أنويّة المثقّف : حين تتضخّم “الأنا” ( الآيغو ):قراءة في ابتلاء الثقافة العربية المعاصرة بخطاب الذات✍ا.د/سيار الجميل

1- الاشكالية : من العيب أن يحضر ضمير المتكلم دوماً
في السنوات الأخيرة، أخذت تتكرّر عند بعض المثقفين والكتّاب العرب ظاهرة لافتة تتمثّل في حضور كثيف لضمير المتكلم، حيث تتوالى عبارات : “أنا أعتقد”، “أنا أرى”، “برأيي الشخصي”، “في تقديري الخاص” حتى يكاد النص يتحوّل إلى مرآة تعكس ذات المثقف أكثر مما تعكس موضوعه. وهذا ليس مجرد خيار أسلوبي بريء، بل تكشف عن تحوّل أعمق في تهشّم بنية الخطاب الثقافي، بتقدم الذات على الموضوع، ويصبح التعبير عن الرأي أقرب إلى إعلان للتنّطع دون البحث عن الحقيقة. ويمكن فهم ذلك سايكلوجياً في ضوء ما يُعرف بـ “النرجسية”، من خلال “الأنوية” القاتلة، وهو مفهوم تطوّر منذ سيغموند فرويد Sigmund Freud ليتضمّن أشكالًا متعددة من تضخم الذات. ويرى هنس كوهو ـ ـ Heinz Kohu مؤسس “علم نفس الذات”، أن الفرد قد يلجأ إلى تضخيم “الأنا” كي يسدّ النقص الداخلي في التقدير. أما أرك فروم Erich Fromm، فقد ربط بين النرجسية والسياق الاجتماعي، معتبرًا اياها نتاجً ثقافة الاستعراض الفردي بدل الانخراط الجمعي.
2- حين تطغى الذات والأنا على الموضوع
غير أن هذه الظاهرة لا تُفهم فقط من زاوية المرض أو الاضطراب. فليست كلّ كتابة ذاتية مرضية، بل إن حضور “الأنا” قد يكون ضروريًا في بعض الأجناس الأدبية، كالمقال التأملي أو السيرة الذاتية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل “الأنا” إلى مركز استحواذ، وحين يفقد النص توازنه بين الذات والموضوع. في التحليل النفسي الكلاسيكي، كما عند Sigmund Freud، تُعدّ “الأنا” (Ego) وسيطًا بين الرغبات الداخلية والواقع الخارجي، لكن حين تختل هذه المعادلة، تميل الأنا إلى تضخيم نفسها لتعويض شعور دفين بالنقص أو عدم الأمان. أما في علم النفس الحديث، فقد تطوّر المفهوم ليشمل ما يُعرف بـ اضطراب الشخصية النرجسية، حيث يسعى الفرد إلى تأكيد ذاته باستمرار، ويجد صعوبة في الاعتراف بحدوده أو بفضل الآخرين. لنأخذ مثالًا بسيطًا: كاتب يناقش قضية تعليمية، فيقول: “أنا أرى أن التعليم في بلادنا يعاني من أزمة عميقة، وأنا أعتقد ..، وأنا أؤكد ”. هذا التكرار لا يضيف قوّة للحجّة، بل يضعفها، لأنه يجعل القارئ أو السامع يشعر بأن المثقف يفرض رأيه بدل أن يبرره. في المقابل، يمكن صياغة الفكرة نفسها بأسلوب أكثر تواضعًا من دون ” الأنوية “. هنا، تتراجع “الأنا” لصالح الفكرة، ويُفتح المجال أمام القارئ للتفكير والمشاركة. أعرف بعض المثقفين يتحاشون الالتقاء مع أحدهم لأنه يُسكت الجميع ليتحدّث عن نفسه وذاته ومنجزاته !
3- عندما يشعر المثقف أنه أكبر من حجمه الطبيعي
انها مشكلة متوارثة -كما يبدو – ، فقد لوحظ حضور قوي للذات عند بعض الأسماء الكبيرة مثل : محمد حسنين هيكل ومحمد عابد الجابري وأدونيس ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي وأنسي الحاج وغيرهم . وتكاد تختفي “الأنا” عند : فؤاد زكريا وأنور عبد الملك وعبد العزيز الدوري وعبد الله العروي وهشام جعيّط وغيرهم بالرغم من أنّ مكانتهم كبيرة كونها متكئة على تجربة عميقة ورؤية فكرية متماسكة وتخصّصاتهم محترمة . انّ المشكلة تظهر بشكل جلي عند بعض المثقفين الجدد، واستخدامهم “الأنا” بكثافة دون سند معرفي كافٍ، فتتحوّل إلى استعراض لفرض الحضور. استمعت الى حوار مع مثقف عراقي ومعرفته ضحلة وثقافته هزيلة ، ردّد كلمة ” أنا أعتقد” خلال نصف ساعة أكثر من مائة مرة ! لماذا ؟ لأنه لم يصّدق حجمه ! ويتفاقم الأمر عند آخر يتنطع دوماً بلقب دكتور “انا الدكتور ” لمرات.. وآخر يكرر ” لولاي لما “. وتأتي هذه العادة لعدم ثقة صاحبها بمعلوماته فيغّلب ذاته من أجل اقناع الآخرين بثقافتهِ ، أو يصدّق كذبته متخيّلاً أنه محور العالم.
وفي السياق الغربي، لا تغيب هذه الظاهرة تمامًا، لكنها تأخذ أشكالًا مختلفة. بعض الكتّاب مثل Michel Foucault أو Roland Barthes سعوا إلى تقليص حضور الذات في النص، بل إن الأخير أعلن “موت المؤلف” كفكرة نقدية تهدف إلى تحرير النص من سلطة الكاتب. في المقابل، نجد كتّابًا آخرين يستخدمون “الأنا” بكثرة، خصوصًا في الخطابات الشفوية أو المحاضرات التحفيزية، لكن هذا الاستخدام غالبًا ما يكون مقصودًا لبناء علاقة مع الجمهور، لا لفرض الرأي. أو التنطّع أمام الطلبة والطالبات في قاعات التدريس حيث تصل المهزلة في جامعات عربية ان يترك الاستاذ الدرس ليحكي عن بطولاته كونه دون جوان ، ويستعرض نفسه بلا خجل !
4- الاستعلاء الفارغ مرض المثقفين العرب
يمكن أن نجد هذا الاستعلاء عند بعض المتحدثين سواء في سياقات أكاديمية، أو ثقافية واعلامية مثل البرامج الحوارية أو الخطابات السياسية. انه هنا ام في الانشطة الفكرية الرصينة، يُعدّ هذا التكرار والأنوية وطغيان الذات ضعفًا أسلوبيًا وهشاشة اخلاقية ويُنظر إليه على أنه افتقار إلى الثقة في الفكرة نفسها. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التوازن بين الذات والموضوع في الثقافة العربية. لا المطلوب إلغاء “الأنا”، بل تهذيبها، وجعلها أداة للتعبير لا وسيلة للهيمنة والتنطّع . فالتواضع المعرفي، كما يؤكد كثير من المفكرين، ليس علامة ضعف، بل شرط من شروط التفكير النقدي. إنّ المثقف الحقيقي لا يُقاس بمدى حضوره في النص أو في المكان ، بل بقدرته على إفساح المجال للفكرة كي تتنفس، وللآخر كي يشارك. واحترامه لمن هو أكبر منه وأقدم منه ، وحين ينجح المثقف في تحقيق التوازن، يتحوّل خطابه من ذاتي مغلق إلى فضاء معرفي مفتوح، يتلاقى بدل أن يتصادم.
5- سبل المعالجة
لا تكمن سبل المعالجة، في إلغاء “الأنا”، بل في تهذيبها. وثمة توصيات عملية أتمنى أن يتعلمها الناس:
أولًا، تنمية ما يُعرف بـ “التواضع المعرفي”، أي إدراك أن المعرفة نسبية، وأن كل رأي قابل للمراجعة. هذا لا يُضعف المثقف، بل يمنحه مصداقية أكبر.
ثانيًا، تدريب النفس على استخدام صيغ أكثر انفتاحًا وتواضعاً ، مثل “يبدو أن” أو “يمكن القول”، بدل الصيغ القطعية التي تتمحور حول الذات.
ثالثًا، تعزيز ثقافة القراءة النقدية، بحيث يطّلع المثقف على نماذج متنوعة من الكتابة الرصينة التي توازن بين الذات والموضوع.
رابعًا، الانخراط في حوارات فكرية حقيقية، حيث يتعلم المثقف أن رأيه ليس الوحيد، وأن الحقيقة تُبنى جماعيًا. وأن التواضع سمة الكبار .
6- وأخيرًا، من تواضع أمام الله والناس ، ارتفع معرفياً وأخلاقياً
لا بد من الإشارة إلى أن الثقافة والكتابة، في جوهرها، فعل أخلاقي قبل أن تكون مهارة لغوية. والتواضع ليس مجرد فضيلة شخصية، بل شرط من شروط المعرفة نفسها. فكلّما خفّ صوت “الأنا” المتعالية، ارتفع صوت الفكرة، واتسع أفق النص. بهذا المعنى، ليست المشكلة في أن يقول المثقف “أنا”، بل في أن ينسى أن الحقيقة لا تُختزل في ضمير، وأن المعرفة لا تُبنى بصوت واحد.





