقى والغناء وحفلات الطرب وفنون الادب والتمثيليات والرياضة و إلى التعريف بالأحداث وتوسيع دائرة الاتصال. وامتلكت قدرة استثنائية على تعبئة الجماهير، ولا سيما حين ارتبطت بأجهزة الدولة أو بالحركات السياسية وبالزعماء والحكام انفسهم، وادراكهم تأثير الصوت والخطاب والبيان والرأي السياسي اثره في الجماهير . فكان الراديو الذي انتقل من المنزلي الى الترانسيستور أحد أخطر وجوه الإعلام السياسي ذخيرة في معركة السلطة حتى في قلب انظمة حكم ، وأن يُقدَّم الخصم بوصفه خائناً أو عميلاً أو عدواً قبل أن تُعرض الوقائع وتُفحص الأدلة. وغدا الاعلام الصوتي له بيئات سياسية وجدت في المجتمع كتلة ينبغي حشدها، لا عقولاً ينبغي احترامها. ولم يكن التحريض والكذب والتهويل والقاء البيانات وخطب الرؤساء الرنانة وشتائم “صوت العرب” اختراعاً عربياً في الصراع السياسي. فقد شهد العالم كله الدعاية الحربية، والبث الأيديولوجي، والتلاعب بالمعلومات. لكن خصوصية المشكلة عند العرب انها تمثلت في هيمنة السلطة على وسائل البث، واستعمال الخطاب الإعلامي الصارخ لتبرير السياسات واشاعة الاكاذيب وإسكات المعارضين، فضلاً عن هشاشة الضمانات التي تحمي حق الجمهور في المعرفة.
ثالثاً: التلفزيون: الصورة التي احتكرت الكلام
مع انتشار التلفزيون، لم يعد الإعلام صوتاً يُسمع فحسب، بل صار صورةً تُرى وتكتسب قوتها من الحضور البصري ومن الإحساس بأن ما يظهر على الشاشة أقرب إلى الحقيقة مما يُقال في الكلمات. وقد فتح التلفزيون أبواباً واسعة للتعليم والثقافة والفنون ونقل الأحداث، وكان قادراً على تقريب المسافات بين المجتمعات، لكنه غدا في قبضة أنظمة سياسية عربية كثيرة، امتداداً للمؤسسة الرسمية تتحكم في خطابه أجهزة الدولة، وتحدد أولوياته الاعتبارات السياسية، وتُقدَّم من خلاله صورة منتقاة عن الواقع. هكذا نشأت مفارقة لافتة: كلما تحسنت تقنيات التصوير والبث، لم يكن مضمون الرسالة بالضرورة أكثر صدقاً أو تنوعاً. فقد تستطيع الشاشة أن تنقل مشهداً حقيقياً، ثم تضعه في سياق مضلل؛ وأن تعرض بعض الوقائع وتحجب غيرها؛ وأن تمنح مسؤولاً وقتاً طويلاً للكلام، بينما تختزل رأي المعارض أو تمنعه أو تحرمه من الظهور. فالتضليل لا يحتاج دائماً إلى اختلاق الوقائع؛ يكفي أحياناً انتقاؤها وترتيبها وتكرار بعضها وإهمال بعضها الآخر. ولم يكن الإعلام الرسمي متشابهاً في جميع البلدان أو المراحل. فقد وجدت صحف وبرامج ومؤسسات مهنية حاولت تقديم معرفة جادة، لكن المشكلة البنيوية بقيت بغياب الحريات والبث برضى السلطات وأمزجة الحكام أو بمصالح القوى النافذة. بل وتحولت الشاشة الى بث محاكمات ومهاترات ومشاهد اعدامات .. وفقد المجتمع ثقته بالاعلاميات العربية والسؤال : لماذا عومل الجمهور أحياناً بوصفه موضوعاً للإدارة السياسية، بدلاً من حقوقه في المعرفة والمساءلة؟
رابعاً: الفضائيات: انكسار الاحتكار أم تعدد الدعاية وفقدان اللياقة ؟
عندما ظهرت القنوات الفضائية العربية واتسعت في أواخر القرن العشرين، بدا أن احتكار الدولة للصورة والخبر قد بدأ يتراجع. لم يعد المشاهد محصوراً في قناة رسمية واحدة، وأصبح بإمكانه متابعة نشرات وبرامج وآراء مختلفة، وقد مثّل ذلك تحولاً حقيقياً وأتاح فرصاً للنقاش العام غير أن تعدد القنوات لم يكن مرادفاً لاستقلال الإعلام. فقد انتقل جانب من التأثير من الاحتكار الحكومي المباشر إلى ملكيات واجندات وتمويلات وارتزاقات ومصالح سياسية وتجارية متنافسة. وأصبحت بعض القنوات تتحدث باسم دول أو أحزاب أو اتجاهات أيديولوجية، فيما اتخذت قنوات أخرى الإثارة والصراع وسيلةً لجذب المشاهدين. وبذلك أمكن أن تتعدد الشاشات بينما تتشابه بعض طرائق العمل: استضافة الأصوات الأكثر صخباً، واختزال القضايا المعقدة في مواجهة ثنائية، وتحويل الحوار إلى مشاجرة، وتقديم الانفعال بوصفه موقفاً فكرياً. لقد اكتشف في الإعلام العربي أن الغضب يجذب الجمهور، وأن الاتهام أسرع انتشاراً من التصحيح، وأن السؤال المحرج يحقق مشاهدة أعلى. وان الاكاذيب لها اسعارها وهكذا ، غدت المحطّأت مجرد مخادع للتحريض وتبادل الشتائم مما اسهم في الانقسامات الطائفية والدينية ونشر الفضائح واثارة المشاكل . لكن لا ينكر ما قدمته بعض الفضائيات من نقل الأحداث مباشرة، وكسرت بعض القيود المفروضة على تداول المعلومات وتقديم برامج مهمة .
خامساً: المنصات الرقمية: صار الجميع يتكلم ويهذي ، فمن يسمع الحقيقة؟
مع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، دخل الإعلام مرحلة مختلفة جذرياً. لم يعد إنتاج الرسالة حكراً على الصحفي أو المؤسسة؛ صار الفرد قادراً على تصوير الحدث ونشره والتعليق عليه، وصار بإمكان المجتمعات المهمشة أن تعرض تجاربها، وأن تكشف وقائع قد لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية. كما أتاحت المنصات الرقمية إمكانات للتعليم والتوثيق والتعبئة المدنية والتواصل عبر الحدود. غير أن هذا الانفتاح كشف في الوقت نفسه عن مشكلات عميقة وخطيرة : إن الناشر بلا معرفة، ولا لغة ولا ثقافة تتحكم به نوازعه وعواطفه فيزيد من الفوضى ويخلط الخبر بالرأي، والشهادة بالإشاعة، والتحليل بالاتهام، والنقد بالتشهير. وأصبح في وسع أي شخص أن يقتطع صورة أو مقطعاً من سياقه، ثم يبني عليه رواية كاملة، وأن يعيد نشر ادعاء غير موثق آلاف المرات حتى يبدو لكثرة تداوله كأنه حقيقة ثابتة. وما يزيد الخطر أن المنصات لا تعرض المحتوى دائماً وفق أهميته المعرفية أو دقته؛ بل وصلت التفاهة الى ان ينشغل مجتمع كامل بما قامت به فنانة لينقسم المجتمع ويتبادل الشتائم على مدى ايام وكأنه فاقد لوعيه وعقله!
سادساً: انتشار الفوضى السياسية والاجتماعية والثقافية معاً
هنا برز نوع جديد من الفوضى ، اذ لم يعد التضليل صادراً عن محطة واحدة تستطيع تحديد مصدره، بل صار بالإمكان أن تنتجه شبكات من الجهات المنظمة، وأن ينتقل بين المنصات والبلدان، وأن يختلط فيه العالم بالجاهل.. وتجد كل من هب ودب قد اوجد له منصة وراح يهذي (ويحاضر ) ويسمعه الآخرون فيزيدهم تضليلا ، وكيف يمكن التحقق من الوقائع قبل أن تتحول الأكاذيب والتضليلات إلى مواقف عامة؟ فمن طرف تجد كيل المدائح والمجاملات الرخيصة ، ومن طرف آخر ، تجد الشتائم والتشهير، فقد أتاح لهما الاتصال الرقمي مجالاً واسعاً للانتشار ونشر التفاهات . صار بعض المستخدمين يظنون أن إهانة المخالف دليل شجاعة، وأن رفع الصوت دليل قوة، وأن السخرية من فلان الفلاني تغني عن مناقشة حجته. وبذلك تراجعت في بعض المساحات الرقمية قيمة الحجة أمام قيمة الاستفزاز، وصار التفاعل السريع بديلاً من التفكير المتأني. إن أخطر ما في هذه الظاهرة المثيرة للقرف ليس تدني مستوى بعض التعليقات فحسب، بل احتمال انتقال أساليبها إلى النقاش السياسي والثقافي والتلفزيوني العام، بحيث يعتاد الجمهور لغة الاتهام، ويصبح التشكيك في النيات أسهل من فحص الأدلة، ويُختزل الاختلاف في صراع بين معسكرين لا يعترف أحدهما بحق الآخر في الوجود أو الكلام. ان الاعلاميات العربية اليوم في حالة متدنية جدا قياسا بالاعلاميات المنتشرة في العالم ( للحديث صلة ) .



