مقالات فكرية
ابن خلدون ومونتسكيو✍ساطع الحصري
(٣) التاريخ والطبيعة
- (١) يعزو مونتسكيو أهميةً كبرى إلى تأثير الطبيعة والإقليم في سجايا الأمم ووقائع التاريخ، ويخصِّص نحو ثمانين فصلًا من فصول روح القوانين لشرح هذه التأثيرات.إنه يستهل أبحاثه في هذا المضمار بتقرير المبدأ التالي:«إن أوصاف العقل وانفعالات القلب تختلف كثيرًا باختلاف الأقاليم، فمن الطبيعي أن تختلف القوانين أيضًا باختلاف الأقاليم.»وبعد ذلك يأخذ في شرح آرائه في هذا الصدد بتفصيل وإسهاب، ونحن نستطيع أن نلخِّص هذه الآراء — من حيث الأساس — بما يلي:
- (أ)إن شدة الحرارة تقلِّل القوة وتزيل النشاط؛ ولذلك تصل قوة الإنسان إلى أقصى درجاتها في البلاد الباردة، وتنزل إلى أدنى دركاتها في البلاد الحارة.
- (ب)إن التأثير الذي يحصل بهذه الصورة يسري إلى القوى المعنوية والفكرية أيضًا؛ ولهذا السبب يكون سكان البلاد الباردة أكثر ثقةً بأنفسهم، وأشد شعورًا بتفوُّقهم بالنسبة إلى سكنة البلاد الحارة، وهذا يجعلهم أكثر نشاطًا منهم وأكبر شجاعة، كما يجعلهم أقل ميلًا للاحتيال، وأقل رغبةً في الانتقام.
- (جـ)إذا وضعنا رجلًا في محل حار محصور، رأينا أنه يشعر بهبوط في قوة قلبه، وذلك قد يوصله إلى حالة قريبة من الإغماء، وفي هذه الحالة إذا طُلِب منه عمل لا يشعر بقابليةٍ للقيام به؛ ولذلك نجد دائمًا «أن سكان البلاد الحارة يكونون جبناء مثل الشيوخ، في حين أن سكان البلاد الباردة يكونون شجعانَ مثل الشبان.»
- (د)غير أن الحرارة تؤثر في حساسية الإنسان تأثيرًا معكوسًا لذلك، فإن الحساسية — بعكس القوة — تصل إلى أقصى درجاتها في البلاد الحارة، وتهبط إلى أحط درجاتها في البلاد الباردة. من المعلوم «أن الأقاليم يتميَّز بعضها عن بعض باختلاف «درجات العرض الجغرافي»». ونستطيع أن نقول إنها تتميَّز كذلك باختلاف «درجة حساسية الإنسان»؛ فإن حساسية الإنسان للَّذة تكون ضعيفةً في البلاد الباردة، وأقوى من ذلك في البلاد المعتدلة، وتصل إلى درجة الإفراط في البلاد الحارة. وكذلك الحال في الحساسية للألم، مثلًا «إن الموسقوفي لا يحس شيئًا من الألم إلا إذا سَلخ جلده.»
- (هـ)إن الشهوة الجنسية تتبع الحساسية العامة في هذا الصدد، فإنها تكون مفرطةً في البلاد الحارة، وضئيلةً في البلاد الباردة.في البلاد الشمالية تكون ماديات العشق «في منتهى الضعف»، وقوتها الضئيلة «تكاد تكفي لجعلها محسوسة»، وأمَّا في البلاد الحارة فهي تتغلَّب على كل شيء.إن الفيزيقوط عندما هاجروا من جرمانيا إلى الجنوب فانتقلوا إلى إسبانيا؛ أصبحوا أكثر شهوانيةً من ذي قبل، وشدة الشهوة التي اكتسبوها بهذه الصورة قوَّت في نفوسهم «حس الغيرة»، كما ظهر ذلك بكل وضوح في سلوك «الكونت جوليانوس الذي ضحَّى ببلاده من جرَّاء واقعة تتعلَّق بعِرْض ابنته.»في البلاد الشمالية تجد «ماكينة البدن» ملذات كثيرةً في كل ما يحرك النفس — من صيد وسباحة وحرب وخمر — وأمَّا في البلاد الحارة فتكاد تنحصر ملذات الحياة في العلاقات الجنسية.
- (و)في البلاد الحارة ينفق البدن مقدارًا كبيرًا من الماء، فلا يحتاج إلى شيء من الخمور والكحوليات، وأمَّا في البلاد الباردة فبعكس ذلك تقل الحاجة إلى الماء، فتزداد الحاجة إلى الخمور والكحوليات.ولهذا السبب نجد أن إدمان الخمور يزداد مع ارتفاع درجة العرض الجغرافي، كلما تباعدنا من خط الاستواء نحو القطب.
- (ز)إن الإقليم يؤثر في الأخلاق العامة أيضًا تأثيرًا شديدًا؛ فإن سكنة البلاد الباردة يمتازون بكثرة الفضائل وقلة المفاسد، وقوة الصراحة، وقلة الأنانية. فإننا كلما تباعدنا من الشمال إلى الجنوب نكون كأننا تباعدنا عن الأخلاق، فشاهدنا أُممًا ينقص فيهم روح التشوُّف والإقدام والكرم، ويزداد فيهم الكسل والأنانية، وتتفشَّى بينهم المفاسد والجرائم.
- (ﺣ)ولذلك كله نجد أن أمم الشمال تتغلَّب دائمًا على أُمم الجنوب، كما نجد أن الحرية والديمقراطية لا تتأسَّس إلا عند أُمم الشمال، وأمَّا أُمم الجنوب فيتصفون بالعبودية والاستسلام بوجه عام، كما أن دولها لا تعرف معنًى للحرية والديمقراطية، بل تكون مستبدَّةً وظالمةً في كل الأحوال.
- (ط)إن عادة حجب النساء وحجزهن أيضًا من التقاليد التي تتأسَّس في البلاد الجنوبية وحدها؛ لأن شدة الشهوة في تلك البلاد تستلزم اتخاذ تدابير شديدة لكبح جماحها، وأمَّا في البلاد الباردة فلا فتكون ثمة حاجة لمثل هذه التدابير؛ لأن الخصال هناك تكون حميدةً بوجه عام، كما أن شهوات النفس تكون معتدلةً وهادئةً في حد ذاتها؛ ولذلك شيء قليل من الانضباط يكفي لتنظيم الحياة الجنسية والمحافظة على العفاف؛ ولهذا السبب نجد أن المرأة في البلاد الباردة «تؤنس الجميع وترفِّه عن الجميع، على الرغم من أنها تخص نفسها لملذات شخص واحد.»
- (ي)إن تأثير الحرارة والبرودة في الشجاعة لا يظهر عند مقارنة الممالك الشمالية بالجنوبية فحسب، بل إنه يظهر عند مقارنة المناطق الشمالية بالجنوبية في المملكة الواحدة أيضًا.وهذه الحقيقة يجب أن توضع نصب الأعين عند اختيار العاصمة في السلطنات الكبيرة، يجب أن تكون العاصمة في القسم الشمالي من المملكة؛ لأن الدولة التي تجعل عاصمتها في الجنوب تتعرَّض إلى خسارة مناطقها الشمالية، وأمَّا الدولة التي تجعل عاصمتها في الشمال فتستطيع أن تسيطر على أقسامها الجنوبية بسهولة؛ وذلك بسبب شجاعة الشماليين وجبن الجنوبيين.
- (٢) إن آراء مونتسكيو في طبائع الشماليين والجنوبيين يجرُّه إلى نظرية مماثلة عن طبائع الأوروبيين والآسيويين؛ لأنه يقول:في آسيا لا توجد منطقة معتدلة الحرارة، فالبلاد الحارة هناك تتصل بالبلاد الباردة اتصالًا مباشرًا؛ ولذلك تكون الأمم القوية مجاورةً للأمم الضعيفة مجاورةً مباشرة، وتستطيع أن تسيطر عليها سيطرةً قاصمة؛ وذلك يجعل الأولين سادةً والأخيرين عبيدًا.وأمَّا في أوروبا فالأمر يختلف عن ذلك اختلافًا كليًّا؛ لأنه يوجد في القارة الأوروبية منطقة معتدلة الحرارة واسعة النطاق، فتكون الحرارة في هذه القارة متدرجةً من الشمال إلى الجنوب، وكذلك قوة الأمم وشجاعتها، فلا تشاهَد فروق عظيمة بين الأمم المتجاورة من حيث الشجاعة؛ فتتعادل القوى، فلا تستطيع الواحدة منها أن تسيطر على جارتها سيطرةً تامة.هذا هو السبب الأصلي — في نظر مونتسكيو — في قوة أوروبا وضعف آسيا، وفي حرية أوروبا وعبودية آسيا. إن روح الاستبداد من ناحية، وشيمة العبودية من ناحية أخرى قد تأسَّست ورسخت في آسيا، ولم تفارقها أبدًا في دور من أدوار تاريخها الطويل. والباحث المدقِّق لا يلمح في جميع الأمم الآسيوية «علامةً واحدةً» تدل على روح حرة، و«لا يمكن أن يشاهد في آسيا في المستقبل أيضًا بطولةً غير بطولة العبودية.»مونتسكيو يدَّعي ذلك بصيغة الجزم والتأكيد، كما أنه يجيب بذلك على سؤال يحوم حول تاريخ فتوحات الرومان؛ لماذا لم يتوسَّع الرومان في أوروبا إلا بمشقات عظيمة، في حين أنهم استطاعوا أن يفتحوا آسيا بسهولة خارقة؟وفضلًا عن ذلك يحاول مونتسكيو أن يقرر ويعلِّل خصائص الشرق والغرب أيضًا على هذا الأساس.بما أن الشمال يتفوَّق على الجنوب، وأوروبا تتفوَّق على آسيا، فإن سكان شمال أوروبا — الذين يجمعون في أنفسهم مزايا الشمال مع مزايا أوروبا — يتفوَّقون على جميع أُمم الأرض تفوُّقًا عظيمًا.إن المنطقة الشمالية من القارة الأوروبية هي مصدر الحرية المنتشرة في أوروبا، بل مصدر الحرية الموجودة في العالم. كان «جورناندس» القوطي قال عن شمال أوروبا إنه «معمل الجنس البشري»، ولكن مونتسكيو يفضِّل تسمية تلك المنطقة ﺑ «مصنع الآلات التي تكسر الأغلال المصنوعة في الجنوب»؛ لأنه يعتقد بأن «هناك تتكوَّن الأمم الباسلة التي تخرج من بلادها لسحق الظالمين والعبيد.»وأمَّا الشرق فهو عكس ذلك تمامًا؛ لأنه يجمع خصائص الجنوب مع خصائص آسيا، وقد سبق أن قال مونتسكيو إن الخصال التي يختص بها سكان الجنوب وسكان آسيا هي من أردأ الخصال.
- (٣) إن تأثير الطبيعة والإقليم يظهر في أمور الأديان أيضًا على رأي مونتسكيو؛ ذلك لأن بعض الأوامر والنواهي الدينية تتبع أحوال الإقليم مباشرة؛ مثلًا قانون «تحريم الخمور» في الدين المحمدي، هو من القوانين الإقليمية التي تلائم طبيعة البلاد الحارة، وكذلك أمر تحريم لحم الخنزير؛ لأن هذا اللحم مضر في البلاد الحارة، حيث تكثر الأمراض الجلدية، غير أنه غير ضار في البلاد الباردة، بل ربما كان من الأغذية الضرورية — نوعًا ما — في تلك البلاد.ويقول مونتسكيو — بناءً على كل ما سبق: «إن الأوامر الإسلامية في هذا الصدد توافق حاجات الأقاليم الحارة، وتنافي حاجات الأقاليم الباردة؛ ولهذا السبب انتشر الدين الإسلامي في آسيا — وفي أفريقيا التي هي في حكم آسيا — ولكنه لم يستطع أن ينتشر ويستقر في أوروبا.»«وأمَّا الديانة المسيحية فبعكس ذلك، قد انتشرت بسهولة في أوروبا، ولكنها لم تستطع أن تنتشر في آسيا وأفريقيا، فمن الجائز أن يقال — والحالة هذه — «إن الإقليم هو الذي عيَّن وقرَّر الحدود الفاصلة بين بلاد الديانة المسيحية، وبين بلاد الديانة الإسلامية».»هذا ويزعم مونتسكيو أن تأثير الإقليم قد تجلَّى في تقرير الحدود الفاصلة بين فرعَي المسيحية أيضًا؛ لأن الأمم الشمالية في أوروبا اعتنقت المذهب البروتستانتي، في حين أن الأمم الجنوبية حافظت على المذهب الكاثوليكي؛ والسبب في ذلك هو أن الشماليين أكثر ميلًا إلى الحرية والاستقلال، بحكم بيئتهم الطبيعية، فكان من الطبيعي أن يصيروا أكثر ترجيحًا للمذهب البروتستانتي الذي لا يعترف برئيس ديني مطلق، وأشد تباعدًا عن المذهب الكاثوليكي الذي يعترف بسلطة مطلقة لرئيس ديني.وفي الأخير يجب أن يلاحَظَ أن تأثير الإقليم يشمل أمور الدروشة والرهبنة أيضًا؛ فإن عدد التكايا والأديرة، مثل عدد الدراويش والرهبان، يزداد بازدياد حرارة الأقاليم.
- (٤) يتكلَّم مونتسكيو عن تأثير «طبيعة الأرض» أيضًا في طبائع الأمم وأنظمتها، إنه يهتم بوجه خاص في شرح تأثير خصوبة الأراضي في هذا المضمار.إن خصوبة الأرض تؤدي إلى تأسُّس روح العبودية؛ لأن الزُّرَّاع الذين يؤلِّفون أكثرية السكان في مثل تلك البلاد لا يهتمون كثيرًا بالحرية، ولا يطلبون شيئًا من الدولة غير ضمان الأمن والسكون؛ ولهذا السبب تكون الحكومات هناك فرديةً ومطلقة، في حين أن الأمر يكون عكس ذلك تمامًا في الحكومات التي تنشأ على أراضٍ قليلة الخصب وجدباء.إن تاريخ اليونان — على زعم مونتسكيو — أبلغ شاهد على ذلك؛ إن أراضي آتيكا كانت جدباء؛ وذلك أدَّى إلى تأسُّس دولة ديمقراطية في أثينا، إلا أن أراضي لاسه ده مونيا كانت خصبة بوجه عام؛ وذلك أدَّى إلى تأسس دولة أرستقراطية في إسبارطة.ويذكر مونتسكيو بهذه الوسيلة ما قاله بلوتارخوس في ما كتبه عن حياة صولون: انقسم الأهالي إلى أحزاب حسب طبيعة الأراضي التي يقطنونها، كان أهل الجبال يطلبون حكومةً يديرها الشعب، في حين أن أهل السهول كانوا يرغبون في حكومة يديرها الرؤساء، وأمَّا أهل السواحل فكانوا يطالبون بحكومة يشترك فيها القسمان — الشعب والرؤساء — على حد سواء.هذا ويعزو مونتسكيو إلى خصوبة الأرض تأثيرًا في الطبائع، من جهة أخرى أيضًا: إن قلة خصوبة الأرض تضطر الناس إلى الجد والكد، وتعوِّدهم الحياة الخشنة؛ وذلك يجعلهم شجعان ومحاربين، ولكن خصوبة الأرض تحمل سكانها على التراخي، وتزيد في نفوسهم حب الحياة.وفي الأخير يلاحظ مونتسكيو أن أهل الجبال يكونون أكثر تمسُّكًا بالحرية من أهل السهول، ويعلِّل ذلك بقوله: السبب الأصلي في ذلك هو أن الجبال تكون أقل خصوبةً من السهول بوجه عام، كما أن الدفاع عنها يكون أسهل بكثير من الدفاع عن السهول.•••هذه هي الخطوط الأساسية للآراء والنظريات التي سردها مونتسكيو في «روح القوانين» حول مسألة «تأثير الإقليم والأرض في طبائع الأمم، ونُظُم السياسة ووقائع التاريخ».يلاحَظ أنه يغالي في تقدير هذا التأثير مغالاةً شديدة، ويُبْدِي كثيرًا من الآراء والنظريات التي لا تستند إلى أُسس علمية صحيحة، وإن ظهرت في الوهلة الأولى لامعةً وأخَّاذة، تنمُّ عن طرافة في التفكير وبراعة في التعليل.لقد بذل مؤلف روح القوانين جهودًا فكريةً بارعة؛ لأجل تعليل الكثير من طبائع الأمم ووقائع التاريخ بتأثير «درجة الحرارة والعرض الجغرافي» بوجه خاص، ولكنه خالف كثيرًا من الحقائق الثابتة خلال هذه التعليلات.إن مخالفة هذه النظريات للحقائق الثابتة كانت لفتت أنظار البعض من معاصريه، وحملتهم على انتقاده من هذه الوجهة انتقادًا عنيفًا، وكان «فولتير» الشهير من جملة هؤلاء المنتقدين.وقد ردَّ المشار إليه على ما ذهب إليه مونتسكيو من «أن الأمم الشمالية تكون شجاعةً ومحاربة؛ ولذلك تتغلَّب على الأمم الجنوبية التي تكون جبانةً ومسالمة»، بذكر بعض الوقائع التاريخية التي تشهد على عكس ذلك، فقال: «إن العرب فتحوا خلال ثمانين عامًا بلادًا أوسع بكثير من التي دخلت تحت حكم الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها، كما أن الرومان أنفسهم تغلَّبوا على عدة أقوام من سكنة البلاد الشمالية، وفي التاريخ القريب تغلَّب جيش صغير من الإسبان الجنوبيين على جيش كبير من الألمان الشماليين.»كما أنه ردَّ على نظرية «تأثير خصوبة الأرض في تقرير نظام الحكم» قائلًا: «إن تاريخ اليونان يشهد — في حقيقة الحال — على عكس ما ذهب إليه مونتسكيو تمامًا؛ لأن أثينا تنتج الآن القطن والحرير والزيت والجلود، مع أنها تئن تحت نير الاستعباد، في حين أن إسبارطة لا تنتج شيئًا. فلا مجال للشك في أن أثينا كانت أغنى من إسبارطة بكثير في قديم الزمان أيضًا. إن تعليل نظام الحكم بكون الأرض خصبةً أو قاحلة، لا يقوم على أي أساس واقعي؛ فإن السويد — مثلًا — ظلت مدةً طويلةً تحت نير الحكومة الاستبدادية، في حين أن بولندا أرستقراطية على الرغم من خصوبة أراضيها.»أنا لا أرى لزومًا لاستعراض جميع الانتقادات المحقة التي كانت وُجِّهَت إلى آراء مونتسكيو هذه في زمانه، غير أني أرى من الضروري أن أشير إلى حكم العلم الحاضر على هذه الآراء.لقد حدَّد مونتكسيو مفهوم «الإقليم» بحدود ضيقة؛ لأنه حصره في شدة الحرارة والبرودة تقريبًا، كما أنه بالغ مبالغةً كبيرةً جدًّا في تأثير ذلك في أحوال الأمم، وقد فاته أن الإنسان يقاوم تأثير الحرارة والبرودة ﺑ «تكيُّف فسلجي طبيعي» من جهة، و«تكيُّف اجتماعي اصطناعي» من جهة أخرى. فإن النوع الأول من التكيُّف يتم بردود الأفعال الحياتية — بتقلص أو انبساط الأوعية الدموية المحيطة، وبتزايد أو تناقص الإفرازات العرقية — تبعًا لحالة الحرارة الخارجية، وأمَّا النوع الثاني من التكيُّف فيحدث بتنويع وتنظيم الأغذية والملابس والمساكن، حسب مقتضيات الحرارة.فقد أخطأ مونتسكيو خطأً عظيمًا عندما سهى عن ملاحظة الحقائق الراهنة، وتوسَّع كل هذا التوسُّع في تقدير مبلغ تأثير الحرارة في طبائع الأفراد والجماعات، وأوصل المغالاة في هذا المضمار إلى حدِّ الادعاء بأن «النظم الاجتماعية والسياسية، والنزعات الدينية والمذهبية، وكثيرًا من الأمور الأخلاقية» أيضًا تتبع الإقليم بوجه عام، ودرجة الحرارة والبرودة بوجه خاص.إن جميع الأبحاث التي قام بها علماء التاريخ والاجتماع منذ عهد مونتسكيو إلى الآن، اتجهت اتجاهًا يخالف المزاعم المذكورة بوجه عام؛ لأنها دلَّت دلالةً قطعيةً على أن تفشي الجرائم، وإدمان المسكرات، وطغيان الشهوات، من الأحوال الاجتماعية المعضلة التي تتبع عوامل كثيرة، فتختلف لذلك اختلافًا كبيرًا في الإقليم الواحد بين سكان المدن والأرياف، وفي المدينة الواحدة بين الطبقات الغنية والفقيرة، وفي الطبقة الواحدة بين معتنقي مختلِف المذاهب والديانات، كما أنها تختلف في كل ذلك بين عهد وعهد، وبين قرن وقرن، فتعليل مثل هذه الأمور الاجتماعية المعضلة بتأثير الإقليم والحرارة مما لا يدل على فهم صحيح للحقائق الاجتماعية.وأمَّا تأسُّس نظم الاجتماع والحكم، وانتشار الديانات والمذاهب، ونشوء نزعات السلم والحرب؛ فهي من الحادثات التي تتبع سلسلةً طويلةً ومتشابكةً من الوقائع التاريخية، والعوامل الاقتصادية، والتطوُّرات الفكرية والاجتماعية.إن تعليل وتفسير مثل هذه الحوادث التاريخية والاجتماعية المعضلة، بالعوامل الطبيعية البسيطة — مثل درجة الحرارة، والعرض الجغرافي، وخصوبة الأرض — مما لا يتفق مع حقائق العلم الحديث واتجاهاته أبدًا.•••إذا رجعنا إلى مقدمة ابن خلدون وأنعمنا النظر فيها على ضوء ما ذكرناه آنفًا؛ وجدنا أنها كانت أكثر فهمًا للحقائق الاجتماعية، وأشد تمشيًا مع مناحي الأبحاث العلمية.إن ابن خلدون أيضًا قال بتأثير الإقليم والطبيعة في أخلاق الإنسان وطبائعه، ولكنه لم يغالِ في هذا المضمار كما غالى مونتسكيو، فلم يقع في الأخطاء التي وقع فيها هذا المفكر المشهور.بما أننا اتخذنا آراء ابن خلدون في طبائع الأمم وعوامل التاريخ موضوع دراسة خاصة، لا نرى لزومًا لإطالة الكلام في هذا المقام، بل نحيل القارئ إلى تلك الدراسة في القسم الثالث من هذا الكتاب.إن مطالعة تلك الدراسة — ومقارنة الآراء المذكورة فيها بالنظريات المسرودة آنفًا — يُظْهِر بوضوح أعظم أن ابن خلدون كان أقرب إلى فهم «طبيعة الحياة الاجتماعية»، وإلى إدراك «روح التاريخ وفلسفته» من مونتسكيو بدرجات، على الرغم من أنه كان قد عاش وفكَّر وكتب قبله بمدة طويلة تقرُب من أربعة قرون.
١ إن رئاسة المحاكم كانت تنتقل في ذلك العهد من شخص إلى شخص، عن طريق البيع والشعراء، كما كانت تنتقل عن طريق الإرث.
٢ في تاريخ نشر روح القوانين كان الباحث الاقتصادي المشهور «كنه Quesnay» في العقد السادس من عمره، و«آدم سميث» A. Smith في العقد الثالث.
٣ يبحث مونتسكيو في الفصل العاشر من الكتاب الثامن عشر في «عدد النفوس بالنسبة إلى نحلتهم المعاشية»، كما يبحث في الفصل الرابع عشر من الكتاب الثالث والعشرين في عدد النفوس بالنسبة إلى أنواع المزروعات. بما أن ذلك لا يدخل في نطاق علاقة النفوس بأحوال الدول، لقد تركت الآراء التي أبداها مونتسكيو في هذا الصدد خارجًا عن البحث والمقارنة.





