رسالة الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي (1828-1910) ونصائحه عن حروب القرن التاسع عشر لا تزال صالحة لعالمنا اليوم، بل ربما أكثر من أي وقت مضى. حين تعلو طبول الحرب وتندلع لتشعل وتكتسح وتدّمر، وهي تذكّر أن الإنسان لا يُقاس بشدة اندفاعه، بل بقدرته على الوقوف في وجه التيار حين يتعارض مع الحق. الحرب ليست نزهة عابرة وكما قال تولستوي : “الحرب ليست إلا جريمة، سواء أيدها فرد أم أمة. وما من رجل، إن كان يفكر بصدق ويتحلى بالضمير، يستطيع أن يشارك فيها أو يرقص على أشلائها دون أن يُخالف طبيعته الإنسانية وهو يخرج عن طوره وعقله .”هنا يرفض تولستوي فكرة التسرّع في دعم الحرب لمجرد أنها تلقى تأييدًا شعبيًا أو رسميًا، ويحثّ على الرجوع إلى الضمير الفردي والتأمل الأخلاقي. فان كان تولستوي يحكي عن حروب القرن التاسع عشر .. فأين نحن من حروب القرن الحادي والعشرين حيث تفتقد فيها كل الاخلاق على الاطلاق اذ وصلت الى قتل المدنيين واغتيال العلماء قصدا وتدمير البنيتين التحتية والفوقية للمجتمعات ، اذ لم تعد منحصرة بالجيوش .
انكشاف حقائق الحرب الدائرة اليوم
حرب اليوم بين اسرائيل وايران كشفت عن حقائق قليلة وازاحت جملة من المستورات.. كشفت عن كذبة القبة الحديدية الاسرائيلية التي ثبت فشلها أمام الضربات الصاروخية الايرانية ، وخصوصا صاروخ خيبر ! كشفت عن هول الصواريخ البالستية الايرانية ( وتخيلّت لو نجح العرب بتشكيل قوة عربية موحّدة وان كل دولة عربية امتلكت قدرة صاروخية ضاربة ) ..كشفت أيضاً عن سر اختراقات اسرائيل بعملائها وجواسيسها وطوابيرها في الدواخل ليس الايرانية حسب بل في كل الشرق الاوسط .. كشفت عن حجم العرب الحقيقي ازاء هذه العاصفة الهوجاء وفقدان قوتهم حتى المعنوية تماما أمامها ، بل فقدان مصداقية منظمّاتهم كلها وعلى رأسها جامعة الدول العربية وما يسمى بـ “البرلمان العربي” وغيره ناهيكم عن احزابهم كلها التي تشدّقت عشرات السنين بالنضال والتي شاخت ولم تعد تتلاءم أبدا مع هذا الزمن.. كشفت عن استحالة استخدام الاسلحة النووية بين دول الشرق الاوسط قاطبة لأن هذا السلاح سيقتل الجميع وخصوصا الدول المزدحمة بالسكان وسيفني الأجيال القادمة، وقد كشفت هذه الحرب عن مخاطر الاسلحة النووية على الجميع ! كشفت الحرب عّمن كان مأجورا من قبل اسرائيل ليذيع التنبؤات بما سيحدث من اجل كشف اسرائيل ردود الفعل الجمعية ! كشفت الحرب عن حدود المستقبل الذي ينتظر الشرق الاوسط وكم سيبقى الاسلام السياسي كظاهرة ايديولوجية منتشرة في الشرق الاوسط .. وسيكشف عن حقائق اخرى لا يستوعبها كثير من الناس .. والأخطر ما ستصنعه التداعيات بعد أن تضع الحرب أوزارها .. وكشفت هذه الحرب اسلوب السمسرة لدى ترامب ، اذ لم يمنحك ابدا سر ما سيفعل .. وكشفت هذه الحرب تمهل الايرانيين وكأنهم يتعاملون مع حرب دامت ثماني سنوات ، ولكن الأمر لا يستوي مع اسرائيل ، فقصر حروبها أوضح عدم قدرتها على البقاء في حرب طويلة . ليس المهم اليوم عدّ الايام لايقاف الحرب ، بل ماذا ستنتج من تداعيات على منطقتنا حتى نهاية عقد الثلاثينيات من هذا القرن ؟
انساق الرؤية
اليوم أجد أن الايرانيين اكثر هدوءا في مواجهة العاصفة والمحنة والعدوان وقد بقوا الى حد الان وحدة متماسكة . أما الصهاينة فهم الأكثر مراوغة وسادية وجنونا في التلذذ بالقتل.. أما الأتراك ، فيحسبون حساباتهم من دون قطع شعرة معاوية مع الطرفين.. أما العرب، فمواقفهم متفرقة وانقساماتهم شديدة وهم مولعون بالانشائيات والتعليقات ويتابعون شاشات الفضائيات ،وقد ادمنوا متابعة وسائل التواصل الاجتماعي ليل نهار، وكأنهم ما زالوا في زمن يعيش ويسقط .. وكأن منطقتهم في الشرق الأوسط لا تعنيهم ولم يدركوا ما سيتعّرض له من مصير صعب ، فمن حق كل انسان متابعة ما يجري، ولكن لا أن يجعل نفسه وصيا على الاخرين ويريدون كل البشر على هواهم. ان الذاكرة التاريخية حية لا تموت مثل هكذا سرعة ! واختم كلامي بكلمات .. وستنكشف أمامنا حقائق جديدة في قابل الأيام .
وان الحرب ليست قدرًا، بل خيارًا لا يمكن ايقافها ان اندلعت الا بصعوبة !
وكل خيار يستحق أن يُفكّر فيه المرء السوي ، لا أن يُتّبع كالقطيع.!