خُبَرَاءُ بِلا ذَاكِرَةٍ وَضُيُوفٌ بِلا حَيَاءٍ:مُحَلِّلُونَ اسْتِرَاتِيجِيُّونَ بِلا مَعْرِفَةٍ .. فِي الْفَضَائِيَّاتِ- سيار الجميل

المشكلة ليست في أن الناس يتكلمون كثيرًا، بل في أنهم لا يقولون شيئًا مهمًا.” إريك هوفر (Eric Hoffer).
1- عودةٌ مُرغَمة إلى الشاشات
أعترف منذ البداية أنني لستُ من روّاد الشاشات الفضائية العربية، لا زهدًا في المتابعة بقدر ما هو احترامٌ بسيطٌ لوقتي. كنتُ أفضّل أن ألتقط الخبر من مصدرهِ، وأن أترك ضجيج الاستوديوهات جانبًا، حيث يختلط الرأي بالمبالغة، والتحليل بالاستعراض. لكن مع تعقّد الأحداث، وتلاحق أخبار الحروب والهدن، وجدتُ نفسي-على مضض- أعود إلى تلك الشاشات، علّني أجد فيها ما يضيء الصورة أو يقرّب الفهم. غير أن ما وجدته لم يكن إضاءة بقدر ما كان تعتيمًا من نوعٍ آخر.
2- ضجيجٌ بلباس المعرفة
كمٌّ هائلٌ من المعلومات المرتبكة، المتناقضة أحيانًا، والمبتورة أحيانًا أخرى، تُقدَّم بثقةٍ لا تتناسب إطلاقًا مع هشاشتها. أما اللغة، فكانت قصةً أخرى: بائسةٌ، متعبةٌ، تتكئ على عباراتٍ مستهلكة، وتتعثّر بين جملةٍ وأخرى كأنها تبحث عن نفسها ولا تجدها. والمشكلة أن لا أحد يعرف شيئاً الا انشاء الكلمات!
3- حين يصبح الضجيج شكلاً من أشكال الفهم
ليست المشكلة أن الجميع يتكلم، بل أن القليل فقط يعرف لماذا يتكلم.”ثمة لحظة في متابعة الشاشات الفضائية تشبه الوقوف أمام نهرٍ لا ماء فيه: حركةٌ كثيرة، وصوتٌ أعلى من المعنى، وإحساسٌ غامض بأن شيئًا ما يُقال… دون أن يُقال فعلاً. لا تحتاج إلى معرفةٍ عميقة كي تلاحظ ذلك، يكفي أن تترك أذنك وحدها قليلًا لتكتشف أن اللغة هناك تعمل أكثر مما تفكّر. لم أكن من أهل هذه الشاشات يومًا، لا ازدراءً لها، بل لأن الوقت- كما يبدو- لا يحتمل كل هذا الإسراف في الكلام. غير أن تعقّد العالم جرّني إليها جرًّا، كمن يعود إلى خريطةٍ قديمة ليكتشف أن الطرق تغيّرت، والخرائط لم تُحدَّث.
4- أخبار تتبدل قبل أن تُفهم
الأخبار هناك لا تمشي، بل تتبدّل. لم تكد تُقال حتى تُستبدل بنقيضها، وكأن الحقيقة نفسها تتردد في الاستقرار. التصريح لا يعيش أكثر من دقائق، ثم يُدفن بهدوء تحت تصريحٍ آخر أكثر جرأة، وأقل يقينًا. أما اللغة، فهي أشبه بذاكرة متعبة: تكرر نفسها كي لا تنسى أنها موجودة. عباراتٌ مألوفة، وصيغٌ جاهزة، وكأن كل شيء قد قيل سابقًا بطريقة أفضل، لكننا نعيد قوله لأن الصمت أكثر إحراجًا من التكرار.
5- سيمفونية الصوت… وغياب الفكرة
وإذا أصغيت جيدًا- وأنا فعلت ذلك بدافع الفضول لا الاقتناع- ستلاحظ أن الأصوات هناك لا تتحدث بقدر ما تعلن حضورها. هذا يبتلع كلماته كأنها ثقيلة عليه، وذاك يطلقها كمن يخشى أن تضيع إن لم تُقال بسرعة، وثالثٌ يلهث خلف جملة لا تريد أن تكتمل.كأننا أمام سيمفونية غريبة: آلاتها بشر، ونوتتها إنفعال، وموسيقاها صخب لا يستقر على معنى. وفي زاوية المشهد، اثنان لا يبدوان في حوار بقدر ما يبدوان في إختبارٍ متبادل للصبر. أحدهما يوزع التهم كما تُرمى الحصى في الماء، والآخر يردّ كمن يرد على صدى لا على فكرة. وبينهما، تضيع اللغة شيئًا فشيئًا، حتى تصبح مجرّد ذريعة للإستمرار لا وسيلة للفهم.
6- الأنا التي تتحدث بلسان الحقيقة
في قلب هذا كله، تقف “أنا” منتصبة كراويٍ لا يتعب: “أنا أعتقد… أنا أتصور… أنا أرى…” ولأنها تتكرر كثيرًا، تبدأ في إكتساب وزن الحقيقة نفسها، رغم أنها ليست أكثر من رأي يرتدي معطف اليقين. فإن أصابت قالت إنها توقعت، وإن أخطأت قالت إن الواقع خانها، لا هي خانت التقدير. هكذا تتعلم الشاشة كيف تعيد تعريف الخطأ: لا كخلل، بل كوجهة نظر مؤجلة.
7- ذاكرة قصيرة… وغياب طويل للمساءلة
الأكثر غرابة أن هذا الضجيج لا يترك أثرًا طويلًا في الذاكرة. كأنه يحدث ليُنسى. لا أحد يعود إلى الأمس، لأن الأمس لم يعد جزءًا من النقاش أصلًا. كل حلقة تبدأ وكأن السابقة لم تكن سوى بروفة.المصطلحات الثقيلة تُستدعى كأثاث قديم: “توازنات”، “تحوّلات”، “إعادة تموضع”. لكنها لا تُستخدم لتفسير العالم بقدر ما تُستخدم لإخفاء هشاشته.
8- وجوه تعرف الطريق… إلى كل مكان
ثم يبقى السؤال الذي لا يبدو أحد مستعدًا للإجابة عنه: من أين تأتي كل هذه الوجوه؟ المشهد واحد، والضيوف يتنقلون بين القنوات كما تتنقل الظلال بين الأضواء. يظهر أحدهم هنا، ثم بعد وقت قصير هناك، يقول الشيء ذاته، لكن بنبرة مختلفة تكفي فقط لإيهام المشاهد بأن شيئًا ما قد تغيّر. كأن الاستوديوهات أبواب متعددة لغرفة واحدة، يدخلها الجميع ويخرجون منها بالنتيجة ذاتها: حضورٌ كثيف، ومعرفة خفيفة. هؤلاء ليسوا ضيوفا ، بل هم من العاطلين لا شغل لهم ولا مشغلة الا حلمهم أن يكونوا على الشاشات موشحاً أسمه بـ ” خبير استراتيجي “!
9- حين يتحول الحوار إلى مرايا متقابلة
وفي لحظات أخرى، يتحوّل الحوار إلى شيء أقرب إلى انعكاسٍ متبادل لا إلى نقاش. إثنان يواجهان بعضهما، لكن كل واحد منهما لا يرى الآخر بقدر ما يرى صورته في المرآة. الاتهام يصبح لغة، والانفعال يصبح حجة، والصوت المرتفع يصبح دليلًا على “الوضوح”. أمّا الفكرة، فتبدو كأنها زائر غير مدعو، يجلس في زاوية الاستوديو بصمتٍ محرج.
10- خاتمة: حين يصبح المعنى رفاهية
ربما ليست المشكلة في كثرة الكلام، بل في أن الكلام لم يعد مضطرًا إلى أن يعني شيئًا. يكفي أن يُقال، أن يُبث، أن يملأ الفراغ بين إعلانين.
وفي هذا العالم، يبدو المعنى رفاهية… والذاكرة عبئًا… والصمت خطأً تقنيًا يجب إصلاحه بسرعة.





