ابن خلدون وفيكو✍ساطع الحصري

(١) حياة فيكو وآراؤه
١
وُلِد جواني باتيستا فيكو Giovanni Battista Vico في نابولي سنة ١٦٦٧، وتُوفِّي في المدينة نفسها سنة ١٧٤٤.
كان والده كتبيًّا فقيرًا، ومع هذا فقد بذل كل ما في استطاعته ليضمن لابنه «دراسةً كاملة»، بالنسبة إلى ما كان معروفًا في زمانه.
فقد درس فيكو — وفقًا للتقاليد المتحكمة عندئذ — اللغات القديمة، والفلسفة الدرسانية Scholastique، وعلم اللاهوت، وعلم الحقوق، وشُغِف بالحقوق شغفًا شديدًا، ولكنه لم يمتهن القضاء أو المحاماة، بل أخذ يتوسَّع ويتعمَّق في دراسة أُسس الحقوق الطبيعية، وتاريخ الحقوق الرومانية بوجه خاص.
ثم ذهب إلى مدينة «واتوللا» بناءً على دعوة أسقف «إيسكيا» لتعليم الحقوق لأحد أقاربه النبلاء، وقضى فيكو هنالك تسع سنوات، وجد خلالها متسعًا من الوقت لدرس الكتب القديمة المحفوظة في مكتبة الدير دراسةً متقنة.
وعندما عاد إلى نابولي بعد ذلك، وجد أن التدريسات في جامعاتها كانت قد اتجهت اتجاهًا جديدًا تمامًا، كانت فلسفة «ديكارت» الحديثة قد سيطرت على الجامعة، وأبعدتها عن الفلسفات القديمة، ولا سيما عن الفلسفة الأفلاطونية.
لم يَرْتَحْ فيكو إلى هذا التيار الفكري الجديد، لا سيما بعد أن لاحظ أن التيار المذكور لم يكتفِ بإهمال الفلسفة القديمة، بل أخذ يهمل التاريخ والشعر والبلاغة أيضًا.
إنه لم يقل بلزوم البقاء تحت سلطة الفلاسفة القدماء، ولكنه لم يسلِّم بجواز الاسترسال في التفكير الذاتي، والاستسلام إليه استسلامًا كليًّا؛ ولذلك دعا إلى اتباع خطة متوسطة بين التيار القديم وبين التيار الحديث؛ لقد قال بوجوب اتباع المحاكمات الذاتية، مع احترام سلطة أساطين الفكر والعلم القدماء، واتبع بنفسه هذه الخطة في دروسه وتأليفاته المتنوعة.
صار فيكو أستاذًا للبلاغة في جامعة نابولي، وتطرَّق في دروسه إلى مسائل متنوعة، يحوم معظمها حول الحقوق الطبيعية، وتاريخ الحقوق الرومانية، واشتقاق الكلمات اللاتينية. نشر طائفةً من الخطب والرسائل في هذه المسائل، وأظهر في جميعها نزعةً مستمرةً نحو ربط الأبحاث اللغوية بالمسائل الحقوقية والتاريخية، وفي الأخير جمع ونظَّم معظم الآراء التي سردها في هذا المضمار في سِفْرٍ واحد أسماه «العلم الجديد» Scienza Nuava.
إن شهرة فيكو العلمية قامت على هذا الكتاب، فإن الآراء المدوَّنة فيه هي التي حملت الكثيرين من المؤرخين والمفكرين على تلقيبه بلقب «مؤسس فلسفة التاريخ» أولًا، وبلقب «مؤسس علم الاجتماع» ثانيًا.
نُشِرت الطبعة الأولى من العلم الجديد سنة ١٧٢٥، ولكن نسخ هذه الطبعة نفدت خلال ثلاث سنوات، فأُعيد طبع الكتاب مرتين خلال حياة المؤلف، وذلك في سنة ١٧٣٠، وسنة ١٧٤٤.
خلال هذه الطبعات الجديدة أعاد فيكو النظر فيه، وأدخل عليه تنقيحات وتعديلات كثيرة، غير أن هذه التعديلات لم تبدِّل شيئًا من الآراء الأساسية المدوَّنة فيه، مع أنها غيَّرت ترتيب مباحثه تغييرًا جوهريًّا، بل صاغته صياغةً جديدة، من وجهة كيفية عرض الآراء وكيفية تبويبها.
لقد تُرجمت الطبعة الثالثة من العلم الجديد إلى الفرنسية، بقلم المؤرخ الشهير «جول ميشله» بعنوان «أصول فلسفة التاريخ».
بين يدي الآن نسخة من هذه الترجمة المطبوعة في باريس سنة ١٨٢٧، وأنا سأستند إلى هذه النسخة في تلخيص وعرض آراء ونظريات فيكو في فلسفة التاريخ.
٢
يتألَّف العلم الجديد من خمسة كتب؛ الأول في الأسس والمبادئ، والثاني في الحكمة الشعرية، والثالث في اكتشاف حقيقة هوميروس، والرابع في المجرى الذي يسير فيه تاريخ الأمم، والخامس في عودة الانقلابات وتكرُّرها عند انبعاث الأمم بعد انقراضها.
- (١) يبدأ فيكو فصول الكتاب الأول ﺑ «لوحة قرونولوجية»، يستعرض فيها أهم وقائع التاريخ، من خلقة العالم، إلى الحرب البونية الثانية.يعتمد المؤلف في هذا الباب على روايات التوراة وتفاسيرها، فيؤرخ الوقائع بتاريخ الخليقة، فيذكر مثلًا أن الطوفان قد حدث سنة ١٦٥٦ بعد الخليقة، وأن حروب طروادة نشبت سنة ٢٧٢٠ من التاريخ المذكور، كما أن مدينة روما أُسِّست سنة ٣٢٥٢ بعد الخليقة، وأمَّا الحرب البونية الثانية — التي تنتهي بها اللوحة القرونولوجية المذكورة — فقد حدثت سنة ٣٧٤٩ من تاريخ خلقة العالم، وسنة ٥٥٢ من تاريخ تأسيس روما.
- (٢) يدَّعي فيكو في هذا الفصل وفي الفصول الأخرى من الكتاب، أن أقدم الأمم هم العبران، ولا يسلم بالقدم الذي «يعزوه المؤرخون» إلى المصريين والآشوريين والصينيين. ويقول: إن مزاعم المؤرخين في هذا الصدد لا تستند إلى أساس قويم، في الواقع إن المصريين يذكرون في تواريخهم من الوقائع ما يعود إلى زمن أقدم من الأزمنة المذكورة آنفًا، غير أن ذلك ليس إلا من نوع الأحاديث الخرافية التي لا يجوز الركون إليها بوجه من الوجوه؛ «إذ لا يوجد في دين المصريين وحضارتهم ما يدل على مثل هذا القدم المزعوم. يعلمنا القديس كليمانت الإسكندري بأن كتبهم المقدسة كانت مملوءةً بأفظع الأغلاط في الفلسفة والفلك، كما أن طِبهم كان نسيجًا من التوافه والتضليلات، وأمَّا أخلاقهم فكانت متفسخةً جدًّا؛ لأنها كانت تسمح بالفحش، حتى إنها كانت تحترمه وتقدسه أيضًا في بعض الأحيان، كما أن لاهوتهم كان من نوع الخرافات والسحريات، حتى إن صناعتَي السكب والنحت أيضًا كانتا عندهم في حالة الطفولة تمامًا. ولا عبرة في هذا الباب بعظمة الأهرام؛ لأن العظمة ليست من الأمور التي لا تأتلف مع البربرية.»ولذلك كله يؤكد فيكو بأن العبران أقدم من المصريين والصينيين وسائر الأمم جميعًا.هذه قضية ثابتة في نظر فيكو لا يمكن تفنيدها بحجة «أن التواريخ القديمة — غير المقدسة — لم تذكر اسم العبرانيين إلا في وقت متأخر نسبيًّا»؛ لأن عدم ذكرهم في تلك التواريخ قد نشأ من سبب جلي تمامًا؛ إنهم كانوا يعيشون عيشة اعتزال، ولذلك بقوا مجهولين لدى الأمم المجاورة لهم مدةً طويلة، فإن المؤرخ الإسرائيلي يوسف كان يعترف بأن العبرانيين بقوا مجهولين مدة قرون طوال، وكان يعلِّل ذلك بقوله: «نحن لا نسكن السواحل، نحن لا نحب أن نتاجر مع الأجانب؛ ولهذا السبب لم نخالط الأمم الأخرى.»كان بطلميوس فيلادلفي قد تساءل مستغربًا: «لماذا لم يُقْدِم أحد من المؤرخين والشعراء القدماء على ذكر قوانين موسى؟» غير أن «ديميتريوس» اليهودي كان قد أزال استغرابه هذا قائلًا: إن الذين حاولوا نقل أخبار العبران إلى الأجانب عوقبوا على محاولتهم هذه معاقبةً شديدة، بمعجزة من الله بصورة خارقة للعادة. مثلًا إن «تيودكت» حُرِم من نعمة البصر من جراء ذلك، كما أن «تيوبومب» أضاع شعوره للسبب نفسه.إن فيكو يصدِّق كل هذه الروايات، ويشترك مع «لاكتانس» في تعليل ذلك بقوله: «لا شك في أن العناية الإلهية شاءت بذلك أن تحول دون تدنُّس دين الله الحقيقي، باختلاط شعبه المختار مع الأجانب» (ص١٩).
- (٣) فلا شك في نظر فيكو بأن أقدم الأمم هم العبران، ويليهم في القدم الكلدان، فالإسكيت، والفينيقيون، ويلي الفينيقيين المصريون، فالإغريق، فالرومان.فالمصريون إذن هم الشعب الخامس في ترتيب الشعوب من حيث القِدَم، فهم أحدث من العبران والكلدان والفينيقيين.ومع هذا يقول فيكو إن المصريين خدموا التاريخ خدمةً عظمى؛ لأنهم خلَّفوا لنا حقيقتين تاريخيتين هامتين، لا تقلان أهميةً وعظمةً عن أهرامهم الجبارة.الحقيقة الهامة الأولى؛ هي أنهم كانوا يقسِّمون تاريخهم إلى ثلاثة عهود وأدوار؛ دور الآلهة، دور الأبطال، دور البشر.وأمَّا الحقيقة الهامة الثانية؛ فهي أنهم كانوا يقولون بأن الناس تكلَّموا في كل دور من هذه الأدوار الثلاثة بلغة خاصة به؛ اللغة الهيروغليفية في دور الآلهة، واللغة الرمزية في دور الأبطال، واللغة العامية في دور البشر.إن المؤرخ الروماني «فارون» كان يقسِّم عصور التاريخ إلى ثلاثة أقسام، ويسميها على التوالي؛ الدور المظلم، الدور الأسطوري، الدور التاريخي.إن الدور المظلم الذي يشير إليه فارون يقابل دور الآلهة عند المصريين، كما أن الدور الأسطوري الذي يذكره المؤرخ المومأ إليه يقابل دور الأبطال، وأمَّا الدور التاريخي الذي يشير إليه فارون فيقابل الدور البشري الذي اصطلح عليه المصريون.
- (٤) يتمسَّك فيكو بأهداف هذه الآراء والروايات القديمة تمسُّكًا شديدًا، ويتخذها أساسًا لتفلسفاته في سير التاريخ، إنه يعمم هذه الأدوار الثلاثة على جميع الأمم في جميع العصور، ثم يمزجها بمذهب «الدورات» Cycles الذي كان يقول به الفيثاغوريون، ويوجد بذلك نظريته الأساسية في حياة الأمم.يدَّعي فيكو بأن التاريخ العام يجتاز ثلاثة أدوار؛ الدور الأول هو دور الآلهة أو الدور الإلهي، وهو الدور الذي يستند فيه الحكم إلى الدين مباشرة، وتجري فيه الأوامر والنواهي حسب ما يُعتقد بأنه مشيئة الله أو الآلهة.الدور الثاني هو دور الأبطال أو الدور البطولي؛ وهو الدور الذي يكون فيه الحكم بيد أبطال أشداء ومحاربين، يعتقد الناس بأنهم من طينة غير طينة الإنسان العادي.وأمَّا الدور الثالث فهو الدور البشري الذي تتأسس فيه الحضارة بأشكالها المعلومة.إن هذه الأدوار تتوالى على شكل دائرة تامة، حيث يتصل منتهى الدور الثالث بمبدأ الدور الأول، فكل أمة من الأمم تنتقل في تاريخها من دور الآلهة إلى دور الأبطال فدور البشر، وعندما تبلغ غايتها من الدور الأخير تعود مرةً أخرى إلى دور الآلهة، وتبدأ بذلك دورةً جديدةً على هذه الدائرة الأزلية الأبدية.قد تتوقَّف الأمم في ناحية من نواحي هذه الدائرة في دور من هذه الأدوار، غير أنها لا تستطيع أن تخرج من نطاقها أبدًا.هذه هي الدائرة الأزلية التي رسمتها القدرة الصمدانية للأمم، والتي اكتشفها العلم الجديد بفضل تأمُّلات فيكو، هذه هي الدائرة التي تدور عليها تواريخ جميع الأمم في جميع القرون.إن جميع المساعي التي بذلها فيكو في العلم الجديد تحوم حول هذه النظرية الأساسية، وترمي إلى شرح وتفصيل وتعليل هذه الأدوار الثلاثة في حياة الأمم.





