الفراغ / أمين الساطي

جالسٌ أمام التلفاز، أشاهد مسلسل أرطغرل الذي لا ينتهي. أدخّن معسل التفاح المضروب، وأنفث دخان الأرجيلة الأبيض وأتابعه وهو يصعد في حلقات فضية متداخلة، ثم ما يلبث أن يذوب ويتبدد، مثل هذه الحياة التي أعيشها.
وفي اليد الأخرى هاتفي. أقلّب صور البنات الجميلات على فيسبوك، وكلما رأيت واحدة تثيرني أرسل لها طلب صداقة، رغم معرفتي أن المكياج والفوتوشوب قادران على تحويل أي بنت عادية إلى ملكة جمال.
توقفت عند صورة لامرأة في الأربعينيات. جميلة، لكن جمالها متعب. كاتبة في البايو:
” مُدرّسة، مطلقة، أبحث عن رجل ميسور الحال ليتزوجني ويسترني.”
أعرف أنني موظف بسيط، وراتبي لن يسمح لي يوماً بالتفكير بالزواج. لهذا بالذات تجرأت وأرسلت لها رسالة على الماسنجر:
” مساء الخير.”
قرأت الرسالة، ثم كتبت:
” أهلاً. “
استغربت. ردّت فوراً.
سألتها:
” لماذا اخترتِ صورة مثيرة وأنتِ تبحثين عن السترة؟ “
قالت:
” لأن الفراغ يحتاج أن يُرى ليُمتلأ.”
جملة غريبة.
ضحكت وكتبت:
” ما اسمك؟”
قالت:
” الفراغ.”
قلت:
” أتمزحين معي؟ “
قالت:
” وأنا لا أمزح. انظر إلى صفحتي جيداً.”
عدت إلى صفحتها. لأول مرة انتبهت.
لا أصدقاء.
لا منشورات.
لا تعليقات.
لا صور قديمة.
الحساب أُنشئ اليوم.
الصورة الوحيدة هي صورتها.
والخلفية خلفها ليست بحراً، كما ظننت أول مرة. دققت فيها طويلاً.
كانت بيضاء تماماً.
بياضاً بلا ظل.
نفس بياض الدخان قبل أن يتبدد.
كتبت لها:
” أنتِ من؟ “
قرأت الرسالة.
ثم ظهرت عبارة:
تكتب…
انتظرت.
دقيقة.
دقيقتان.
ثلاث.
ثم وصلت الرسالة.
لم تكن رسالة.
كانت فراغاً.
مساحة بيضاء فارغة تماماً داخل فقاعة الماسنجر، بلا حرف واحد.
حاولت نسخها.
لا شيء يُنسخ.
وفجأة بدأ هاتفي يكتب وحده.
ظهرت على الشاشة الجملة التي كنت قد كتبتها ثم مسحتها:
” أريد أن أراك.”
لم أكتبها هذه المرة.
كتبها هاتفي عني.
ثم ظهرت تحتها مباشرة، وبنفس الخط، جملة بالإنجليزية:
I am not in the picture.
رفعت رأسي إلى التلفاز.
كان أرطغرل لا يزال يحارب، لكن بلا صوت.
الدخان الخارج من الأرجيلة توقف في الهواء.
لم يعد يصعد.
تجمّد في حلقة كبيرة معلقة في منتصف الغرفة.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
نظرت إلى المرآة المقابلة.
لم أر نفسي.
رأيت الكرسي ممتلئاً.
كان هناك شخص يجلس في مكاني، يدخّن أرجيلة التفاح المضروب، ويحدّق في هاتفي.



