الذبابة اللعينة/ أمين الساطي

أراقبها بحذر وهي تطير على مسافة قريبة من سطح المائدة، متخفية كي لا تلفت انتباهي. أدرت رأسي نحو اليسار متظاهراً بأني لا أراها، لكني بقيت مثبتاً عينيّ إلى أقصى اليسار عليها، وما إن حطّت على قطعة الخبز حتى ضربتها بالفوطة التي كانت بانتظارها في يدي.
أصابتها الفوطة لكنها تمكنت من الطيران مجدداً. كانت الضربة قوية، فانسكبت كأس الماء وبلّلت السطح. انفعلتُ ، فأخذت مجلة وجدتها على الطاولة وركضت خلفها لأضع حداً لها. طاردتها حتى دخلت المطبخ، فانزلقت خلفها وأغلقت الباب.
بحثت عنها لكنها اختفت. في المطبخ خزائن خشبية، ولربما دخلت في الشقوق التي تفصلها عن الحائط. أغلقت باب المطبخ ونزلت إلى دكان السمان القريب، واشتريت سائل الـ DDT مع بخاخ يدوي لأرشه في الهواء، فيصبح غازاً ساماً لهذه اللعينة.
فكرت أثناء عودتي أن هذه الذبابة تحمل مرض الجمرة الخبيثة. منذ حوالي شهرين تشاجرت زوجتي مع خادمة الجيران الإثيوبية من أجل شطف الدرج. لا شك أن الخادمة استخدمت سحر الفودو وأدخلت جنياً ليتقمص هذه الذبابة لينقل العدوى إلى زوجتي.
لكنها اختارت الشخص غير المناسب، فأنا خدمت أربع سنوات رقيباً احتياطياً في الجيش، وعندي خبرة في القتال واستخدام الغازات السامة. وضعت كمامة من القماش المرطب على وجهي وبدأت التطهير.
بدأت بالمطبخ الذي اتخذته ملجأً، ثم غرفة الجلوس ثم غرفة نومي. أما الغرفة الباقية، غرفة زوجتي، فلم أدخلها، لأنها تعيش فيها منفصلة عني منذ أكثر من عامين.
أنهيت عملية التطهير، وقضيت على مرض الجمرة الخبيثة مع الجني الذي تقمص الذبابة. وما كدت أجلس على الكرسي لأستريح.
حتى خرجت زوجتي من غرفتها وهي تصرخ: “تحاول أن تخنقني بالغازات السامة”. جن جنوني، كنت أتوقع منها أن تشكرني لأني أنقذتها من سحر الفودو.
لم تكتفِ بذلك، بل أخذت الهاتف واتصلت بأمها، وقالت لها إني حاولت قتلها. بعد ساعة توقف بيك آب أمام المنزل ونزلت منه حماتي. استقبلتها بوجه بشوش، فقالت إنها جاءت لتأخذ ابنتها إلى بيت أبيها مع جميع أغراضها الخاصة، وإنه لا نصيب بيني وبين ابنتها، ومن الأفضل أن أرسل لها ورقة طلاقها.
أما إذا رفضت فإن خال أبيها محامٍ مشهور، وسيقيم عليّ دعوى خلع على أساس أني شخص مريض عقلياً، ولكي أتجنب هذه الفضيحة، فمن الأفضل أن أطلقها بالحسنى.
وافقت. وقّعت. حملتا الأغراض وغادرتا.
أغلقت الباب بهدوء. البيت أصبح أخيراً نظيفاً، معقماً، آمناً.
جلست على الكرسي وابتسمت. ساد صمت طويل.
ثم سمعت الطنين مرة أخرى. نفس الطنين.
نظرت إلى قطعة الخبز. كانت هناك. نفس الذبابة، حية، تمسح يديها.
قلت لها بصوت منخفض:
“أهلاً… أخيراً صرنا لوحدنا”.



