مقالات فكرية
ابن خلدون ومونتسكيو✍ساطع الحصري

(١) حياة مونتسكيو وآثاره
- (١) مونتسكيو Montesquieu من أشهر رجال الفكر والقلم الذين نبغوا في فرنسا في القرن الثامن عشر. وُلِدَ في قصر يقع بالقرب من مدينة «بوردو» سنة ١٦٨٩، ومات في باريس سنة ١٧٥٥.كان والده من صنف النبلاء، فعمل كل ما يجب عمله لتعليم وتثقيف ابنه وفق تقاليد النبلاء في ذلك العصر.وقد أظهر مونتسكيو شغفًا شديدًا بالدرس منذ صباه، أكمل دراسته الكلاسيكية بنجاح، ثم أكب على تعلُّم الحقوق، وصار عضوًا في محكمة بوردو وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وبعد ذلك بسنتين أصبح رئيسًا للمحكمة المذكورة، إذ ورث رئاستها عن عمه، كما ورث عنه — في الوقت نفسه — بارونية مونتسكيو، وصار يُلقَّب لذلك بلقب «بارون دو مونتسكيو»، بعد أن كان يسمَّى إلى ذلك التاريخ — أي إلى سنة ١٧١٦ — باسم «شارل لويس دو برده» De Bréde.إن اسم «مونتسكيو» الذي اشتهر به هذا الكاتب المفكر، إنما هو مختصر من هذا اللقب الجديد.
- (٢) لقد انصرفت أولاع مونتسكيو في بادئ الأمر إلى نواحٍ مختلفة، حتى إنه اشتغل عدة سنوات بمباحث طبيعية متنوعة، تحوم حول التاريخ الطبيعي، والتشريح، والطب، والفيزياء، غير أن جميع أولاعه تمركزت واستقرَّت في الأخير في السياسة والحقوق.لقد أولع مونتسكيو بالكتابة أيضًا، كتب ونشر مقالات كثيرةً في مواضيع متنوعة، ولكن شهرته في عالم الأدب لم تبدأ إلا بالرسائل الفارسية Lettres persanes التي نشرها سنة ١٧٢١. كتب هذه الرسائل على لسان رجل فارسي مُتخيَّل، أتى إلى أوروبا سائحًا، وأخذ يكتب إلى أحد أصدقائه سلسلة رسائل يصف بها مشاهداته وملاحظاته. لقد تستَّر مونتسكيو وراء هذه الرسائل الفارسية لنقد الكثير من النظم والتقاليد السائدة عندئذ، بلسان لاذع وأسلوب متهكم.ولكنه كان يطمع في عمل أكثر جديةً وأعظم أهميةً من ذلك بكثير، كان يُمني نفسه بتأليف كتاب «حقوقي سياسي» هام، فأخذ يعدُّ نفسه لكتابة «روح القوانين» Esprit des lois، وقد رأى من الضروري أن يتفرَّغ بكليته لتحقيق أمنيته هذه، فباع رئاسة المحكمة التي كانت بعهدته،١ وبعد ذلك أخذ يقضي جميع أوقاته بالبحث والمطالعة في قصر أسرته.غير أن مونتسكيو أدرك بعد مدة وجيزة عدم كفاية المطالعة وحدها لتحقيق أمنيته، فقام برحلة إلى مختلِف البلاد الأوروبية؛ بغية الاطلاع على النظم السياسية السائدة فيها. استغرقت رحلته هذه ثلاث سنوات — وذلك من ١٧٢٨ إلى ١٧٣١ — وشملت البلاد الألمانية والإيطالية المختلفة، مع المجر والنمسا وسويسرا وهولاندا وإنجلترا، وقد قضى مونتسكيو معظم هذه المدة في المملكة الأخيرة، وتأثَّر بالنظم التي شاهدها هناك تأثُّرًا كبيرًا.وحينما عاد من هذه الرحلة الطويلة لم يرغب في الاستقرار بباريس، بل رجع إلى قصر أسرته، وانزوى فيه، وأخذ يشتغل هنالك بالمطالعة والكتابة من جهة، وبإدارة شئون أراضيه من جهة أخرى، ولم يعد يذهب إلى باريس إلا من وقت إلى آخر لمدد قصيرة.
- (٣) وقد نشر مونتسكيو سنة ١٧٣٠ كتابًا بعنوان: «ملاحظات عن أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم». إنه كان شرع في إعداد هذه الملاحظات ليجعلها فصلًا من تأليفه الأساسي «روح القوانين»، ولكنه حينما قطع شوطًا في كتابتها لاحظ أنها توسَّعت توسُّعًا كبيرًا، فلم يرَ من المعقول اعتبارها فصلًا من كتاب، فقرَّر أن ينشرها على شكل كتاب مستقل.وأمَّا كتاب روح القوانين نفسه فلم ينتهِ مونتسكيو من تأليفه ونشره إلا سنة ١٧٤٨، وقد صرَّح في المقدمة التي صدَّره بها أنه اشتغل بتأليفه مدةً لا تقل عن عشرين عامًا.لقد نال روح القوانين عقب انتشاره شهرةً هائلةً استوجبت إعادة طبعه أكثر من عشرين مرةً خلال سنة ونصف السنة.ولم يعمر مونتسكيو بعد الانتهاء من تأليف روح القوانين إلا سبع سنوات، ولم يُنْتِج خلال هذه المدة شيئًا غير «الدفاع عن روح القوانين»، الذي خطَّه سنة ١٨٥٠؛ ردًّا على بعض الناقدين.إن كتاب روح القوانين هو الذي خلَّد اسم مونتسكيو في تاريخ الأفكار والعلوم؛ لأنه يعتبر من أمهات الكتب التي تمثِّل أهم المراحل التي قطعها الفكر البشري في طريق تقدُّمه المستمر، كما يُعَدُّ من جملة العوامل التي قوَّت في النفوس نزعة الحرية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، والتي حملت الناس على الثورة ضد الحكم الاستبدادي ثورةً عنيفة.
- (٤) ينقسم روح القوانين إلى واحد وثلاثين كتابًا؛ يبحث الكتاب الأول في القوانين بوجه عام، والثاني والثالث في أشكال الحكومات، والكتب الستة التي تلي ذلك تبيِّن وجوب وضع القوانين بصورة ملائمة لأشكال الحكومات، ويبحث الكتابان التاسع والعاشر في علاقة القوانين بالقوة الحربية، والكتابان اللذان يليان ذلك في القوانين التي تنشئ الحرية السياسية، ويبيِّن الكتاب الثالث عشر علاقة الجباية بالحرية، وتبحث الكتب الخمسة التي تلي ذلك في علاقة القوانين بالإقليم والأرض، وأمَّا الكتاب التاسع عشر فيشرح علاقة القوانين بطبائع الأمم وسجاياها، وتبحث الثلاثة التي تلي ذلك في علاقة القوانين بعدد النفوس، والكتابان اللذان يليان ذلك في علاقة القوانين بالأديان، وأمَّا الكتب الستة الباقية فتبحث في القوانين الرومانية والإقطاعية والفرنسية، وتشرح القواعد التي تجب مراعاتها في سَنِّ القوانين.في جميع هذه الكتب يشير مونتسكيو إلى وقائع تاريخية عديدة، ويذكر نُبَذًا كثيرةً من القوانين القديمة والحديثة الموضوعة في البلاد المختلفة، ويُبْدِي شتى الملاحظات حول تلك الوقائع والقوانين، ويسوق ملاحظاته هذه تارةً في سبيل التفسير والتعليل، وطورًا على طريق الاستحسان والاستقباح، وكثيرًا ما يفرِّغها في قالب وصايا علمية ودساتير سياسية، موجَّهة إلى رجال الحكم والتشريع.
- (٥) يتبيَّن من الخلاصة الآنفة الذكر — كما يظهر من عنوان المؤلف نفسه — أن الموضوع الأساسي الذي يتناوله مونتسكيو بالبحث والدرس في كتابه هذا هو «القوانين» و«الحقوق»، وإذا أردنا أن ننعت «روح القوانين» بالتعبيرات المألوفة الآن، نستطيع أن نقول إنه من نوع المؤلفات التي تُعْرَف باسم «مدخل القوانين»، أو «فلسفة الحقوق»، أو «حكمة التشريع».ومما يؤيد ذلك أن مونتسكيو نفسه قال — في «الدفاع عن روح القوانين»: إنه «تأليف سياسي صرف، وتشريعي خاص.»Un onvrage de pure politique et de pure jurisprudence.ومع هذا يحتوي «روح القوانين» على أبحاث كثيرة تتعدَّى حدود «فلسفة التشريع»، وتمتُّ بصلة قوية إلى «فلسفة التاريخ». إن هذه الأبحاث هي التي تحاول تعليل طبائع الأمم، وتسعى لإظهار العوامل التي تؤثِّر في سير التاريخ.إن أبحاث روح القوانين التي تتعلَّق بذلك تجتمع حول نظريتين هامتين:
- (أ)نظرية تأثير الطبيعة والإقليم في طبائع الأمم وسير التاريخ.
- (ب)نظرية تأثير الأحوال الاقتصادية في الوقائع التاريخية.
- (٦) إن كل من يريد أن يقارن بين مونتسكيو وبين ابن خلدون — وبتعبير أصح بين «روح القوانين» وبين «مقدمة التاريخ» — يجب أن يُقْدِمَ على ذلك من وجهة المباحث المتعلقة بفلسفة التاريخ، وعلى الأخص، من وجهة المباحث المتعلقة بعمل الاقتصاد في التاريخ، وتأثير الطبيعة في طبائع الأمم.ذلك لأن الكتابين المذكورين يختلفان اختلافًا كليًّا من الوجوه الأخرى.إن روح القوانين يبحث من حيث الأساس في القوانين والشرائع، ولا يتطرَّق إلى مسائل التاريخ وفلسفة التاريخ إلا من وجهة علاقتها بالقوانين والشرائع، في حين أن مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، لا تلتفت إلى مسائل القوانين والشرائع، بل تسعى لدرس العوامل الاجتماعية، والتطوُّرات التاريخية درسًا مباشرًا.وزيادة على ذلك فإن روح القوانين مُشبَّع بغايات سياسية عملية، والمسائل التي يعالجها ترمي — بوجه عام — إلى تقرير «السياسة المثلى»، في حين أن مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، تكاد تكون مجردةً عن كل نزعة سياسية وعملية، والمسائل التي تسعى لحلها لا تخرج — عادةً — عن نطاق «تقرير الواقع وتعليله».ولهذا السبب رأيت من الضروري أن أحدِّد بحثي في روح القوانين بحدود النظريتين المذكورتين.





