مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

بيان ادانة تاريخنا المعاصر:كم أرتكبت جنايات تاريخية بحق مجتمعاتنا باسم الوطنية والقومية والتقدمّية والاسلاميات السياسية؟ سيّار الجميل

منذ أكثر من مائة عام مضى والوعي قد أفتقد مذ غيّبته حكومات ونظم سياسية واحزاب ايديولوجية وقوى تحرّكت في الشوارع والمدارس والجامعات.. مائة سنة والناس تعيش أوهاماً وتبني أخيلة وتؤمن بأفكار مخيالية وتنتشر من بيئة الى أخرى ، ومن عهد الى آخر ومن جيل الى جيل ! مائة سنة ونحن نسمع عن دساتير ومنظومات ومؤسسات ودول وجيوش ولكن لا سمات أساسية لها بضياع تقاليدها وأخلاقياتها ، بل تحرّكها السياسات والاهواء والدكتاتوريات وقد تعفّنت مذ عبثت بها السياسات وخصوصاً في مؤسسات الجيش والمدارس والجامعات .. مائة سنة مضت والعرب يغنوّن عن الأوطان ، وعن العروبة وعن الأبطال الأفذاذ وعن الزعماء المناضلين وكل زعيم يأتي يغدو جلادا كسلفه ، وهم يتحدثون عن الانتصارات وعن حرق المراحل والتحولات والتنمية ! وأخيراً كانت كلّها أكاذيب ودجل وخيانة شعوب.. مائة سنة ونحن نتغنى في صحف ومؤتمرات بشعارات الوحدة العربية وعدم الانحياز والحريات والاشتراكيةوالوطن السعيد والبلاد الخضراء والرسالة الخالدة والجمهوريات الخاكية والعدالة والتمدن والتقدمّية .. وفي آخر المطاف يصطدم وعي الأجيال بخراب ودمار وسجون ومعتقلات وهزائم ونكسات وانسحاقات وتاريخ أشباح، وعظام موتى، ومقابر جماعية ، واكاذيب شعارات، ونهايات مستبدين مخزية وحكايات حقيقية مخجلة امام العالم .. سمعت حواراً بين شابين عربيين : يقول أولهما : لماذا تدين هؤلاء الذين تسميهم بالارهابيين ؟ ألا تجد أن النظم التي حكمت والميليشيات التي قهرت كانت ارهابية هي الاخرى ؟ ولكن الفرق بين الأثنين ، أنّ هذا ارهابه علني ، وصاحبك ارهابه مخفي وهو كذّاب بحيث يتحدّث باسم الوطنية والعروبة والاسلام ! والكلّ على الاطلاق لبس عباءة ” تحرير فلسطين “، ولم يكن مخلصاً ولا وفياً لهذا المبدأ ! فكم أطلقت خطابات ؟ وكم صيغت وأذيعت بيانات ؟ وكم اندلعت حروباً وانقلابات ؟ وكم تأسست منظّمات وجبهات ومنها : الصمود والتصدّي وجبهات للمقاومة وجبهات للتحرير .. الخ وكلّها كانت كاذبة ووصولية من أجل تحقيق غايات دفينة أخرى !

انني أعتقد أنّ الأجيال الجديدة كلّها في مجتمعاتنا ستدين كلّ ما حصل في القرن العشرين وبقاياه حتى اليوم .. ستدين الهوس العاطفي ، وستدين المتسترين تحت أغلفة الوطنية والقومية العربية والاسلاموية السياسية.. ستدين كلّ الأحزاب السياسية العربية وكل الجبهات والتيارات الايديولوجية التي لم تتفهّم هزال الواقع وتناقضاته لتطبّق عليه مقاييس الاخرين .. ستدين كلّ المصفقيّن للمستبدين والطغاة، وخصوصاً اولئك الانتهازيون من الاعلاميين والمثقفين الذين ركضوا وراء هذا الزعيم الأخضر أو ذاك الدموي الأحمر أو صاحب الوجه الازرق .. الخ ستدين كلّ الانقلابات العسكرية التي أجهزت على الدساتير والمؤسسات المدنية.. ستدين كلّ الذين تبرّعوا لتمجيد الطغاة ، وسحل البناة ، وقيدوا الحريّات، وأهانوا البشر، وانتهكوا حرمات النساء وعذبوا حتى الاطفال.. ستدين كلّ من أشعل الحروب الأهلية والاقليمية ودعا الآخرين لاستباحة الأوطان وأهلها .. ستدين كلّ السلطات الغاشمة التي صنعها الأشقياء والتافهون والمصفّقون .. ستدين كلّ الاعلاميين الذين مجدّوا هذا على حساب ذاك من أجل الارتزاق وعبدوهم كالأصنام وكلّ جيل يحطّم أصنام من سبقه! ستدين قرف كلّ الجنايات التي ارتكبها كلّ الانقساميين والطائفيين باسم الكراهية الاجتماعية والتاريخية وتحوّلها من خلال السلطة الى أحقاد سياسية شنيعة .. ستدين كلّ الحاقدين الذين مارسوا أشنع أنواع الجرائم باسم أيّة شعارات أو يافطات أو غايات غير شريفة.. ستدين كلّ من لم يفهم الواقع ولم يع مشاكله . لقد وجدتهم منذ زمن طويل أنهم ينفخون انفسهم ويغالون في تمجيد ذاتهم ويتكبرون ويتجبرون بعد سماعهم القاب العظمة المزيفة واخيرا ينتهون في مشاهد تثير الاشمئزاز بعد ان تركوا بلادهم خرابا يبايا أمام اسلحة العصر الشنيعة ! اجيالنا القادمة ستدين كلّ اولئك الذين خدموا أنظمة سياسية فاسدة ، وكانوا ضدّ أهلهم وأصدقائهم ومواطنيهم من أجل الارتزاق والجاه والسلطة . كما أنني أدين كلّ من صنّف مجتمعاتنا الى أغلبيات وأقليات والى رجعيات وتقدمّيات والى يمين ويسار والى اسلاميين وعلمانيين ..ستدين اولئك الذين خانوا بعضهم بعضاً من أجل السلطة، وقتلوا وشنّعوا في السجون وقصور النهايات المعتمة بالتعذيب الوحشي ومعتقلات الأمن والاستخبارات! وستدين أيضاً كلّ من سكت وصمت ، ولم يعترف بجرائمه التي ارتكبها بدءاً بتلك الرؤوس التي وقفت على رأس النظم الحاكمة ومروراً بكلّ المسؤولين الذين شاركوهم جرائمهم .. ستدين كلّ من لم يعتذر من الله ومن التاريخ ومن أهله وشعبه ! ستدين كلّ من بقيَ سادراً في غيّه معتبراً نفسه هو العارف بالأمور وغيره لا يعلم ! ستدين كلّ من شاهد الحقائق أمامه معروضة ، وهي تبكي الحجر وبقي يصرّ على ما يؤمن به من معتقدات جوفاء وأفكار عفا عليها الزمن ! كم من ساسةٍ ومثقفين واعلاميين أشاعوا الأوهام والأكاذيب والدعايات وانطلقوا من زوايا معينة وصفقّوا للطائفية والانقسام وقد كرّسوا التخلّف والشعبويةوالتبعيّة والعفونة وخدّروا مجتمعاتهم وحاربوا الاذكياء والمبدعين ودمرّوا المرأة والاطفال بعيداً عن الاستقلالية والانسانية والحريات والواقعية والتمدن.

انّ الوطنية والقومّية والتقدّمية والاشتراكية والحلول الاسلامية وغيرها مما استخدم حتى اليوم لغسل عقول الناس أولاً وكلّ من آمن باهدافٍ لم تتحقّق أبداً على مدى مائة سنة مرّت .. كلّها أستخدمت لأغراض سياسيّة لا مبدئية، وكلها وظفّت من اجل تغييب الوعي لدى العامة واللعب بالمجتمعات ومصيرها ! وكّلها قدّمت خدمات لا تثّمن الى الأعداء المتربصّين سواء بعلمها ام من دون علم ! اليوم نحن أمام مصير صعب بعد أن فقدت مجتمعاتنا بوصلة الزمن . فكيف بها تلحق بالركب مثل بقية الامم الحية .. انني أدين على الملأ كلّ ما حصل في تاريخ العرب المعاصر ابان القرن العشرين باسم الاهداف والتيارات والاحزاب الوطنية والقومية والراديكالية والاسلامية السياسية كونها جميعاً طوباوية وخيالية وانشائية ورومانسية وغنائية وشعاراتية ضيعّت مجتمعاتنا اذ لم تكن عاقلة ولا واقعية لا في انقلابياتها العسكرية ولا في أحزابها الوطنية والقومية ، ولا في تطبيق استلاباتها الاشتراكية ولا في ماضوياتها بارجاعِ القديم الى قدمهِ .. وذاك محال .. رحم الله كل من دفع دمه هدراً ، أو عذّب وسجن وطورد وتشرّد من أجل بلده وأهله ومستقبل اولاده .. أتمنى مخلصاً على الأجيال القادمة أن تتعلم من تجارب الآباء والأجداد لتسلك مسالك عاقلة وأمنة وصادقة باخلاقيات ومهارات واقعية من نوع آخر ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading