كم انجزت دراسات وبحوث على هذا النوع من الحالات في العالم ، ولكنها لا تستوي ابدا مع الحالات التي تحدث في المجتمع العراقي بشكل يثير الاستغراب حقا والدهشة أحياناً ، بل ويصل مداه الى حدّ يثير القرف .. وليس هناك من اسباب وعوامل تفاقم هذه الظاهرة في العراق الا جراء التفاوت الشاسع في المستويات الثقافية والتمايزات الاجتماعية وحجم الفوارق في البيئات والتباين في العادات والموروثات بحيث أنتجت سياسات ظالمة وغاشمة من قبل أيّة سلطات يستحوذ عليها هذا ليكون ضدّ ذاك ، واذا كان ذلك على مستوى أفراد ومجموعات ، فكيف الحال بالنسبة الى شرائح كاملة في المجتمع بحيث تمحى حقوق من هو أفضل بأيّ حالٍ من الأحوال . والمجتمع متنافر بطبيعته حتى ضمن وحدة المدينة الواحدة ، أو الملّة الواحدة ، أو وحدة العشيرة الواحدة ، أو ضمن دائرة التخصص الواحد .. فكلّ من يمتلك السلطة والوسيلة يقوم بتغييب من هو أفضل منه عشرات المرات كي يشعر بالتسيّد أولاً وأخيراً . ان هذه الظاهرة موجودة في كل مجتمعاتنا ، ولكنها تفوقت في المجتمع العراقي كثيرا .
ثانياً : تفكيك الظاهرة ونقدها
يوم أمس الأول اتصّل بي تلفونياً الفنان المخرج فاروق صبري وأخذ يحدّثني عن معاناته ومعه الالاف المؤلفة من العراقيين سواء كانوا فنانين أم مثقفين أم مبدعين أم اساتذة ومفكرين وقد تمّ اهمالهم من قبل بني جلدتهم ، وطلب مني السعي لعمل شيئ ما لتوسيع دائرة الرؤية واشعار العالم بما يجري نظراً لتفاقم مثل هذه ” الظاهرة ” التي يعاني منها هؤلاء .. وسواء كانوا في دواخل العراق أم في شتات الارض . انّ معاناتهم من قبل أناسٍ لا يطيقون ذكر المتميزين ليس في دواخل العراق وحده، بل في كلّ ارجاء العالم . تجد المهرجانات حكراً على أسماء معينّة أو ممّن يستضيفونهم لأسباب دعائية وسياسية .. وكذلك مؤتمراتهم ومناسباتهم واختيار من هم أقل كفاءة ومرتبة ليكونوا مرآة لوجه العراق الذي باتت صورته مخجلة وفاسدة بتصرفات بعض ابنائه وبناته أمام العالم .. والتعمّد في اقصاء الاكفأ والافضل .. تجد حتى على مستوى العلاقات لبعض من يسمّون الان بمثقفين جدد أنّهم يتباهون بغير العراقيين دوما وينكرون عن قصد وعمد اسماء جديرة بالاحترام من أبناء وطنهم لأغراض مبيتّة سياسيّة أو فكرية أو طائفية أو محلّية جهوية ! هذا ان سلم من ألسنتهم وتعدّياتهم اذ تصل درجة الكراهية الى عنان السماء . لقد بات الإقصاء والتهميش حتى على مستوى الفرد الواحد ممن يبني فهمه للاخر من خلال الاهواء أو المحكيّات أو ما سمعه هذا عن ذاك من تشويهات وتسقيط ونيل من السمعة ! والمشكلة الاجتماعية أنّ الناس تصّدق بأيّ هذيان من دون التحقّق والتدبّر من صحة ما يقول هذا وما يرويه ذاك . بل وغدا من ينتقد أي وضع سيئ ينالون منه ويشّوهون سمعته .
ثالثاً : مغنية الحي لا تطرب !
ليس هناك عراقي أفضل من الآخر اّلا بما يقدّمه هذا من ابداعات أو خدمات أو أعمال ازاء ذاك او غيره من الآخرين .. وليس هناك مجموعة أفضل من أخرى الا بمقدار ما تقدمّه للمجتمع .. والسؤال الذي أسمعه دوما : لماذا يمارس العراقيون اسلوب الاقصاء والتهميش أزاء بعضهم الآخر ؟ قالوا قديما : ” مغنية الحي لا تطرب” ! وقد صدقوا في قولهم ، فان برز أيّ فنان عراقي في المنطقة أو اشتهرت أقوى معمارية في العالم أو ذاع اسم أيّ عالم من العلماء .. لا يلتفت الى هؤلاء أحد بل يتعّرضون الى اساءات واتهامات ! وان حاضر أحدهم ترك ذكر أيّ مؤلف عراقي لزميله أو استاذه في محاضرته عن قصد وركض الى هذا من مصر وذاك من لبنان وتلك من المغرب .. ! اذا طالب أيّ عراقي بحقّه أو استحقاقه لما ناله من غبن ولما أصابه من ظلم ، نال الجميع منه ولم يقف معه أحد ..ان كره أحدهم من هو أفضل منه تجده يسيئ اليه بل ويشوّه سمعته بين الناس حتى على مستوى أساتذة جامعات ! ولما كانت الناس ليست على درجة عالية من الوعي والادراك ، فهي تصدق الاكاذيب والشائعات !
رابعاً : المجتمع بيت الداء
انّ قضايا التفاوت الاجتماعي تمتّد إلى ما هو أبعد من هو عادي بين الناس، فالأحقاد كبيرة والكراهية في المجتمع قد ازدادت كثيراً .. والسعي للشهرة غدا بوسائل لا اخلاقية ، بحيث تجد أسماء من الاميين والطفيليين والجهلة الاغبياء والببغاويين يحتلون مراكز ومناصب ومواقع لا يمكنهم البتة ان تكون لهم .. فغاياتهم تبقى فعّالة في اقصاء الفضلاء والعلماء وذوي المواهب ليكونوا هم بدائل عنها وهذا ما تعانية كلّ مؤسسات العراق . واذا كان الاقصاء والتهميش يتمّ سابقاً لأسباب تتعلّق بالتفاوت الطبقي أو بالتخوّف السياسي أو التخندق الحزبي أو بالتبيؤ الثقافي أو بالصراع الايديولوجي فهو اليوم تتلاعب فيه تناقضات عرقية وطائفية واجتماعية وايديولوجية ومصالح شخصية او فئوية سواء في الدواخل أم في الشتات البعيد ..
لا يمكن أبداً أن نمّيز بين العراقيين بسبب هجرة الملايين من العراقيين الى شتات العالم من دون معرفة كم دفعوا من أثمان في غربتهم القسرية .. وأغلبهم اليوم من المنسيين في كلّ مهاجرهم ومنافيهم ، لكنهم لم ينسوا بلدهم أبداً فالعراق يعيش معهم وهم يخدمونه أينما كانوا .. ولكن يعتبرهم اهل الدواخل طرداء وغرباء وكأنهم يريدون محوهم من الذاكرة العراقية .
خامساً : تفاقم حجم الظاهرة
صدقوني ليس هناك من صعوبة بالغة واحساس بالمرارة عند من يشعر انه قد أقصي من قبل ابناء بلده، وهو يشعر بأنّه قد أهمل على حساب صعود من ليس أهلا لا في فنه او علمه أو اخلاقياته . فالمراجع العلائقية والاجتماعية، والأسئلة حول الانتماء تكتسب أهمية وتكمل أبحاث التفاوت “العمودي” التقليدية. وفي كثير من الحالات، يُنظر إلى موضوع الإقصاء والتهميش باعتباره “السؤال” الاجتماعي للقرن الحادي والعشرين. كيف ولماذا تطوّرت مفاهيم الإقصاء والتهميش. وما هي التطوّرات الاجتماعية التي استجابت لها ؟ وفي أيّ سياق ظهرت؟ ليس كلّ من اغترب قد انفصل عن وطنهِ وأهلهِ وهو لم يحرق ذاكرته ولم يتنكّر لوجودهِ .. الكثيرون يلحظون أنّ هناك اقصاء متعمّداً وتجاهلاً واضحاً والعراق أجده يتفّرد بهذه الصفة الرديئة التي تعكس طبيعة المجتمع وتناقضاته وتباين مستويات تفكيره .. واذا فحصنا ما يحدث في دواخل العراق اليوم نجده مختل التوازن في طبيعة العلاقات بين أبنائه ، اذ تصلني خطابات تتضمن شكاوى مؤلمة من ممارسة الاقصاء والتهميش في داخل المجتمع . تبدّدت القيم الوطنية منذ أزمنة طوال وحلّت بدلها علاقات هشة وتافهة بين الذين اطلقوا عليهم بالمكونّات ، وتضخمت النقمة والعداء غير المرئي والكراهبة بينها جرّاء ما أتبع من سياساتٍ خاطئةٍ وتصنيف المجتمع بين مقّدس ومدّنس وضياع القيم في تقييم الانسان مع توزيع غير عادل للسلطة والعمل والمصالح الفئوية .. ناهيكم عن غياب النخب وصعود أسماء لا تمّت بصلة أبداً للثقافة والمثقفين الحقيقيين .
وأخيرا ، هذه أزمة حقيقية لا يمكن حّلها بجرة قلم .. بل أنها بحاجة الى تفكيك بنية مجتمع بالكامل وتشخيص حالات الرداءة وتحديد سلبيات مقرفة وعلاجات مزمنة للأحوال الصعبة والتي لا تفيدها القرارات السياسية ، بل يتمّ علاجها سايكلوجيا وتربويا لخلق علاقات جديدة ومصالح مرسلة واحترام الامكانات وذوي المواهب وذوي الحقوق واحقاق العدالة .. فهل سيتم انجاز ذلك ؟ انني اشك في ذلك ّ