مقالات فكرية

في نقد أدونيس ومشكلاته ✍️ا.د. سّيار الجميل (2)

مثلما يعبث الانسان في طفولته بالاشياء وهو فاقد للوعي والادراك ، فان الانسان في شيخوخته وبلوغه عمره عتيا يعود الى عبثيته الأولى أو يعود الى سذاجته فينكشف معدنه فتظهر حقيقته على الملأ فيكتشف الناس بأن هذا الانسان لا علم له ولا فهم لديه ولا قدرة على المواجهة .. مخارج حروفه متعبة وليس بمقدوره تركيب جمل مفيدة ومترابطة وليست له ذخيرة معرفية تؤهله للتنظير والتفكير ، ويمكنه ان يعتدّ بها في خطابه .. هل له رؤية بعيدة للامور ؟ هل يقف على مسافة واحدة من الاديان والطوائف والمجتمع ..ام ينطلق من زاوية معينة ويوجه سهامه لدين معين ولمجتمع معين ولمذهب معين ؟؟ كان على مجتمعاتنا أن تتقدّم على مدى قرن كامل مضى، ولكن متغيراتها السياسية وتحدياتها الصعبة وايديولوجياتها الساذجة جعلتها تتأخر جدا ، اذ لا علاقة للدين بذلك التأخر بدليل وجود تجارب اسلامية غير عربية تقّدمت بسرعة ..

تقول : لقد الغيت لغة المجاز من القرآن ! ولماذا الفقه هو الذي هيمن ؟ وتقول : المسلم لا يفكّر ، المسلم ينفعل ويتصّرف على أساس هذا الانفعال ! وعليه ، لا يمكن أن تكون هناك ثورة في الاسلام . وان الفكر ألغي من الاسلام ، ويتوصل متسائلا : ” اعطوني مفكّر واحد في تاريخ الاسلام حكى خارج الفقهاء”. بمعنى ان ادونيس هو الوحيد الذي حكى خارج الفقهاء! هل تناسيت عشرات الكتاب والمنظّرين والمفكرين العرب والمسلمين والمسيحيين سواء كانوا من الليبراليين او الراديكاليين الذين حكوا خارج دائرة الفقهاء وخارج نطاق حتى الدين ، وهم كثر امثال: اسماعيل مظهر وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وسلامه موسى وطه حسين ومصطفى عبد الرازق ومارون عبود وعبد الله القصيمي وعبد الرحمن بدوي ولويس عوض وزكي نجيب محمود ومحمد أركون ونصر حامد ابو زيد وغيرهم . هل أنت افضل من هؤلاء جميعا كونك تطالب بنقد النص القرآني؟ ثم ماذا تريد التوصّل اليه؟ متى منع النص القرآني الناس من التفكير والتدبير؟ اذا كنت لا تؤمن به، فما دخلك به؟ دعه نصّا مقدّساً وان لم يقدّسه البعض فليحترمه ، فالقرآن كتاب مفهوم العبارة واضح المعاني لكل الناس وما دامت له مكانته عند ملايين البشر فمن الواجب احترامهم .. ما الذي تريده منه اذا كنت ملحدا ؟ كان أحد زملائي في ايام الدراسة ببريطانيا شاب يدرس الدراما وهو ملحد .. لكنني استغربت عندما اجده يلبس افخر ثيابه ايام الآحاد ذاهبا الى الكنيسة.. سألته : ما دمت ملحدا، فما لك والصلاة في الكنيسة ؟ أجابني : انني لست مؤمناً باي دين ولا كارها للدين ابدا ، ولكنني اصلي احتراما لهذا الدين الذي تؤمن به ملايين البشر !

يبدو لي ان الرجل قد اعتكف طوال حياته وخميرته أوهامه ولم يقرأ تاريخ الاسلام قراءة تاريخية موسوعية دقيقة .. ولم يدرك طبيعة المجتمعات الاسلامية قاطبة في ازمنتها المتعددة المتوالية وامكنتها الجغرافية المتنوعة المتلونة .. وهل هيمن الفقه عليها ؟ ولماذا كان هناك علم اصول الفقه؟ فضلا عن علم الجرح والتعديل وانتهاء بالقياس . وأنه لا يدرك الفروقات بين الفقه والشريعة .. وأسأل : هل تطبق الشريعة في اي بلد اسلامي اليوم ؟ وهل كان فكرنا العربي كله فكرا انفعاليا ؟ هل مجتمعاتنا الاسلامية قبلت ما طرحته داعش على الارض أم رفضته ؟ هل باستطاعة اي انسان عربي واع ( وحتى بعض الأطفال) الاستغناء ساعة واحدة عن الموبايل ووسائل التواصل الحديث؟ هل كل حياتنا مصطبغة بالفقه ويسيّرها الفقهاء ؟ مجتمعاتنا لا يسيّرها الفقهاء (باستثناء ايران اذ يحكمها الولي الفقيه ) فلماذا لم تذكره بالاسم ؟

تتساءل عن ثورة في الاسلام في حين لم تشهد الاديان الاخرى اية ثورات كالتي تريدها في اي زمان ومكان ، فالأديان لم تمت ، بل جدد بعضه نفسه على ايدي اتباعه .. فلم تزل الكنائس المسيحية في العالم ولم تزل المعابد اليهودية وغيرها من معابد الاديان الاخرى .. بل اجد لدى البوذيين مثلا معبد في كل بيت، وجيراني اليوم في كندا بوذي من اليابان وهو يتعّبد في غرفة خاصة بأعلى بيته وهو من ابرز المخترعين في العالم .. ما علاقة ما تقوله بالحياة ؟ فهي متنوعة بين مفكرين وجاهلين وبين متدينين وغير متدينين وبين مشرعين وبين تابعين .. تتساءل ان نعطيك مفكرا واحدا في تاريخ الاسلام حكى خارج الفقهاء ” ؟ رحم الله عبد الرزاق السنهوري الذي أشك انك قد سمعت به، فكيف لم تطّلع على مجلداته الكبرى بعنوان الوسيط في القانون المدني .. هذا العلم الذي كتب القوانين المدنية لعدة دول عربية ومنها سوريا التي تربيت فيها وعلى نظمها القانونية ومن قبله هناك سلسلة من رجال القانون لا الفقه . ببساطة شديدة يا عزيزي ادونيس يكتشف اي مستمع ذكي لك بأنك تريد اية وسيلة للتنكيل بالدين وحده ويبدو ان عقدة سايكلوجية مستحكمة عندك منذ صغرك ازاء المسلمين الذين تتخيلهم من الحيوانات المتوحشة التي ستنقرض ، وهم ليسوا كذلك ابدا .. ففي كل مجتمع أخيار وأشرار اذ لا ينحصر الأمر بفقه اسلامي لا دخل له اليوم مع الحياة الحديثة.

ابن رشد لم يخلق اسلاما داخل الاسلام يا عزيزي كما قلت ! ما هذا الابتكار الخارق منك ؟ ابن سينا فتح افقا تصوفيا حتى يتكّلم ! كما تقول وتطالب متسائلا : ” النص القرآني من درسه ” ؟ وتقول : كيف يولد فكر من دون حرية .. وهل ولدت الحريات لدى شعوب اخرى منذ القدم ؟ اراك تهوى التنكيل بتاريخ العرب وثقافتهم من دون ان تقارن ذلك بمجتمعات وشعوب أخرى ! كل الفلاسفة ابان العصور الوسطى تعرّضوا لاضطهادات كبيرة . فكيف لا يتعّرض ابن رشد ورصفائه الى الاضطهاد ؟ تقول : مشكلتنا ليس مع الآخر ، بل مع انفسنا ! وستناقض نفسك بعد قليل ولا ادري هل انت مع الغرب ضد الاسلام أم ضد الغرب وضد الاسلام معا !

وتطالب بأنّ أول فكر ان يزيح الفقه وتستطرد قائلا: فالفقه قاتل للفكر وللحرية وقاتل للانسان . الفقه مؤسسة حلال وحرام . وذكرت بأنك نسيت اسماء الذين درسوا القران !! وأسأل: وما البديل ؟ اذا كانت القوانين المدنية هي السائدة ؟ وهل هذا كل ما عندك ؟ هل نشأت في ظل دولة يحكمها الفقه؟ الفقه لا علاقة له بالاسلام السياسي.. اين دور الفقه اليوم في دولنا ومجتمعاتنا الاسلامية المتنوعة ؟ ولماذا تركّز على الاسلام العربي وتتناسى الاسلام الايراني والاسلام التركي مثلا ؟

هل سألت هذا السؤال قبل قرابة نصف قرن ؟ لأن الفقه لم يكن له تأثيره في اغلب بلداننا ومجتمعاتنا .. فالقانون هو الذي يحكم بين الناس في كل قضاياهم واغلب قضاياهم مدنية وليست دينية .. التقدم لا يحول الفقه من حصوله ، فهل اسكت الفقه تجارب عدة في تاريخنا الحديث ؟ صحيح وقف بعض المتفقهين ضد تجربة سليمان القانوني او محمد علي باشا في مصر او سليم الثالث ومحمود الثاني في تركيا وصولا الى اتاتورك وفيصل الاول وعبد الكريم قاسم في العراق أو تجربة جمال عبد الناصر والسادات في مصر ، ولكن انظر الى تجربة ماليزيا ودول الخليج العربي اليوم وغيرها ؟ ليس من العقل ان نطالب ان يكون كل ابناء مجتمعاتنا من المفكرين ، فليس هناك في العالم مثل هذا الجنون .. هل وجدت اليوم من يقطع يد السارق والسارقة ؟ هل وجدت اليوم من لم يسمع للطرب والموسيقى ؟ هل هناك جزية وخراج وحسبة ونظم اسلامية كالتي كانت قبل الف سنة ؟ ليس لأنك تكره الفقه الاسلامي فانك تجعله قاتل للفكر وللحرية وقاتل للانسان باسم يجوز ولا يجوز ! وهذه مشكلتك السايكلوجية وليست مشكلة مجتمعاتنا التي من حسن حظها انها لم يحكمها الفقهاء ورجال الدين بل حكمها عقلاء حكماء واضطهدها ضباط شقاة أو جوقة مجانين من الطغاة.. لقد صفقت يا ادونيس للثورة الاسلامية الايرانية عام 1979 عندما أوصلت الولي الفقيه الى السلطة ؟ كما قال خصمك صادق جلال العظم ثم تراجعت ، فلماذا تناقض نفسك بنفسك اليوم ؟

هذه رؤية قاصرة يا صاحبي .. فانت لم تأخذ بنظر الاعتبار تفاوت التاريخ بين امة وأخرى وانت لا تقرأ التباين في الجغرافية وعبقرية الأمكنة والمزايا لكل امة من الأمم .. وأنت تنكر كل من درس مجتمعاتنا وقال كلمته ورحل .. ليس المهم ان يكونوا شعراء يتبعهم الغاوون ، بل لقد وجدت في كل جيل من الاجيال الحديثة نخبة من المفكرين اللامعين الذين تمتعوا بهامش من الحريات ليقولوا كلمتهم بدءا بالمستنيرين الاوائل : احمد لطفي السيد وسلامة موسى وطه حسين ومحمد شفيق غربال وانتهاء بالمستنيرين الأواخر، أمثال: مالك بن نبي وفؤاد زكريا وعمار اوزيغان وعبد الله العروي وهشام جعيّط وجورج قرم والمهدي المنجرة وهشام شرابي .. وغيرهم كثير من العرب والاتراك والايرانيين والاكراد والالبانيين ..

ما هكذا تورد الأبل يا ادونيس.. هناك تاريخ طويل للاسلام ، ولكن لم يكن نفسه مسؤولا عن انقسامات المسلمين الذين تفرّقوا مذاهب واحزاب وكل طيف احتكر الاسلام لنفسه ، فغدا رأسمالا سياسيا لكل طرف يختلف جوهريا عن الاخر ويحاربه .. وهناك أكثر من مليار مسلم على وجه الارض ليس الاسلام مشكلتهم .. بالعكس أجدهم بمنتهى الرضا والاخلاق في مجتمعات تخلو من الانقسامات والكراهية والاحقاد المتوارثة كونها تخلو من ذوي المشاكل او الأحقاد .. لقد وجدت مجتمعات اسلامية زرتها أو عشت فيها في الصين وتايلاند وبلاد اسيا الوسطى مثل تركمانستان واوزبكستان وطاجكستان وهناك في ماليزيا واندونيسيا وتتار القرم والبانيا وبوسنيا او هناك في قوقاسيا وترانس قوقاسيا مثل اذربيجان وغيرهم من اروع البشر يحترمون الاسلام كونهم يدركون انه قد وضعهم على الطريق الصحيح منذ قرون وفيه من السمات الانسانية ما تعجز مجتمعات اخرى على حملها ويعتبرونه محفزا للانسان على العمل وبناء العلاقات والانتاج .. وان كان قد ظهر في الشيشان والافغان وغيرها مثلا بعض المتعصبين ، فالمجتمعات قاطبة لا تخلو منهم ابدا، اذ لا يمكن التعميم مطلقا على المسلمين كلهم أن مشكلتهم دينهم .

انك تكرر بفصل الدين عن الدولة ، وهذا مبدأ مشى عليه اغلب زعماء التاريخ الاسلامي الاذكياء ووازنوا بين الدين والدنيا ، فكيف بنا اليوم وقد وجدنا ماذا حلّ بالدول عندما حكمت باسم الدين وامامك نموذجا حيا في القرن الحادي والعشرين .. لكنك تريد فصل الدين عن المجتمع ، وهذا أمر يستحيل حدوثه في تاريخ البشرية . فأنت غير مسؤول عن عقيدة كل مجتمع والنزعة الدينية لكل انسان كما في النص ” لكم دينكم ولي دين ” ، فمن العبث نزع ما يمتلكه اي انسان من قيم وعقائد راسخة يؤمن بها ، والا فانت ستغدو عبثيا لا نفع لكلامك أبداً باسم الحداثة ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading