طبائع الأمم وسجاياها/ساطع الحصري
٤
- (١) يهتم ابن خلدون بوجه خاص بالعوامل الاجتماعية، ويتوسَّع ويتعمَّق في درس تأثير هذه العوامل في تكوين الطبائع والسجايا الخلقية والعقلية، فإنه يرى أن خصال البأس والشجاعة، والانقياد والطاعة، وجميع مذمومات الخلق ومحموداته، حتى الذكاء والكياسة والفطنة والنباهة، كلها تتأثَّر من الحياة الاجتماعية تأثُّرًا شديدًا.ويتأتَّى هذا التأثير — في نظر ابن خلدون — من النحلة المعاشية في الدرجة الأولى؛ فإن المؤلف يفتتح الفصل الأول من الباب الثاني بتقرير المبدأ التالي:«إن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش» (ص١٢٠).ويبرهن على المبدأ المذكور بقوله: «فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله» (ص١٢).وأمَّا كيفية تأثير النِّحْلة المعاشية في الطبائع والسجايا، فيوضحها ابن خلدون بفضل أفعولتين نفسيتين مهمتين:الأولى: الألفة والاعتياد، والثانية: الممارسة والمران.
- (أ) إن أثر الأُلْفَة والاعتياد في طبائع الإنسان يقرِّره ابن خلدون بالعبارات التالية:«إن النفس إذا أَلِفَت شيئًا صار من جِبِلَّتها وخِلْقَتها» (ص٩٠).وإذا «أَلِفَ الإنسان بعض الأحوال» صار ذلك له خلقًا ومَلَكَةً وعادة، تنزل منزلة الطبيعة والجِبِلَّة (ص١٢٥).
- (ب) وأمَّا أثر الممارسة والمران في زيادة قابليات الإنسان، فيقرِّره ابن خلدون بالعبارات التالية:«إن الأفعال لا بد من عَود آثارها على النفس» (ص٣٩٩).«القريحة مثل الضرع تزيد بالامتراء، وتجف بالترك والإهمال» (ص٥٧٥).«العلوم والصنائع يحصل منها زيادة عقل.» «كل صناعة يرجع منها إلى النفس أثر يُكْسِبها عقلًا جديدًا» (ص٤٢٨).النِّحلة المعاشية تولِّد بعض الطبائع والسجايا الخاصة بفضل هاتين الأفعولتين النفسيتين.فإن الحياة الاجتماعية — ولا سيما النِّحلة المعاشية — تحمل الأفراد على القيام ببعض الأفعال والأعمال، وتكرُّر هذه الأفعال والأعمال طول حياة الأفراد — بل على مدى الأجيال والأحقاب — يؤدي إلى ترسيخ بعض الاعتيادات، وتوليد بعض الملكات، وتزييد بعض القابليات، وتنقيص بعض القوى، وكل ذلك يعني تكوين بعض الطبائع والسجايا، وتزييد بعض القوى والقابليات.
- (٢) ابن خلدون يتتبع نتائج هذه المبادئ، ويتوسَّع في درسها، ويتعمَّق في تعليلها بشكل يستثير الإعجاب.ولأجل أن نحيط علمًا بآراء ابن خلدون في أثر النِّحلة المعاشية في تكوين الأخلاق والطبائع والسجايا حق الإحاطة، يجب علينا أولًا أن نستعرض أنواع النحل المعاشية التي يشير إليها.يشرح ابن خلدون وجوه المعاش في فصل خاص، ويحصر النِّحَل المعاشية — من حيث الأساس — في الأمور التالية؛ الاصطياد، الفلاحة، الصناعة، والتجارة (ص٣٨٣).غير أنه يقسم الفلاحة — في فصل آخر — إلى نوعين أساسيين؛ الأول تربية الحيوانات، الثاني زراعة النباتات (ص١٢٠).كما أنه يقسم الصناعة — في فصل آخر — إلى ثلاثة أقسام؛ الأول ما يختص بأمر المعاش، الثاني ما يختص بالأفكار، والثالث ما يختص بالسياسة (ص٤٠٠). ويعتبر من الأول؛ الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها، ومن الثاني؛ الوراقة (وهي معاناة الكتب بالاستنساخ والتجليد)، والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك، ومن الثالث؛ الجندية وأمثالها (ص٤٠٠).لا يهتم ابن خلدون لنحلة الاصطياد، ولا يعود إليها بعد أن يذكرها عَرَضًا خلال بحثه عن وجوه المعاش، وأمَّا بقية النِّحَل المعاشية، فإنه يدرسها بتفصيل وافٍ، ويقرِّر تأثيراتها في العقول والأخلاق بتوسُّع وتعمُّق في عدة فصول.
- (٣) وبما أن ابن خلدون يُقسِّم البشر إلى «بدو وحضر» — بالنظر إلى نوع نِحْلتهم المعاشية وأسلوب حياتهم الاجتماعية — فإنه يتوسع بوجه خاص في إظهار تأثيرات حياة البداوة والحضارة في الأخلاق والعقول، ويقرِّر في هذا المضمار القضايا التالية:
- أولًا: أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.
- ثانيًا: أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.
- ثالثًا: أهل الحضر أكثر ذكاءً وفطنةً من أهل البدو.
- (أ) يقرِّر ابن خلدون القضية الأولى ويعلِّلها في فصل خاص (ص١٢٥)، حيث يقول:«والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في نعيم الترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى مواليهم، والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولَّت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والحِرْز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم غارون آمنون، قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزَّلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم، حتى صار ذلك لهم خلقًا يتنزَّل منزلة الطبيعة.»إلا أن أهل البدو فهم — «لتفرُّدهم عن المجتمع، وتوحُّشهم في الضواحي، وبُعْدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب — قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، دائمًا يحملون السلاح، ويلتفتون عن كل جانب في الطرق، ويتجافَون عن الهجوع إلا غرارًا في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجَّسون للنبآت والهيعات، ويتفرَّدون في القفر والبيداء، مُدْلِين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقًا، والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم داعٍ واستفزَّهم صارخ» (ص١٢٥).هذا ويلاحظ ابن خلدون — في فصل آخر — أن بين البداوة وبين الحضارة درجات عديدة، وأن بعض الأقوام تكون في حالة انتقال من البداوة إلى الحضارة، ويقرِّر أن الشجاعة تتناقص كلما زاد القوم اتصالًا بحياة الحضارة وتباعدًا عن حياة البداوة:«لما كانت البداوة سببًا في الشجاعة، لا جَرَمَ كان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعةً من الجيل الآخر، بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الأعصار، فكلما نزلوا الأرياف وتفنَّقوا النعيم، وأَلِفُوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم؛ نقص من شجاعتهم بقدر ما نقص من توحُّشهم وبداوتهم» (ص١٣٨).
- (ب) وأمَّا القضية الثانية — وهي القائلة «إن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر» — فيشرحها ابن خلدون أيضًا في فصل خاص:«وسببه؛ أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيأةً لقَبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر، وبقدر ما سبق إليها من أحد الخُلُقين تبعد عن الآخر، ويصعب عليها اكتسابه. فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير، وحَصَلَتْ لها ملكته؛ بَعُدَ عن الشر، وصَعُبَ عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه عوائده» (ص١٢٣).«وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ، وعوائد الترف، والإقبال على الدنيا، والعكوف على شهواتهم منها؛ قد تلوَّثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر، وبَعُدَت عليهم طرق الخير ومسالكه، بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهب عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم.»وأمَّا أهل البدو «وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم، إلا أنه في المقدار الضروري، لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها؛ فعوائدهم في معاملاتها على نسبتها، وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير، فهم أقرب إلى الفطرة الأولى، وأبعد عمَّا ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها» (ص١٢٣).
- (جـ) وأمَّا القضية الثالثة — وهي القائلة بأن أهل الحضر أكثر ذكاءً وفطنةً من أهل البدو — فلا يفرد لها ابن خلدون فصلًا خاصًّا بها، بل يذكرها عَرَضًا في الفصل الذي يقرِّر «أن التعليم للعلم من جملة الصنائع» (ص٤٣٠–٤٣٤)؛ ولهذا السبب لم تستلفت هذه القضية أنظار الباحثين كثيرًا، مع أنها مسرودة في أواخر الفصل المذكور بوضوح تام:«ألا ترى إلى أهل الحضر من أهل البدو؟ كيف تجد الحضري متحليًا بالذكاء، ممتلئًا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله، وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما لا يعرفه البدوي. فلما امتلأ الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليماتها؛ ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها لكمالٍ في عقله، وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجِبلَّتها عن فطرته، وليس كذلك؛ فإنَّا نجد من أهل البدو من هو أعلى رتبةً في الفهم والكمال في عقله وفطرته، إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو رونق الصنائع والتعليم، فإن لها آثارًا ترجع إلى النفس كما قدمنا» (ص٤٣٣-٤٣٤).
- (٤) يبحث ابن خلدون في تأثير التجارة والصناعة أيضًا، ويظهر تأثير التجارة في الأخلاق، وتأثير الصناعة في العقول.
- (أ)يقول في فصل خاص: «إن خلق التجار نازلة عن خلق الرؤساء، وبعيدة عن المروءة.» ويعلل ذلك بما يلي:«إن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء، وجلب الفوائد والأرباح، ولا بد في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق، وممارسة الخصومات واللجاج، وهي عوارض هذه الحرفة. وهذه الأوصاف نَقْص من الذكاء والمروءة وتجرح فيها؛ لأن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس، فأفعال الخير تعود بآثار الخير والزكاء، وأفعال الشر والسفسفة تعود بضد ذلك، فتتمكن وترسخ إن سبقت وتكرَّرت، وتنقص خلال الخير إذا تأخَّرت عنها بما ينطبع من آثارها المذمومة في النفس، شأن الملكات الناشئة عن الأفعال.»«وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم؛ فمن كان منهم سافل الطور، محالفًا لأشرار الباعة أهل الفسق والخلاعة والفجور في الأثمان إقرارًا وإنكارًا؛ كانت رداءة تلك الخلق عنده أشد، وغلبت عليه السفسفة، وبَعُدَ عن المروءة واكتسابها بالجملة، وإلا فلا بد له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته» (ص٣٩٩).
- (ب)ويقول ابن خلدون في فصل خاص: «إن الصنائع تكسب صاحبها عقلًا، وخصوصًا الكتابة والحساب» (ص٤٢٨)، ويشرح ذلك ويعلله بما يلي:«إن النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة، وإن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدُّد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولًا، ثم ما يُكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكًا بالفعل وعقلًا محضًا، فتكون ذاتًا روحانية، ويستكمل حينئذ وجودها، فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلًا فريدًا.»«والصنائع أبدًا يحصل عنها وعن مَلَكتها قانون علمي مستفاد من تلك المَلَكة. فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلًا، والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادةً لذلك؛ لأنها تشتمل على العلوم والأنظار، بخلاف الصنائع، وبيانه أن في الكتابة انتقالًا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس، ذلك دائمًا. فيحصل لها مَلَكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة، فيكسب بذلك مَلَكةً من التعقُّل تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة فطنة وكيس في الأمور لما تعوَّدوه من ذلك الانتقال.»«ويلحق بذلك الحساب؛ فإن في صناعة الحساب نوع تصرُّف بالعد وبالضم والتفريق، يحتاج فيه إلى استدلال كثير، فيبقى متعوِّدًا للاستدلال والنظر، وهو معنى العقل» (ص٤٢٩).
٥
إن التفاصيل التي ذكرناها آنفًا تدلُّنا على رأي ابن خلدون في «آثار الحضارة» في الطبائع بوجه عام، فإنه يعتقد أن وصول الحضارة إلى غايتها يؤدي إلى فساد الأخلاق من جهة، وزيادة العقل من جهة أخرى.
إن تأثيرات الحضارة في الأخلاق مشروحة بتفصيل وافٍ في الفصل الذي يقرر: «أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره ومؤذنة بفساده» (ص٣٧١–٣٧٤).
نجتزئ من الفصل المذكور بالعبارات التالية؛ لنتبيَّن رأي ابن خلدون في هذا الصدد:
«إن الحضارة تؤدي إلى الترف، والترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلُّق بعوائدها، والحضارة — كما علمت — هي التفنُّن في الترف واستجادة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه.»
«وإذا بلغ التأنُّق في هذه الأحوال المنزلية الغاية؛ تبعه طاعة الشهوات، فتتلوَّن النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة» (ص٣٧٢).
إن استفحال الحضارة والترف يقترن بوجه عام بارتفاع أسعار الحاجيات، فتزداد عندئذٍ مشاكل المعيشة بقدر ازدياد الحاجات وارتفاع أسعارها.
«فتعظم نفقات أهل الحضارة، وتخرج عن القصد إلى الإسراف، ولا يجدون وليجةً عن ذلك لما ملكتهم من أثر العوائد وطاعتها، وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات، ويتتابعون في الإملاق والخصاصة، ويغلب عليهم الفقر، ويقل المستامون للمبايع؛ فتكسد الأسواق، ويفسد حال المدينة، وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف.»
«وهذه مفسدات في المدينة، وعلى العموم في الأسواق والعمران، وأمَّا فساد أهلها في ذاتهم واحدًا واحدًا على الخصوص، فمن الكدِّ والتعب في حاجات العوائد والتلوُّن بألوان الشر في تحصيلها، وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها؛ ولذلك يكثر منهم الفسق والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه وغير وجهه، وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه، واستجماع الحيلة له (ص٣٧٢). فتجدهم أجرياء على الكذب والمغامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر بطريق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه، وتجدهم أيضًا أبصر بالمكر والخديعة يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر، وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادةً وخلقًا لأكثرهم.»
«ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة، ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم» (ص٣٧٣).
«ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها، لكثرة الترف»، فيقع التفنُّن «في شهوات البطن من المآكل والملاذ، ويتبع ذلك التفنُّن في شهوات الفرج بأنواع المناكح من الزنا واللواط»٢ (ص٣٧٤).
ولهذه الأسباب كلها يقول ابن خلدون:
«إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد» (ص٣٧٤).
وأمَّا رأي ابن خلدون في تأثير الحضارة في زيادة العقل وتقوية الذكاء، فمذكور في الفصل الذي يقرر فيه: «أن الصنائع تُكسب صاحبها عقلًا». فإنه يقول — في هذا الفصل — بعد أن يقرِّر أن الحنكة في التجربة تفيد عقلًا:
«والحضارة الكاملة تفيد عقلًا؛ لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس، وتحصيل الآداب في مخالطتهم، ثم القيام بأمور الدين، واعتبار آدابها وشرائطها، وهذه كلها قوانين تنتظم علومًا، فيحصل منها زيادة عقل» (٤١٨).
٦
يظهر مما تقدَّم كله أن ابن خلدون لا يغالي في تأثير البيئة الطبيعية، ولا يهتم بالأوصاف العرقية (الرسية)، بل يعتني كل الاعتناء بالبحث عن العوامل الاجتماعية، ويسعى كل السعي إلى إظهار أثر النِّحلة المعاشية، ويعطي هذه العوامل الموقع الأول في تكوين الطبائع والسجايا.
إننا نجد أن نظرية ابن خلدون في هذا الصدد ملخصة أحسن تلخيص، وموضَّحة أتم إيضاح، في سياق مقارنة أهل المشرق بأهل المغرب، في أحد فصول الباب السادس من المقدمة، وهو الفصل الذي يقرِّر «أن التعليم للعلم من جملة الصنائع» (ص٤٣٠).
فإننا نجتزئ من الفصل المذكور بالعبارات والفقرات التي تتعلَّق بهذه النظرية:
«أهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم وفي سائر الصنائع، حتى إنه ليظن كثير من رحَّالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب، وأنهم أشد نباهةً وأعظم كيسًا بفطرتهم الأولى، وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب، ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية، ويتشيَّعون لذلك، ويولعون به؛ لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع، وليس كذلك.»
«وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوُت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة، اللهم إلا الأقاليم المنحرفة، مثل الأول والسابع؛ فالأمزجة فيها منحرفة، والنفوس على نسبتها كما ترى.»
«وإنما الذي فضَّل أهل المشرق من أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من الفعل المزيد، كما تقدَّم في الصنائع.»
«ونزيده الآن تحقيقًا؛ وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم — في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا، وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرُّفاتهم — فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبَّسون به، من أَخْذٍ وترك، حتى كأنها حدود لا تُتعدَّى، وهي مع ذلك صنائع يتلقَّاها الآخر عن الأول منهم. ولا شك أن كل صناعة مرتَّبة يرجع منها إلى النفس أثر، يُكْسِبها عقلًا جديدًا تستعد به لقَبول صناعة أخرى، ويتهيَّأ بها العقل بسرعة الإدراك للمعارف.»
«ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تُدْرَك؛ مثل أنهم يعلِّمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم — من الماشي والطائر — مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها (صدورها)، ويعجز أهل المغرب عن فهمها.»
«وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاءً في عقله، وإضاءةً في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس؛ إذ قدَّمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كيسًا؛ لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية، فيظنه العامي تفاوتًا في الحقيقة الإنسانية، وليس كذلك» (ص٤٣٣).
بعد هذه الفقرات يقارن ابن خلدون الحضري بالبدوي من وجهة العقل والذكاء، ويكتب الفقرات التي نقلناها آنفًا — عندما سردنا رأيه في الفروق العقلية التي تميِّز الحضر من البدو — ويعلِّل هذه بتأثير الصنائع والعلوم، ثم يعود إلى مقارنة أهل المشرق بأهل المغرب قائلًا:
«وكذا أهل المشرق، لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبةً وأعلى قدمًا، وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة؛ ظنَّ المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في الحقيقة الإنسانية اختصوا به عن أهل المغرب، وليس ذلك بصحيح» (ص٣٣٤).
نحن نعتقد أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد ينمُّ عن ملاحظات دقيقة جدًّا وصائبة تمامًا.
١ نحن نلمح هنا أثر حدس عبقري لأسس نظرية المفكر الفرنسي آلفرد فوييه A. Fouillé في «الفِكَر القوانية idée-force»؛ إن الفيلسوف المشار إليه كان قد ميَّز «الفِكَر القوانية» التي تحمل على العمل من «الفكر الباهتة» التي لا تؤدي إلى عمل، واتخذ ذلك أساسًا لفلسفة خاصة، وأخلاق خاصة، واجتماعيات خاصة.
٢ إن العبارة الأخيرة محذوفة من الطبعة البيروتية المصرية، نقلناها عن طبعة مصطفى فهمي ص٢٩٤. إن كلمة الخصاصة مطبوعة غلطًا على شكل الخاصة.



