مونودراما الأنف / بلعربي خالد

(إضاءة خافتة، رجل يقف في منتصف الخشبة، يضع يده على أنفه الكبير، يتنفس ببطء، ثم يواجه الجمهور)
أيها السادة… لا تظنوا أن قصتي تشبه قصة ذلك الكاتب الروسي العظيم غوغول، الذي جعل أنفًا يهرب من صاحبه ويعيش حياة مستقلة. لا، لا… قصتي مختلفة. قصتي ليست هروب أنف، بل سجن إنسان.
لقد وُلدت بأنفٍ أكبر من كل أنوفكم جميعًا. أنفٍ يسبقني في كل خطوة، يقرر عني، يضحك عليّ، ويجرني إلى أماكن لا أريدها.
أنفي ليس مجرد عضوٍ في وجهي، إنه الحاكم الخفي لمملكتي الصغيرة. حتى عندما أرفع الكأس لأشرب، يسبقني هو، يبعد الكأس وكأنه يقول: “ليس الآن… انتظر قليلًا!” فأضحك… ثم أبكي… ثم أضحك من جديد. أي عبث هذا؟
جيراني لا يتركونني وشأني. أحدهم يقول: “لقد كبر أنفك، لابد أن تجد له زوجة!” والآخر يضحك: “إذا أنجب أنفك يومًا، فأنا أريد واحدًا مثله.” أما طفل صغير، ببراءته القاسية، فسألني: “هل ينام أنفك معك أم ينام وحده؟”
أصواتهم تلاحقني، كأنها صدى داخلي لا يتوقف، تذكرني بأنني لم أعد رجلًا في نظرهم… بل مجرد ظل لأنفٍ قرر أن يحتل حياتي.
حاولت أن أحب… حاولت أن أقترب من امرأة، لكن أنفي سبقني، اصطدم بها، فابتعدت مذعورة. حاولت أن أعيش مثل الآخرين، أن أعمل، أن أبيع وأشتري، لكن أنفي كان حاضرًا قبلي في كل مكان.
أحيانًا أسأل نفسي: هل أنا من يملك أنفًا؟ أم أن أنفي هو من يملكني؟ هل أنا عماد ترتلي؟ أم مجرد رجل يحمل أنفًا قرر أن يعيش حياة خاصة به؟
لكن رغم أنفي… نعم، رغم أنفي، سأعيش. سأضحك. سأروي قصتي. سأحوّل لعنتي إلى حكاية، وسأجعل من أنفي بوقًا يصرخ بالعبث، لا علامةً على الخذلان.
أيها السادة… أنفي هو أنا، وأنا هو أنفي. ومن أراد أن يسخر، فليسخر. ومن أراد أن يبكي، فليبكِ.
أما أنا… فسأظل أضحك.
رغم أنفي.
(إضاءة تنطفئ تدريجيًا، يظل الرجل واقفًا، يرفع رأسه عاليًا، كأن أنفه يطل على الجمهور، ثم يسدل الستار)





