الضبع البني✍أمين الساطي

كان شتاءً قاسياً لم تعرفه قرية كفر دبيان، الواقعة في أعالي جبل كسروان، منذ أكثر من عشر سنوات. غطّت الثلوج بيوتها ذات القرميد الأحمر وأشجار البلوط والسنديان المحيطة بها لأكثر من أربعة أشهر متتالية، مما ترك انطباعاً بأنها قرية سويسرية في جبل لبنان.
كان أبو فراس يسرع في مشيته، محاولاً الوصول إلى بيته قبل حلول العتمة، تحسباً من وجود بعض الذئاب الجائعة، لأن تراكم الثلوج على الأرض قضى على مصادر رزقها من الحيوانات الصغيرة المنتشرة في الغابة. وعندما تجوع الذئاب، تسيطر عليها غريزة البقاء، فتبدأ في مهاجمة حظائر الحيوانات في القرية، وينتهي خوفها من الإنسان، لتنظر إليه كوجبة شهية تملأ بطونها.
بدأ الليل يرخي سدوله، وما زال أمامه حوالي نصف كيلومتر ليصل إلى بيته، فشعر بشيء من الارتياح. لم يبقَ سوى لحظات لينعم بالدفء مع زوجته وابنه الصغير.
فجأة، لمعت أمامه كتلة من الفراء البني، وصدر عنها صوت يشبه الضحك، مقلداً صوت طفل صغير. فتأكد، بحسب ما سمعه من سكان القرية، أنه ضبع مفترس. بدأت ركبتاه ترتجفان، وخاف أن لا تحمله ساقاه فيقع أرضاً ويصبح فريسة سهلة. أخذ يصرخ بأعلى صوته باسم كلبه “أسبر”، لعلّه يسمع صوته ويأتي لإنقاذه، وفي الوقت نفسه لعل صوته يخيف الضبع.
استمر الضبع بالتقدم نحوه، وقد شعر بغريزته أن أبا فراس لا يستطيع مقاومته. كان يضحك بنبرة أعمق وأقل حدة، تخرج ببطء مع انكشاف أنيابه. نظر في عينيه وهزّ ذيله بطريقة غريبة. فقد أبو فراس إرادته، وبدأ يضحك، ثم أخذ يسير خلفه كالمسحور.
اتجه الضبع نحو مغارته، حيث أولاده الصغار يكادون يموتون من شدة الجوع. وها هو قد جلب لهم أكثر من ثمانين كيلوغراماً من اللحم الطازج.
عندما سمع “أسبر” صوت صاحبه، بدأ يزمجر بشراسة وهو محبوس داخل الكوخ. ففتحت الزوجة الباب، متصورة أنه يريد قضاء حاجته. انطلق الكلب متتبعاً الأثر والرائحة، وبعد نحو ربع ساعة وصل إلى صاحبه، وبدأ بالعواء ومناوشة الضبع.
استفاق أبو فراس من تحت تأثير التنويم، ليجد نفسه أمام معركة بين الضبع وكلبه.
في البداية، فكر أن عليه مساعدة كلبه، لكن طبيعته الجبانة أوهمته أن الأفضل هو العودة إلى البيت وإحضار بندقية الصيد. كان يدرك أنه بذلك يفوّت أوان المساعدة، ومع ذلك ترك كلبه يقاتل وحده، وركض نحو بيته.
حاول أن يتماسك أمام زوجته، وأخذ بندقية الصيد قائلاً إنه سيذهب لقتال الضبع. بكت زوجته وسدّت الباب، مانعة إياه من الخروج ليلاً. كانت تعرفه جيداً؛ رجلاً لم يدخل معركة طوال حياته. فتظاهر بالبقاء، مطمئناً نفسه بأن “أسبر” قد قتل الضبع.
مع شروق الشمس، خرج مع جاره، الذي كان يحمل بندقية أوتوماتيكية، متتبعين الآثار حتى وصلا إلى مكان المعركة. كانت الأرض مغطاة بالدماء، وخيط من الدم يتجه نحو القمة، دون أي أثر لأسبر.
حاول الجار إقناعه بأن الضبع قتل الكلب وسحبه إلى مغارته، لكن أبا فراس رفض، وظل يصر على أن كلبه هو من قتل الضبع، كي لا يفضح نفسه أمام أهل القرية ويكشف جبنه.
مضى يومان ولم يعد “أسبر”. وبدأ أهل القرية، من فرط الفراغ، ينسجون الحكايات عن جبن أبي فراس، وكيف تخلى عن كلبه وتركه يموت. وفي قرية صغيرة، يفقد الفلاح كرامته حين يصبح أضحوكة.
أدرك أبو فراس أن عليه أن يأخذ بندقيته ويذهب لقتل الضبع، ليستعيد سمعته بين جيرانه.
خرج وحده هذه المرة، متتبعاً أثر الدم حتى وصل إلى المغارة. كان قلبه يخفق بعنف، لكن فكرة استعادة كرامته دفعته إلى الداخل.
كانت الرائحة خانقة.
رفع بندقيته بيد مرتجفة، وأطلق النار نحو الظل في عمق المغارة.
ثم تقدم ببطء.
تجمد في مكانه.
لم يكن هناك ضبع.
كانت أشلاء كلبه “أسبر” مبعثرة…
وبجانبها، آثار أقدام ضخمة… أعمق وأعرض.
وفي عمق المغارة…
ارتفع رأس دبٍ بني ببطء، وحدّق فيه.
ابتسم.
بنفس الضحكة التي قلدت صوت طفل صغير





