مونودراما الأذن / بلعربي خالد

(ظلام تام. صوت انفجار هائل يهز المكان. صمت طويل. ثم يُسمع صوت رجل يتنفس بصعوبة.)
الرجل:
في ذلك اليوم… انفجر شيء .
لا أعرف…
هل كان الانفجار في الخارج؟
أم أنه كان في داخلي؟
سقط الجميع على الأرض.
بعضهم فقد بصره…
بعضهم فقد عقله…
بعضهم فقد صوته…
وبعضهم فقد سمعه.
أما أنا…
(يصمت قليلًا.)
لم أفقد شيئًا.
نعم…
لا شيء.
وهذا هو الشيء الغريب.
(ينهض ببطء.)
أود أن أوضح لكم أمرًا مهمًا…
المشكلة الوحيدة…
أن أذني أصبحت غير طبيعية.
(ينظر حوله بحذر.)
لا، لا أقصد أنها كبيرة.
الجميع يملك أذنًا.
حتى المدير الذي لا يسمع الموظفين…
لديه أذنان.
لكن غالبًا للزينة فقط.
أما أذني…
فقد أخذت عملها بجدية.
بل أكثر من اللازم.
لقد بدأت تسمع…
ثم بدأت تسمع أكثر…
ثم أصبحت لا تعرف متى تتوقف.
في البداية…
كانت أذنًا عادية.
تسمع ما أقوله…
وتنقل لي ما يقال.
ثم بدأت تتجاوز صلاحياتها.
لم تعد تكتفي بما يحدث أمامي…
بل بدأت تبحث عما يحدث خلفي.
الناس يدفعون المال لمعرفة أخبار الآخرين…
أما أنا…
فكنت أحصل عليها دون أن أطلب.
كانت نعمة!
(ابتسامة قصيرة.)
نعم…
كانت نعمة…
حتى اكتشفت أنني لم يعد لدي مكان أضع فيه نفسي.
لقد فقدت القدرة…
على ألا أسمع.
(إضاءة خفيفة. يجلس على ركبتيه.)
منذ تلك اللحظة…
لم تعد أذني تسمع الأصوات فقط…
بل أصبحت تبحث عنها.
في البداية ظننت أنني أصبحت إنسانًا استثنائيًا.
كنت أعرف موعد وصول الماء قبل الجيران.
كنت أسمع الهواء وهو يمر داخل الأنابيب.
كنت أعرف من يصعد الدرج…
من خطواته.
ومن طريقة تنفسه.
كنت أعرف من هو متعب…
ومن هو غاضب…
ومن يخفي شيئًا.
كنت عبقريًا!
(يضحك.)
الناس تحتاج إلى الأخبار…
وأنا كنت أعيش داخل مصنع أخبار.
لكن المشكلة…
أن هذا المصنع…
لم يكن يغلق أبدًا.
(يتقدم نحو الجمهور.)
هل تعرفون ما هو أسوأ شيء؟
ليس أن تسمع كل شيء…
الأسوأ…
أن تصبح منتظرًا لسماع شيء.
تخرج إلى الشارع…
ليس لترى الناس…
بل لتسمعهم.
في الحافلة…
لم أعد أسمع صوت المحرك.
كنت أسمع الركاب.
رجل يجلس أمامي…
كان يحدث نفسه بصوت خافت.
كان يفكر في ترك زوجته.
لم يخبر أحدًا…
لكن أذني كانت هناك.
امرأة بجانبه…
كانت تخفي رسالة في هاتفها.
وشاب يضحك بجانب فتاة…
ليس لأنه سعيد…
بل لأنه يحاول أن يخفي خوفه.
كنت أعرف حياة الجميع…
(يصمت.)
إلا حياتي.
أما في العمل…
فأصبحت المسألة كارثة.
كنت أعرف ما يقوله الزملاء عني بعد خروجي.
كنت أعرف من يبتسم لي احترامًا…
ومن يبتسم لأنه يريد شيئًا.
لم يعد أحد يستطيع خداعي.
لكنني اكتشفت أمرًا مرعبًا…
عندما تعرف كل شيء عن الناس…
تفقد قدرتك على محبتهم.
(بفرح مصطنع.)
أصبحت مشهورًا.
جاءني الناس سرًا.
واحد يريد أن يعرف ماذا قالت زوجته.
آخر يريد أن يعرف ماذا يقول عنه المدير.
ثالث يريد معرفة رأي الجيران في سيارته.
كنت مثل جهاز تسجيل…
يمشي على قدمين.
لكن الفرق…
أن جهاز التسجيل يُغلق آخر النهار.
أما أنا…
فلم يكن لدي زر إيقاف.
(صمت طويل.)
بعد سنوات…
اكتشفت أن رأسي لم يعد ملكي.
كان ممتلئًا بأصوات الآخرين.
أصوات لا تخصني.
ضحكات لا تخصني.
مشاكل لا تخصني.
أسرار لا تخصني.
استيقظت ذات صباح…
وسألت نفسي:
“من أنا؟”
(ينظر إلى الفراغ.)
فجاءني الجواب من داخلي:
“لا أعرف…
اسأل الآخرين.”
(يقف أمام المرآة.)
هذه الأذن أخذت مني كل شيء.
أخذت هدوئي.
أخذت نومي.
أخذت قدرتي على النظر إلى إنسان…
دون أن أبحث عمّا يخفيه.
لقد جعلتني أعيش حياة ألف شخص…
ولم تترك لي حياة واحدة.
(يخرج أداة القطع بهدوء. لا خوف، بل قرار.)
غدًا سيقول الناس:
“الرجل المجنون قطع أذنه.”
سيضحكون.
سيحللون.
سيخترعون القصص.
وسأكون أنا…
للمرة الأولى…
لا أسمعهم.
(يصمت. يبتسم.)
يا لها من لحظة جميلة…
أن يكون لديك سر…
لا يعرفه أحد.
(يتوقف. يضع يده على أذنه.)
لكن هناك سؤال أخير…
إذا قطعت أذني…
من سيخبرني…
ماذا يقول الناس عني؟
(ابتسامة ساخرة.)
آه…
حتى وأنا أتخلص منها…
ما زلت أفكر بصوتها.
(إظلام تام.)
النهاية



