الأبطال لا يموتون/أمين الساطي

عندما كنتُ مراهقاً، كانت أفلام السينما هي عالمي الثاني. وكنتُ كلما شاهدتُ فيلماً وأعجبتُ بالممثل، أتقمص شخصيته في اليوم التالي، وأستمر في تقمصها، حتى أشاهد فيلماً أفضل منه، لأعود وأتقمص شخصية البطل الجديد، وأظل أعيشها حتى تتلاشى مع مرور الوقت.
أما من ناحية الممثلات الجميلات اللواتي يلعبن دور البطولة في أحلام يقظتي، فكانت صورة ابنة خالتي سلمى جاهزة حفر وتنزيل لتلعب أمامي هذه الأدوار. وكان همي الأول أن لا يكتشف الأشخاص من حولي حقيقة ما أفكر فيه، لأن بعض هذه الأفكار أشد وحشية وسادية من كل أفكار المجرمين الذين عرفتهم على الشاشة.
عندما كبرت، ازدادت الأمور تعقيداً، فقد أصبحتُ مدمناً على مشاهدة المسلسلات التلفزيونية وتقمص شخصية أبطالها، ولما كانت بعض المسلسلات تزيد عن أربعين حلقة، أصبحتُ أتقمص شخصية البطل لفترة طويلة، حتى صار من الصعب عليّ أن أتخلص منه وأنساه بسهولة، كما كنت أفعل في أيام السينما.
زوجتي ربما كانت هي الوحيدة التي أدركت أنني أعيش في عدة عوالم مختلفة في ذات الوقت. وبما أنني كنت أعمل سائقاً خاصاً عند تاجر ثري عنده بنتان وصبي واحد، فكنت حريصاً على أن لا يظهر تعدد الشخصيات وتضارب المصالح بينها على وجهي، لكي لا أخسر وظيفتي في هذه الأيام الصعبة.
الأفكار الجنونية التي تسيطر علينا الآن، مرت في البداية كومضة عابرة، ربما بتأثير مشهد غرامي على التلفزيون.
هذا ما شعرتُ به بعد أن أنهيتُ الحلقة الخامسة والعشرين من مسلسل “جريمة في شارع أولمو”. إن غالبية الرجال يشعرون بأن زوجاتهم قبيحات، وأن أغلب النساء اللواتي يختلطون بهن أجمل من زوجته، وأنا واحد من هؤلاء الرجال. لم أستطع أن أصرح بهذا، لأني أعيش مع زوجتي في بيت تعود ملكيته لأمها.
في الحلقة الخامسة والعشرين، البطل قرر أن يتخلص من كل الشخصيات التي تقمصها قبله، لأنه اكتشف القاعدة الذهبية: الأبطال لا يموتون، لكن الممثل الذي بداخلهم يجب أن يموت ليبقوا أحياء.
أطفأتُ التلفزيون. البيت هادئ.
وقفتُ أمام المرآة في الحمام. حاولتُ أن أتذكر من أنا قبل كل هؤلاء الأبطال. مراهق يحب السينما؟ سائق عند تاجر ثري؟ زوج يسكن في بيت حماته؟
لم أجد أحداً.
ناديتُ بصوتٍ عالٍ: “ليخرج البطل الحقيقي!”
فخرجوا جميعاً.
خرج رامبو بسكينه، وخرج المحقق من شارع أولمو بمسدسه، وخرج العاشق من الفيلم الإيطالي بوردة، وخرج السفاح من فيلم الرعب بمنشاره. وقفوا جميعاً خلفي في المرآة، يبتسمون.
قال المحقق: “أخيراً فهمت. نحن لا نموت لأننا لسنا أحياء. أنت الحي الوحيد هنا. وإذا متّ أنت، نموت نحن جميعاً”.
قال السفاح: “ولهذا لا يمكننا أن ندعك تموت. ولا أن ندعك تعيش كشخص واحد. نحن كثيرون، وأنت واحد”.
أطفأوا نور الحمام.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد جيراني يرون سائقاً واحداً يخرج من بيت حماته صباحاً. صاروا يرون كل يوم رجلاً مختلفاً يخرج من نفس الباب. مرة يمشي كعسكري، ومرة كعاشق، ومرة كقاتل.
وزوجتي؟ زوجتي اعتادت الأمر. صارت كل صباح تسأل الشخص الذي يخرج من الحمام: “من أنت اليوم؟”
وأنا… أقصد، نحن… لم نعد نجيب. لأن الأبطال لا يموتون، لكنهم أيضاً لا يتذكرون أسماءهم الحقيقية.



