مقالات فكرية
ابن خلدون وفيكو✍ساطع الحصري
٣
- (١) يبدأ فيكو قصة التاريخ العام من الطوفان؛ إن أبناء نوح بعد الطوفان لم يسيروا على وتيرة واحدة، ولم يسلكوا مسلكًا متماثلًا، بل إن سلوك أولاد سام اختلف عن سلوك أولاد حام ويافث اختلافًا كليًّا؛ فإن أولاد سام بقوا حيث كانوا، فحافظوا على لغاتهم، واعتقاداتهم، وسائر خصالهم البشرية، غير أن أولاد حام ويافث تشتتوا في أنحاء الأرض؛ فتباعدوا بذلك عن الخصال البشرية تباعُدًا كليًّا.كانت الأرض مستورةً عندئذٍ بغابات كثيفة جدًّا، فانتشر أولًا حام ويافث في هذه الغابات إلى جميع الجهات؛ هربًا من مطاردة الحيوانات المفترسة، وانتجاعًا للماء والغذاء، وسعيًا وراء النساء اللاتي كنَّ لا يستسلمن إلى شهواتهم. وعلى هذا الوجه صاروا يعيشون عيشةً بهيمية، نسوا خلالها لغاتهم وأديانهم، وفقدوا جميع مزاياهم البشرية، فانحطوا إلى دركة البهائم تمامًا، حتى إن قامتهم نفسها تباعدت عن القامة البشرية المألوفة، وعادت إلى ما كانت عليه من الضخامة قبل الطوفان؛ فأصبح كل فرد منهم عملاقًا. وانقسم البشر لذلك إلى قسمين أساسيين، يختلف الواحد عن الآخر من حيث الأصل والنسل أيضًا اختلافًا جوهريًّا؛ القسم الأول كان العبران، والقسم الثاني كان العمالقة.عاش العمالقة في الغابات منفردين متوحشين، ومسترسلين في شهواتهم البهيمية، من غير أن يقيِّدوا أنفسهم بقانون أو دين.
- (٢) واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن جفَّت الأرض من مياه الطوفان، فأخذت تصعد الأبخرة التي تكوِّن العواصف، وتُحْدِثُ الرعد والبرق، وتُنْزِل الصواعق. إن حدوث هذه الأنواء الهائلة — لأول مرة — أثَّر في نفوس العمالقة تأثيرًا عميقًا، وأدهشهم دهشةً شديدة: «بين غيوم هذه العواصف الأولى، وعلى ضوء هذه الأنواء البارقة» (ص١١٧)، علم الإنسان وجود قوة عليا، وسماها «جوبيتر».وصار هذا مبدأ انقلابات عظيمة جدًّا في حياة هؤلاء العمالقة، لقد تصوَّر العمالقة هذه القوة العليا عن طريق قياس النفس، وظنوا أن هذه القوة الجبارة تعود إلى شخص مثلهم، يعيش ويشتهي، يرضى ويغضب. إنهم كانوا يدمدمون ويغمغمون — عادةً — عندما يغضبون، فلما سمعوا جلجلة الرعد والبرق، شبَّهوها بغمغمة الغضب، وراحوا يتوهَّمون أن جوبيتر يُظْهِر غضبه بهذه الغمغمات الهائلة، ويطلب من الناس بعض الأشياء والأعمال، فأخذوا يسعون وراء تفسير معاني هذه الغمغمات وكشف أسرارها؛ لتفهُّم مقاصد الإله الجبار، والعمل على استرضائه بوسائط شتى.وهذه كانت البذرة الأولى في سبيل توليد «الديانة والكهانة» في وقت واحد.
- (٣) إن الفزع الذي استولى على العمالقة من صوت الرعد والبرق حملهم على الالتجاء إلى المغارات، والانقطاع عن حياة التنقُّل والتشرُّد، كما أنه جعلهم يتحاشون مجامعة النساء تحت بصر السماء، فصار كل واحد منهم يأخذ امرأةً إلى مغارة، ويحتفظ بها لنفسه، ويعيش معها بمفرده. وبهذه الصورة تأسَّس نظام الزواج، ونشأت عادة العفاف.إن معيشة رجل مع امرأة واحدة داخل مغارة على هذا الوجه، أدى إلى بقاء الأولاد مرتبطين بالآباء والأمهات؛ فتكوَّنت بذلك الأُسَر الأولى من الأب والأم والأولاد.وعندما انقطع العمالقة عن حياة التشرُّد بهذه الصورة، أخذ كل واحد منهم يزرع الأرض القريبة من مغارته مشتركًا مع أفراد عائلته، وبدأت بذلك الزراعة من جهة، وملكية الأرض من جهة أخرى.إن هذه الحياة الهادئة والتربية المستقرة لم تَخْلُ من التأثير على جثة العمالقة وقامتهم أيضًا، فإنهم أخذوا يفقدون بالتدريج ضخامة الجثة، إلى أن اكتسبوا القامة الاعتيادية اللائقة بالإنسان.
- (٤) وكان من نتائج هذه الانقلابات كلها أن تكونت المجتمعات البشرية الأولى على الجبال، في المغاور المتفرقة في سفوحها، وكان قوام كل مجتمع من هذه المجتمعات عائلةً واحدةً مؤلَّفةً من الأب والأم والأولاد، وكان هذا المجتمع الابتدائي دويلة منعزلة، يرأسها أمير واحد هو الأب، وكان الأب يتمتع بسلطة مطلقة تجاه جميع أفراد العائلة، إنه كان الآمر والناهي الوحيد الذي يتصرف في جميع شئونها، ولكنه كان يستند في أوامره ونواهيه هذه إلى تكهُّناته عن مقاصد الآلهة، فالأب في هذه المجتمعات الابتدائية لم يكن أبًا فحسب، بل كان بمثابة الملك والكاهن أيضًا.إن جميع الانقلابات التي شرحناها آنفًا بدأت — على رأي فيكو — ببدء العواصف، ونشأت من تأثير الرعد والبرق في أذهان العمالقة البسطاء.
- (٥) غير أن هذه التطوُّرات لم تشمل جميع أبناء البشر في وقت واحد، عندما كان بعض العمالقة — وهم الذين كانوا على الجبال — يلجئون إلى المغارات، ويتطوَّرون التطوُّرات التي شرحناها آنفًا، بقي القسم الآخر منهم — وهم الذين كانوا يهيمون في السهول — على ما كانوا عليه من التشرُّد مدةً أخرى.ولكن هذا القسم من أبناء البشر عندما شاهدوا النتائج التي حصل عليها أفراد القسم الأول، أخذوا يلتجئون إليهم، ويعرضون خدماتهم عليهم؛ فصاروا ينضمون إلى جماعة العائلة بصفة خُدَّام وموالٍ. فتوسع بذلك نطاق العائلات، وأصبحت كل واحدة منها مؤلَّفةً من الأب والأم والأولاد، مع عدد من الخدم والموالي الملتجئين إليها.إن هؤلاء الخدام الملتجئين صاروا يشتركون في زراعة الأرض من غير أن يمتلكوها، ويخضعون لسلطة الأب المطلقة، مثل أفراد العائلة الأصلية. وبذلك توسعت سلطة الآباء، وأخذت تشمل جماعةً من الناس، علاوةً على الأم والأولاد، فأصبح الآباء بمثابة رؤساء بكل معنى الكلمة؛ ولذلك سموا باسم الأُبساء.١
- (٦) إن نظرية «توسع العائلة» على هذا الوجه بانضمام الخدم الملتجئين إليها لمن الأمور التي يهتم بها فيكو اهتمامًا خاصًّا، إنه يعتبرها من أهم الحقائق التي اهتدى إليها في علمه الجديد، ويحاول أن يستنتج منها سلسلةً طويلةً من النتائج والوقائع الهامة.إن هؤلاء اللاجئين قاموا بالخدمة المطلوبة منهم — في بادئ الأمر — عن طيبة خاطر؛ لما وجدوا في هذه الحياة الجديدة من الراحة والطمأنينة بالنسبة إلى حالتهم السابقة، ولما اعتقدوا بأن الأُبساء لم يكونوا من طينة اعتيادية.غير أنهم بعد ذلك بدءوا يتذمرون من وضعهم، وأخذوا يحاولون العصيان على أسيادهم؛ عندئذٍ اضطُر الأبساء إلى الاتفاق فيما بينهم ليتمكنوا من مقاومة مطاليب الخدم، وتكوَّنت بذلك «الجماعات السياسية» التي تتألَّف من عدة عائلات؛ ألَّف الأُبساء فيها طبقة النبلاء، وألَّف الخدم طبقة العوام. فتحددت عندئذٍ سلطة كل أَبيس من الأُبساء بسلطة مجلس النبلاء، وتأسَّس «الحكم الأرستقراطي» على هذا المنوال.ولكن هذا التدبير — تدبير اتفاق الأُبساء فيما بينهم — أصبح غير كافٍ لكبح جماح الخدم بمرور الزمن؛ إذ إن هؤلاء الخدم أيضًا اتفقوا فيما بينهم، وأخذوا يتقدَّمون ببعض المطاليب، ويضطرون النبلاء إلى إجابة طلباتهم من حين إلى حين. وفي الأخير حينما قوي ساعدُهُم شاركوا النبلاء في الحكم، فتأسَّس بذلك «الحكم الديمقراطي».إن اشتراك الخدم والعوام في الحكم — على هذا المنوال — أدَّى إلى تفشي الفوضى بعد مدة من الزمن، عندئذٍ ظهر رجل قوي شديد البأس، وقبض على زمام الأمور، وأعلن نفسه ملكًا، وصار يسود على العوام والنبلاء على حد سواء، فتأسَّس بذلك «الحكم الفردي»، أو «الحكم الملكي».
- (٧) يسرد فيكو ويشرح هذه الآراء والنظريات المختلفة في عدة محلات من كتابه، بتعبيرات وأساليب متنوعة، ويقدِّم لبعضها أمثلةً وأدلةً مختلفة، كلها مستقاة من أساطير اليونان ومن تاريخ اليونان والرومان.إن جميع الأمم اعتقدت ﺑ «جوبيتر» تحت أسماء مختلفة، كما اعتقدت بابن جوبيتر «هرقلس» أيضًا بأسماء متنوعة. والسيكلوب Cyclopes الذين تذكرهم الأساطير اليونانية، هم — في حقيقة الأمر — العمالقة الذين التجئوا إلى المغارات.وأمَّا الأسطورة القائلة بأن جوبيتر «صرع السيكلوب» فهي ترمز إلى واقعة حقيقية؛ واقعة انصعاق العمالقة من جراء الرعد والبرق، والتجائهم إلى المغارات، واضطرارهم إلى تغيير أساليب حياتهم تغييرًا كليًّا.والأسطورة القائلة بأن «جونون» زوجة جوبيتر وأخته، حتَّمت على هرقلس أعمالًا جبارة، فهي أيضًا ترمز إلى واقعة حقيقية؛ إنها تدل على أن قدسية الزواج ربَّت الإنسان على الفضائل العالية.إن قصة «ديانا» أيضًا تعبِّر عن واقعة تاريخية؛ إنها تمثل حياة الطهر التي بدأت بعد تأسيس نظام الزواج، إذ من المعلوم أن ديانا كانت تلتجئ إلى الظلام لتقترن ﺑ «آنديميون» حسب أساطير اليونان، والظلمة المذكورة في هذه الأسطورة ما هي إلا ظلمة المغارات، التي صار الإنسان لا يقترن بالمرأة إلا فيها بعد التجاء العمالقة إليها.وهكذا يجد فيكو في أساطير اليونان سلسلةً طويلةً من الدلائل على صحة آرائه ونظرياته في هذا الصدد.
- (٨) يطبِّق فيكو هذه الآراء على تاريخ اليونان والرومان، وتاريخ القرون الوسطى أيضًا.إن دور الأبطال لم يستمر مدةً طويلةً عند اليونان؛ ذلك لأن ظهور الفلاسفة عندهم عجَّل أمر انتقالهم من الدور الإلهي إلى الدور البشري، من غير أن يتركهم يهيمون مدةً طويلةً في الدور البطولي.ولكن الوقائع سارت بنظام أكثر من ذلك عند الرومان؛ فطال الدور البطولي مثل الدور الإلهي، وعندما وصل القوم إلى الدور البشري، كانوا قد نسوا الدور الإلهي؛ ولذلك سموا الدور المتقدم على الدور البطولي باسم «الدور المظلم».وأمَّا تاريخ القرون الوسطى فهو أيضًا يؤيد — على زعم فيكو — نظرياته هذه؛ ففي أوائل القرون الوسطى عاد الإنسان إلى بربرية جديدة شبيهة بالبربرية الأولى، كما أنه اجتاز دورًا إلهيًّا جديدًا، هو الدور الذي تولَّى فيه الملوك الرتب الدينية، ووقفوا ذواتهم الملكية إلى خدمة الله. وقد أعقب هذا الدور الإلهي الثاني دور بطولي جديد، عندما نشأت الفروسية ونشبت الحروب الصليبية، وأمَّا دور الحضارة الثانية الذي كان مستمرًّا في عهد فيكو، فلم يبدأ إلا بعد انقضاء الدور البطولي الآنف الذكر.
٤
- (١) إن الآراء والنظريات التي لخَّصناها آنفًا تدل دلالةً واضحةً على أن فيكو لم يتبع في أبحاثه طريقة استقراء الحادثات، ولم يتقيَّد في تفكيره بقيود الواقعات.إن ذلك نتيجة طبيعية للخطة التي وضعها، والطريقة التي قررها، والنظرية التي قال بها في شأن طبيعة الحوادث الاجتماعية.من الحقائق الثابتة التي لا مجال للشك فيها — على زعم فيكو — «أن العالم الاجتماعي من صنع الإنسان»، فمن الممكن، بل من الضروري البحث في أصول التطوُّرات التي تحدث في عالم الاجتماع، بالنظر إلى ما يحدث في النفس البشرية، «فيجب أن نَعْجَبَ كل العجب، من الفلاسفة الذين يحاولون بكل جدٍّ أن يعرفوا عالم الطبيعة، ثم هم يهملون التأمُّل في عالم الاجتماع، إنهم يحاولون أن يعرفوا عالم الطبيعة، مع أنه من صنع الله، ومع أن الله خص علم ذلك العالم بنفسه الصمدانية، ويهملون التأمُّل في عالم الاجتماع مع أنه في استطاعة الإنسان أن يعرف هذا العالم؛ لأنه من صنعه» (ص٦٧).ولهذا نجد أن فيكو يبحث في أصول العلم الجديد من غير أن يتقيَّد بكتب التاريخ، حتى إنه يقرر — أوليات التاريخ في مصر والشرق — «استنادًا إلى حكم العقل وحده، من غير أن يرجع إلى الأخبار الواردة في هذا الشأن» (ص٢٧٣).وذلك لأنه يعتقد أن «من يتأمل في العلم الجديد، يكون قد خلق موضوع بحثه بنفسه، فيستطيع أن يعرف حقيقة ذلك الموضوع بصورة مضبوطة تمامًا.»إن «العلم الجديد» ينحو نحو الهندسة من جميع الوجوه؛ من المعلوم أن المفكر الرياضي — في أبحاثه الهندسية — يتصوَّر عالم الأبعاد والأشكال، ويتأمَّل فيه في الوقت نفسه، وبتعبير آخر إنه يخلق ذلك العالم، ويبحث فيه في وقت واحد. إن عمل المفكر في العلم الجديد لا يختلف عن ذلك أبدًا.ولهذا السبب يخصِّص فيكو فصلًا كبيرًا من فصول كتابه الأول لسرد «الحقائق الأولية والبديهية» التي يستند إليها «العلم الجديد»، أُسوةً بما يفعله الرياضيون في كتب الهندسة.
- (٢) إن عدد الحقائق الأولية التي يذكرها فيكو — ويطلب التسليم بها مقدَّمًا — تبلغ أربع عشرة ومائة.ندرج فيما يلي ثلاثة نماذج من تلك «الحقائق الأولية والبديهية»؛ لكي نعطي فكرةً واضحةً عن مناحي تفكير فيكو في هذا الصدد:إن الله منع العبرانيين عن الكهانة، هذا المنع هو أساس دينهم، في حين أن الكهانة تكون أساس المجتمع عند جميع الأمم الوثنية؛ ولذلك انقسم العالم القديم إلى قسمين أساسيين؛ عبراني وأجنبي (رقم ٢٤).إن تاريخ اليونان الذي حفظ لنا كل ما نعرفه عن العالم الوثني القديم — باستثناء الرومان — يبدأ من عهد الطوفان ومن دور العمالقة، هذه العنعنة تقسِّم الجسم البشري إلى نوعين أصليين؛ نوع العمالقة ونوع الإنسان ذي القامة الطبيعية، أي نوع الأجانب ونوع العبران. إن هذا الاختلاف لا يمكن أن يتأتَّى إلا من تربية الأولين البهيمية، وتربية الآخرين الإنسانية، فيمكننا أن نستنتج من ذلك أن أصل العبرانيين يختلف عن أصل غيرهم من الأمم (رقم ٢٧).إذا سلَّمنا — والعقل لا يمتنع عن التسليم بذلك أبدًا — إذا سلَّمنا أن الإنسان بعد الطوفان سكن الجبال أولًا، فسيكون من الطبيعي عندئذٍ أن نقول إنهم نزلوا السهول بعد مدة من الزمن، وبعد مدة طويلة جدًّا، وثقوا بأنفسهم إلى حد الانتقال إلى سواحل البحار (رقم ٩٧).





