طبائع الأمم وسجاياها/ساطع الحصري

١
كل من يشاهد أفرادًا من أمم مختلفة، ويلاحظ أفعالهم وحركاتهم ولو بصورة سطحية؛ يضطر إلى القول إن الأمم يختلف بعضها عن بعض ببعض الطبائع والسجايا، وإذا كان ممن يتشوَّقون إلى معرفة العلل والأسباب، يرى من الضروري أن يتساءل: لماذا تختلف الأمم بعضها عن بعض على هذه الصورة؟ كيف تتكوَّن طبائع الأمم وسجاياها؟ ما هي أنواع العوامل التي تؤثر في تكوين طبائع الأمم والسجايا؟ وما هو أهم هذه العوامل؟
إن أمثال هذه الأسئلة قامت في أذهان الكثيرين من المفكرين منذ أقدم أزمنة التفكير، وحملتهم على القول بآراء متنوعة، ومذاهب مختلفة في هذا الصدد.
- (١) إن أقدم هذه الآراء والمذاهب يستند إلى فكرة «الخلقة والفطرة»؛ إن طبائع الأمم وسجاياها من الأمور الفطرية التي تحدث بطبيعتها، فكل أمة مجبولة على بعض الطبائع الخاصة بها، ومفطورة على بعض السجايا المميِّزة لها، فاختلاف الأمم في الطبائع والسجايا، إنما هو نتيجة طبيعية لاختلافها في الخلقة والفطرة.هذه النظرية الابتدائية عندما توسَّعت بعض التوسُّع، واصطبغت بصبغة علمية — نوعًا ما — ولدت نظرية «العروق (الرسوس) البشرية» Races، و«الفروق العرقية (الرسية)» Racial.وهذه النظرية تتلخَّص بما يلي؛ ينقسم النوع البشري إلى عروق (رسوس) مختلفة، يمتاز كل عرق (رس) منها ببعض الخصائص الثابتة، وهذه الخصائص تنتقل من الآباء إلى الأولاد عن طريق الوراثة بواسطة الدم؛ ولهذا السبب نجد أن تلك الخصائص تشمل الأمة بأسرها، وتتجلَّى في جميع أفرادها.
- (٢) غير أن تواريخ الأمم وعنعناتها تدل على أن بعض الأمم تنحدر من أصل واحد، ومع هذا نجد أن هذه الأمم أيضًا يختلف بعضها عن بعض ببعض الخصائص والفروق، على الرغم من أنها تنحدر من أصل واحد.ومن البديهي أن الوراثة العرقية وحدها لا تكفي لتفسير وتعليل مثل هذه الفروق بين الأمم، فيجب أن يكون هناك عامل آخر، أو عوامل أخرى عديدة غير عامل الفطرة والتكوين العرقي.والعامل الذي استَلْفَتَ أنظار المفكرين — بعد فكرة الفطرة والخلقة — هو الطبيعة التي تحيط بالإنسان، وبتعبير آخر: البيئة الطبيعية التي تعيش فيها الأمة.إن تأثير الحرارة والبرودة في بعض الجمادات والنباتات والحيوانات من الأمور التي تظهر للعيان، من غير أن تحتاج إلى بحث عميق وتفكير طويل؛ فكان من الطبيعي أن يُقْدِمَ المفكرون على تعميم هذا التأثير على حياة الإنسان، وأن يحاولوا تفسير اختلاف طبائع الأمم بتأثير الإقليم بوجه عام، كما كان من الطبيعي أن يتوسَّع طائفة منهم في هذا المضمار، وأن يبحثوا عن تأثير سائر عناصر الطبيعة — من الأنهر والجبال والبحار والنباتات والحيوانات والمعادن — في حياة الأمم وطبائعها.
- (٣) إلا أن التاريخ يشهد على أن الأمة الواحدة كثيرًا ما تنتقل من حال إلى حال خلال الأدوار والأطوار التي تتوالى عليها، فقد تكتسب بعض السجايا الجديدة، حتى حينما لا يتغيَّر شيء من بيئتها الطبيعية، وهذا يدل دلالةً قاطعةً على أن هناك عوامل أخرى — غير عاملَي العرق والطبيعة اللذين ذكرناهما — تؤثِّر بدورها في طبائع الأمم وسجاياها.هذه العوامل التي استلفتت أنظار المفكرين — بعد العاملين السالفين الذكر — هي الأحوال الاجتماعية، والوقائع التاريخية.
- (٤) يظهر من هذه الملاحظات السريعة أن العوامل التي تؤثر في طبائع الأمم وسجاياها، يمكن أن تُرَدَّ إلى ثلاثة أنواع أساسية؛ العوامل العرقية، العوامل الطبيعية، العوامل الاجتماعية.فما هو أهم هذه العوامل الأساسية؟لقد اختلف الباحثون والمفكرون في هذا الصدد اختلافًا كبيرًا، فقد زعم بعضهم أن العوامل العرقية هي التي تلعب أهم الأدوار وتؤثر أشد التأثيرات، كما قال بعضهم إن البيئة الطبيعية هي التي تسيطر على العوامل الأخرى بأجمعها، وادَّعى بعضهم أن العوامل الاجتماعية تكون أشد خطورةً وأقوى تأثيرًا من جميعها.نحن لا نرى مجالًا لتفصيل هذه المذاهب ومناقشتها في هذا المقام، ومع هذا نرى من الضروري أن نقول إن الأبحاث العلمية التي تمَّت منذ قرن وجَّهت الأذهان — على الأخص — نحو المذهب الأخير، وأيَّدته إلى حد كبير؛ فإن نزعة الاهتمام بالأحوال والعوامل الاجتماعية، والتوسُّع والتعمُّق في درسها هي التي أكسبتنا أثبت النتائج وأثمن الثمرات في هذا المضمار.لقد ظهر من الأبحاث العلمية بكل جلاء أن الصفات الوراثية العرقية في الأقوام، أقل مما يظهر في الوهلة الأولى، وهي أضيق نطاقًا مما كان يُظن قبلًا.إن الأذهان تميل عادةً إلى الظن، بل إلى الجزم بأن جميع الصفات التي تظهر مشتركةً بين الآباء والأولاد تكون وراثية، كما أن جميع الخصال المشتركة بين الأفراد تكون عرقية.غير أن ذلك وإن كان صحيحًا بالنسبة إلى الحيوانات التي تعيش عيشةً انفرادية، فإنه غير صحيح البتَّة بالنسبة إلى الإنسان الذي يحيا حياةً اجتماعية؛ لأن حياة الانفراد في الحيوانات لا تفسح مجالًا لانتقال الأوصاف من الآباء إلى الأبناء عن طريق غير طريق الوراثة، وبواسطة غير واسطة الدم، فإذا شاهدنا أوصافًا مشتركةً بين أفراد جنس من أجناس الحيوانات؛ حُقَّ لنا أن نعتبر تلك الأوصاف وراثية، وساغ لنا أن ننعتها بنعت «العرقية».ولكن أحوال الإنسان تختلف عن كل ذلك اختلافًا جوهريًّا؛ لأن حياة الاجتماع عند الإنسان تفسح مجالًا واسعًا جدًّا لانتقال الأوصاف من الآباء إلى الأبناء من غير وساطة الدم أيضًا؛ فإن الأولاد ينشئون نشأةً اجتماعيةً منذ ولادتهم، فيكتسبون من آبائهم كثيرًا من الخصال والصفات عن طريق المعاشرة، والمحاكاة، والتعلُّم، والاقتباس. ولهذا السبب نجد أن الأوصاف تنتقل عند الإنسان من الآباء إلى الأبناء، من غير وساطة الوراثة الفسلجية أيضًا.ولذلك نخطئ خطأً فظيعًا إذا قِسْنَا الإنسان بالحيوان في هذا المضمار، نخطئ خطأً عظيمًا إذا زعمنا أن جميع الأوصاف المشتركة بين الآباء والأبناء تأتيهم عن طريق الوراثة، وراثة فسلجية، كما نخطئ خطأً فظيعًا إذا ذهبنا إلى أن جميع الأوصاف المشتركة بين أفراد الأمة تكون عرقية.فيجب علينا أن نميِّز بين الأوصاف التي تنتقل من جيل إلى جيل عن طريق الوراثة والدم، من التي تنتقل عن طريق المعاشرة والاقتباس، يجوز لنا أن نسمي هذا النوع من الانتقال أيضًا باسم «الوراثة»، غير أنه يتحتم علينا في هذه الحالة أن نفرِّق بين هذا النوع من الوراثة، وبين النوع الأول منها، كما يترتب علينا أن نسمي الوراثة التي تتأتَّى من الدم والولادة باسم «الوراثة الفسلجية»، والتي تتأتَّى من الحياة الاجتماعية باسم «الوراثة الاجتماعية».ولا نرانا في حاجة إلى التدليل على أن الأوصاف التي تنتقل من جيل إلى جيل بواسطة الدم وبصورة فسلجية، أقل بكثير من التي تنتقل عن طريق الحياة الاجتماعية. ويجب علينا أن نعلم علم اليقين أن شروط الوراثة الفسلجية أشد وأعضل بكثير من شروط الوراثة الاجتماعية، فإن المكتسبات الفردية لا تنتقل انتقالًا فسلجيًّا فتصبح وراثية ما لم تتهيَّأ لها ظروف خاصة، وتتوفَّر فيها شروط معقدة، في حين أن انتقال المكتسبات الفردية عن طريق الأفاعيل والمؤثرات الاجتماعية يتم بمنتهى السهولة.ولهذا السبب نجد أن آثار النوع الأول من الوراثة لا تتجلَّى إلا في نطاق ضيق وساحة محدودة، في حين أن أفاعيل النوع الثاني من الوراثة تتجلَّى على مقياس واسع جدًّا في ساحة تكاد تكون غير محدودة.هذا ونستطيع أن نقول إن السبب الأساسي في تقدُّم النوع البشري بسرعة خارقة — بالنسبة إلى سرعة تحوُّل الحيوانات — ليس إلا ما ذكرناه آنفًا: سهولة انتقال المكتسبات الفردية من جيل إلى جيل، بفضل الحياة الاجتماعية البشرية وأفاعيلها، بجانب صعوبة انتقال تلك المكتسبات عن طريق الوراثة الفسلجية وحدها.إن عدم التمييز بين هذين النوعين من الانتقال — وبتعبير آخر: بين هذين النوعين من الوراثة — ولد أخطاءً كبيرةً في تقدير منشأ الطبائع، وحمل الناس — كما حمل عددًا غير قليل من العلماء — على توهُّم «عمل الوراثة» في الكثير من الأمور التي لا تمتُّ إليها بأدنى صلة.إن الأبحاث التي قام بها علماء الاجتماع لم تترك مجالًا للشك في هذه القضية بوجه من الوجوه.
- (٥) وأمَّا قضية تأثير العوامل الطبيعية في الطبائع فهي أيضًا تحتاج إلى إنعام النظر؛ إن على كل باحث أن يسلم مبدئيًّا بتأثير الطبيعة في الإنسان، لكن عليه أيضًا أن يلاحظ في الوقت نفسه أن علاقة الإنسان بالطبيعة لم تكن علاقة «المنفعل المتأثر» فحسب، بل هي علاقة «الفاعل المؤثر» أيضًا، فالإنسان ينفعل ويتأثر من الطبيعة من جهة، ويفعل ويؤثر فيها من جهة أخرى. إنه يحاول التخلُّص من سيطرة الطبيعة بصور شتى، وإذا لم يتمكَّن من التخلُّص منها بصورة نهائية فهو يتوصل — على كل حال — إلى تخفيف تأثيراتها فيه إلى حد كبير، كما أنه يحاول أن يسيطر عليها — إلى درجة ما — ويسعى إلى استخدام بعض قواها في صور شتى.إن آثار ونتائج الحياة الاجتماعية التي يحياها الإنسان منذ أجيال وأجيال، قد تلاحقت وتراكمت وتبلورت على شكل بعض الأمور المعنوية من جهة، وعلى شكل بعض الأشياء المادية من جهة أخرى. إن هذه الأمور المعنوية — كالتقاليد، والمعتقدات، والعلوم، والأذواق، والصناعات، والنظم الاجتماعية، على اختلاف أنواعها — وهذه الأشياء المادية — كالآلات، والماكينات، والبيوت، والمدن، والطرق، والمرافئ، والحقول، والكتب، والتماثيل، إلى آخر ما هنالك من معالم الحضارة ووسائلها — كلها تتضافر لتكوين «بيئة اجتماعية» خاصة، تعمل عمل «العازل» نوعًا ما بين الإنسان وبين الطبيعة؛ ولهذا السبب نجد أن عناصر البيئة الطبيعية لا تؤثر في أمور الإنسان إلا من خلال هذه البيئة الاجتماعية.فنستطيع أن نقول لذلك إن تأثير الطبيعة في الإنسان مما يتبع الأحوال الاجتماعية، ويقول بتحوُّلها.ولهذا السبب يترتب علينا أن نضع الأحوال الاجتماعية نُصْبَ أعيننا، حتى عندما نحاول استكناه تأثيرات الطبيعة المحيطة بنا.
- (٦) وإذا أردنا أن نُجْمِلَ البحث في هذا الصدد، استطعنا أن نقول إن تأثير البيئة الطبيعية لا يخرج عن نطاق «تعُّين بعض الاتجاهات، وتحديد بعض الإمكانيات»، غير أن السير في تلك الاتجاهات، والاستفادة من تلك الإمكانيات مما لا يتم إلا تبعًا للأحوال والعوامل الاجتماعية، والوقائع والدوافع التاريخية.ولهذه الملاحظات الهامة زاد اهتمام علماء الاجتماع بالبحث في العوامل الاجتماعية عن طريق درس «البيئة الاجتماعية» من جهة، وتتبُّع «تواريخ المؤسسات الاجتماعية» من جهة أخرى.بعد هذا الاستعراض السريع للمذاهب المختلفة التي قامت حول مسألة طبائع الأمم، نستطيع أن ننتقل إلى مقدمة ابن خلدون، فنتساءل: ماذا كان موقف ابن خلدون في هذه المسألة الأساسية؟ ماذا كان الاتجاه الذي اتجهه لتعليل اختلاف الأمم في الطبائع والسجايا؟ وإلى أي حد تعمَّق في درس هذه المسألة، وفي تحليل العوامل المؤثرة فيها؟لم يعالج ابن خلدون مسألة طبائع الأمم في فصل خاص، ومع هذا فقد تطرَّق إليها، وتأمَّل فيها، وكتب عنها في مواضع كثيرة من فصول عديدة وبوسائل شتى.إننا نجد في فصول المقدمة عدة «آراء صريحة» حول هذه القضية، وإذا جمعنا هذه الآراء؛ وجدنا أن ابن خلدون كان ذا مذهب واضح تام في هذا الصدد.
٢
يعزو ابن خلدون إلى الأقاليم والطبيعة بعض التأثير في أخلاق البشر وأحوالهم، ويدوِّن آراءه في هذا الصدد في المقدمات الثالثة والرابعة والخامسة من الباب الأول.
- (١) إنه يشرح أولًا تأثير الهواء في ألوان البشر والكثير من أحوالهم.من المعلوم أن الجغرافيين القدماء كانوا يقسِّمون الأرض إلى سبعة أقاليم، كما يقسمون كل إقليم إلى عشرة أجزاء، حسب درجة العرض الجغرافي. إن ابن خلدون ينقل عنهم هذه التقسيمات، ثم يتحرَّى كيفية توزُّع العمران البشري في هذه الأقاليم.تتميَّز الأقاليم بعضها عن بعض بدرجة الحرارة والبرودة، فهذه الدرجة تكون في غاية التوسُّط والاعتدال في الإقليم الرابع الذي يقع في وسط الأقاليم السبعة تمامًا، وتكون أقرب إلى الاعتدال في الإقليمين الثالث والخامس، اللذين يجاوران هذا الإقليم المتوسط، غير أنها تكون بعيدةً عن الاعتدال في الإقليمين الثاني والسادس، وأبعد من ذلك بكثير في الإقليمين الأول والسابع.ولهذا يعتبر ابن خلدون الأقاليم الثلاثة المتوسطة «معتدلة»، وينعت الأقاليم الباقية ﺑ «المنحرفة»؛ لإفراط الحرارة في الإقليمين الأول والثاني، وإفراط البرودة في السادس والسابع.إن اعتدال الحرارة والبرودة يساعد على وفرة العمران، وأمَّا إفراط الحرارة فيتساوى مع إفراط البرودة في عدم المساعدة على ذلك؛ ولهذا فإن الأقاليم المتوسطة المعتدلة تختص بكثرة المدن والأمصار، وتمتاز بكثرة الأمم «المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك» (ص٨٥).إن ابن خلدون يعبِّر عن رأيه هذا بعبارات صريحة، في عدة مواضع من المقدمة:«أهل الأقاليم المتوسطة يمتازون بالاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم، وكافة الأحوال الطبيعية للاعتمار لديهم، من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات والملك، فكانت فيهم النبوءات والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة» (ص٨٥).وكذلك هم «أعدل أجسامًا وألوانًا وأخلاقًا وأديانًا، حتى النبوءات إنما توجد في الأكثر فيها.»«إن أهل هذه الأقاليم أكمل لوجود الاعتدال فيهم، فنجدهم على غاية من التوسُّط في مساكنهم وأقواتهم وصنائعهم، يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة بالصناعة، ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين، ويذهبون في ذلك إلى الغاية» (ص٨٢).وأمَّا الأقاليم المنحرفة فهي قليلة العمران بوجه عام إن أممها «ليست لهم الكثرة البالغة ومدنها كذلك» (ص٤٩).أهل هذه الأقاليم متأخرون «في جميع أحوالهم؛ فبناؤهم بالطين والقصب، وأقواتهم من الذرة والعشب، وملابسهم من أوراق الشجر، أو الجلود، وأكثرهم عرايا من اللباس، وأخلاقهم قريبة من خلق الحيوانات العجم» (ص٨٣).ولا سيما الإقليم الأول؛ ففيه أقوام «يسكنون الكهوف والغياض»، ويأكلون «العشب والحبوب غير مهيأة، وربما يأكل بعضهم بعضًا»، «يقرب أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم»، وهم «أقرب إلى الحيوان الأعجم من الناطق، وليسوا في عداد البشر» (ص٥٤ و٨٣).إن أحوال أهل الأقاليم المنحرفة في الديانة أيضًا على غرار ذلك؛ فإنهم «لا يعرفون نبوءةً ولا يدينون بشريعة، إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال وهو في الأقل النادر.»يذكر ابن خلدون أسماء هؤلاء الأقوام النادرة، ثم يقول: «من سوى هؤلاء من أهل تلك الأقاليم المنحرفة جنوبًا وشمالًا، فالدين مجهول عندهم، والعلم مفقود بينهم، وجميع أحوالهم بعيدة عن أحوال الأناسي، قريبة من أحوال البهائم» (ص٨٣).ومما يجب ملاحظته في هذا الصدد أن ابن خلدون لا يغفل عن وقوع جزيرة العرب في الأقاليم المنحرفة، ويقدِّر الاعتراض الذي قد يخطر على البال من جراء ذلك؛ فيتدارك الأمر قائلًا:«ولا يُعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والأحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما يليها في جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني؛ فإن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث — كما ذكرنا — فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها؛ فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر، وصار فيها بعض الاعتدال؛ بسبب رطوبة البحر» (ص٨٣).
- (٢) حينما ذكر ابن خلدون اعتدال أهل الأقاليم المتوسطة، كتب فيما كتبه من الفقرات التي نقلناها آنفًا: «إنهم أعدل ألوانًا وأخلاقًا»، وبهذه الصورة أشار إلى تأثير الإقليم والهواء في اللون والأخلاق أيضًا. غير أنه لم يكتفِ بهذه الإشارة إلى هذين النوعين من التأثير، بل إنه عاد إلى كلِّ واحد منهما، وتناولهما بالشرح والتفصيل:فقد صرَّح أولًا: «أن اللون تابع لمزاج الهواء»، وأن «شدة الحرارة تسوِّد جلود الناس»، في حين أن إفراط البرودة يؤدي إلى «بياض اللون»، وأن هذا البياض قد يصل إلى درجة «الزعورة»، كما أنه «يتبع ذلك زرقة العيون، وبرش الجلود، وصهوبة الشعور» (ص٨٤)؛ ولهذا السبب إذا سكن جماعة من السودان في الأقاليم المعتدلة أو الباردة «تبيض ألوان أعقابهم بالتدريج»، وبعكس ذلك إذا سكن جماعة من أهل الشمال بالجنوب «تسود ألوان أعقابهم». ويستشهد ابن خلدون على ذلك برأي ابن سينا، ويذكر بيتين من أرجوزته في الطب، كما أنه ينتقد بشدة مزاعم بعض النسابة الذين يتوهَّمون أن «السودان هم ولد حام بن نوح، اختصوا بلون السواد؛ لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه، وفيما جعل الله من الرق في عقبه». إنه يعتبر ما ينقلونه في هذا الصدد من «خرافات القصاص»، ويتهم هؤلاء بعدم «العلم بطبائع الكائنات» (ص٨٣)، ويقول إن هذا الزعم «من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات»، وإن هذه كلها تتبدَّل في الأعقاب (ص٨٥).
- (٣) وأمَّا مسألة تأثير الطبيعة في الأخلاق فيتوسع فيها ابن خلدون بعض التوسُّع في فصل خاص — أي في المقدمة الرابعة من الباب الأول — تحت عنوان «أثر الهواء في أخلاق البشر».إنه يلاحظ أن السودان متصفون «على العموم بالخفة والطيش وكثرة الطرب»، وأنهم مولعون «بالرقص على كل توقيع في كل قطر»، ويعلل ذلك بتأثير شدة الحرارة، ويوضح هذا التعليل كما يلي:من الأمور المقررة في الحكمة «أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه»، وطبيعة الحزن بالعكس، هي «انقباضه وتكاثفه». ومن الأمور المقررة أيضًا «أن الحرارة مفشية للهواء والبخار ومخلخلة له، زائدة في كميته»؛ ولهذا السبب نجد أن الحرارة تؤدي إلى «تفشي الروح الحيوانية»، وتولِّد في النفس من جراء ذلك «الفرح والسرور» (ص٨٦).ويدعم ابن خلدون هذا الرأي بذكر مشاهدتين من المشاهدات المألوفة؛ الأولى ما يحدث من الفرح والسرور في سَورة الخمر، والثانية ما يحدث من السرور والانبساط في الحمامات.لأن سَورة الخمر «تبعث حرارةً غريزيةً في القلب؛ فيتفشى الروح»، وينتج من ذلك «من الفرح والسرور ما لا يُعبَّر عنه»، كما أن المتنعمين بالحمامات يتأثرون من حرارة الهواء، فيشعرون بفرح، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور.ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار؛ «استولى الحر على أمزجتهم» فصارت أرواحهم «أشد حَرًّا من أرواح أهل الإقليم الرابع وأكثر تفشيًا»، ومن ثَمَّ كان السودان «أكثر فرحًا وسرورًا وأكثر انبساطًا»، وأمَّا الطيش «فقد جاءهم على أثر ذلك» (ص٨٦).يرى ابن خلدون وجهًا للمشابهة بين السودان وأهل البلاد البحرية بهذا الاعتبار، فيقول:«ويلحق بهم قليلًا أهل البلاد البحرية؛ لما كان هواؤها متضاعف الحرارة، بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته، كانت حصتهم من توابع الحرارة والفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة» (ص٨٦).وفي الأخير يشبِّه مصر نوعًا ما بالبلاد الجزيرية، ويقول:«اعتبر ذلك أيضًا بأهل مصر؛ فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريبًا منها، كيف غلب الفرح عليهم، والخفة والغفلة عن العواقب، حتى إنهم لا يدَّخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم، وعامة مأكلهم من أسواقهم. ولما كانت فاس بلاد المغرب بالعكس منها في التوغُّل التلول الباردة، كيف نرى أهلها مطرقين إطراق الحزن؟ وكيف أفرطوا في نظر العواقب؟ حتى إن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة، ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه؛ مخافة أن يرزأ شيئًا من مدخره» (ص٨٦-٨٧).ويختم ابن خلدون بحثه هذا بقوله: «تتبَّع ذلك في الأقاليم والبلدان؛ تجد في الأخلاق أثرًا من كيفيات الهواء» (ص٨٧).
- (٤) يفرد ابن خلدون فصلًا من الباب الأول لشرح نوع آخر من التأثير، هو تأثير الطبيعة في الإنسان، عن طريق المواد الغذائية التي توفرها له.من المعلوم أن الأقطار لا تتساوى في الخصب، والأقوام لا تتمتع بدرجة واحدة من رغد العيش؛ لأن هناك أقطارًا وأقاليم توفِّر لأهلها «خصب العيش، من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه؛ لزكاء المنابت، واعتدال الطينة، ووفور العمران»، وهنالك أقطار لا توفر ذلك لأهلها، فسكان تلك الأقطار يكونون في حالة «شظف من العيش»، إنهم «يفقدون الحبوب والأدم جملة»، ويقتاتون في الغالب «بالألبان واللحوم» (ص٨٧).يرى ابن خلدون أن خصائص الأقوام تختلف باختلاف «خصب الأراضي التي يعيشون عليها، ونوع الأغذية التي يتغذون بها»؛ فإن أهل القفار «الفاقدين للحبوب والأدم» يكونون بوجه عام «أحسن حالًا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش»، فتجد «ألوانهم أصفى، وأبدانهم أنقى، وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد من الانحراف، وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات» (ص٨٨).والسبب في ذلك «أن كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولِّد في الجسم فضلات رديئةً تنشأ عنها بُعْد أقطارها في غير نسبة»، ويتبع ذلك «انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة اللحم»، «وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الردية»، وينتج من ذلك «البَلَادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة» (٨٨).ولزيادة الإقناع يقارن ابن خلدون حيوانات القفار بحيوانات التلول، فيقول:«واعتبر ذلك في حيوان القفار ومواطن الجدب، من الغزال والنعام والمها والزرافة والحمر الوحشية والبقر، مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف والمراعي الخصبة، كيف تجد بينها بونًا بعيدًا في صفاء أديمها وحسن رونقها، وأشكالها، وتناسب أعضائها، وحدة مداركها؛ وما ذلك إلا لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره. والجوع لحيوان القفر حسَّن في خلقها وأشكالها ما شاء» (ص٨٨).ولهذه الأسباب يرى ابن خلدون أن كثرة الأغذية تؤثر تأثيرًا سيئًا في الأجسام والأخلاق.ومع هذا فهو لا يغفل عن حقيقة تَظْهَر مخالِفَةً لهذا الرأي في الوهلة الأولى: «إن جسوم أهل الأمصار ألطف من جسوم أهل البوادي»، وكذلك أذهانهم أثقب من أذهان هؤلاء، مع أنهم أرغد عيشًا منهم بوجه عام.ولكن ابن خلدون يحاول تعليل ذلك من غير أن يغيِّر رأيه الأصلي في الأمر:«إن أهل الأمصار وإن كانوا مكثرين من الأدم، ومخصبين في العيش، إلا أن استعمالهم إياها بعد العلاج بالطبخ والتلطيف — بما يخلطون معها — فيذهب لذلك غلظتها ويرق قوامها؛ فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم، ويخف ما تؤديه إلى أجسامهم من الفضلات الردية» (ص٨٨).ولهذا السبب تبقى جسومهم بعيدةً عن الغلظة، بالرغم من كثرة الأغذية التي يتناولونها.وفي الأخير يضيف ابن خلدون إلى التأثيرات الآنفة الذكر تأثيرًا آخر هو الذي يظهر في حال الدين والعبادة، حيث يقول:«إن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال العبادة، فتجد المتقشفين من أهل البادية والحاضرة، ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن الملاذ، أحسن دينًا وإقبالًا على العبادة من أهل الترف والخصب، بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والأمصار؛ لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالإكثار من اللحمان والأدم ولباب البر، ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي» (ص٨٩).
٣
أمَّا رأي ابن خلدون في مسألة الأوصاف الفطرية والعرقية (الرسية)، فمما يتطلب البحث والنظر بكل تأمل وإمعان.
- (١)لقد زعم بعض الباحثين أن ابن خلدون يعزو أهميةً كبرى إلى تأثير الدم والجنس في حياة الأمم، وبنوا زعمهم هذا على نظرية العصبية التي وضعها، وقالوا يذهب ابن خلدون إلى أن العصبية هي العامل الأساسي في الحياة السياسية، ومن المعلوم أن العصبية إنما هي نتيجة طبيعية لرابطة الدم والنسب، فيظهر من ذلك أنه يعزو دورًا هامًّا إلى هذه الرابطة، شأن القائلين بنظرية الأجناس، وبأهمية الأوصاف العرقية (الرسية).غير أني أعتقد أن هذا الزعم لا ينطبق على الواقع انطباقًا كافيًا، بل يخالف روح آراء ابن خلدون مخالفةً كلية، إنه يعزو — في الواقع — إلى العصبية أهميةً كبرى، ويعتبرها نتيجة القرابة والنسب في الدرجة الأولى، ولكنه لا يذهب إلى أنها مربوطة بوحدة الدم ارتباطًا لا محيد عنه أبدًا.
- فأولًا: إنه يصرح بأن «النسب وهمي (يريد معنويًّا وذهنيًّا) وإن كان طبيعيًّا» (ص١٨٤)، كما يقول «إن النسب أمر وهمي لا حقيقة له» (ص١٢٩)، ويصرح أيضًا: «إذا كان النسب يستفاد من الخبر البعيد؛ ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته» (ص١٢٩)، كما يقول: «إن النسب إذا خرج عن الوضوح، وصار من قبيل العلوم؛ ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس، وانتفت النعرة التي تحمل عليها العصبية»١ (ص١٢٩).يظهر من ذلك بكل وضوح أن ابن خلدون لم يقل بأن وجود القرابة يكفي لتوليد العصبية.
- ثانيًا: عندما يشير ابن خلدون إلى منشأ العصبية، يقول إنها تكون «من الالتحام بالنسب أو ما في معناه»، ثم يصرح بأن الولاء يعمل عمل النسب؛ «لأن اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبة منها» (ص١٢٩).
- (٢)إن هذه النتيجة التي وصلنا إليها، من إنعام النظر في كنه نظرية العصبية، تتأيَّد وتتأكَّد لدينا كلما توغلنا في درس آراء ابن خلدون الأساسية في الحياة الاجتماعية.فإننا نجده دائمًا يعزو أهميةً كبيرةً إلى أفاعيل المعاشرة والممارسة والألفة والاعتياد، ويبرز الأخلاق والنزعات التي تنجم عن ذلك بكل توسُّع واهتمام.إن الآراء المندمجة في العبارات التالية أوضح دليل على ذلك وأقوى برهان:«الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه» (ص١٢٥).«إن تكوُّن السجايا والطبائع إنما هو من المألوفات والعوائد» (ص١٣٨).«إن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها، فهو ابن عوائده، لا ابن نسبه» (ص٣٧٤).



