مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

شهادات خالية من المصداقية والتواضع والشجاعة ومزدحمة بالتناقضات!سيّار الجميل – كندا

أستمع أو أشاهد في أوقات راحتي أو أغتنم الوقت أثناء قيادة سيارتي لفيديوهات برامج على اليوتيب يستضيف أصحابها فيها بعض الشخصيّات العراقية كبيرة السن لتدلي بشهاداتها التاريخية كجزء من التاريخ الشفوي الذي يُعمَل به في العالم، ومن تلك الشخصيّات من هو معروف أو مغمور لا يعرفه أحد ، وأغلبها تأتي من مدنيين وعسكريين كانت لهم أدوارهم السياسية ، ولكن بعضها أقحم على الناس اقحاماً لا ضرورة له ..وهناك من مقدّمي البرامج الحاذقين الذين يعرفون كيف يمتحنون من يقابلونهم ليستخلصوا منهم ما ينجذب الناس اليه ، ولكن ما يُمتِع حقّاً لدى المتلّقين الأذكياء تمييزهم الغث من السمين والصواب من الخطأ، وباستطاعتهم كشف التزويرات،وفضح الأكاذيب ، واستعراض الأدوار والعضلات.. وممّا يضحك حقّاً أن يجد هذا ” المتحدّث” كم صرفَ سنوات عمره في نضال أو اعتلاء مناصب أو مرور بتجارب مريرة وسجون وتشرّد ،ولكن أكتشفُ أنّ عقله لم يزل بحجم عقل عصفور ! كم يكشفهم هذيانهم في زحمة التناقضات ! كم ستتعّرف الأجيال من خلالهم على سايكلوجية العراقيين ! كم يعاندون ولا يعترفون بأخطاء ارتكبت ، بل ويدافعون عن أحداث ومواقف وشعارات متخيلة غرست في وجدانهم منذ صغرهم، وهم يتفاخرون باشتغالهم في السياسة مذ كانوا تلاميذاً في المدارس ! بل ويتفاخرون أنّ الحركة الطلابية مناضلة اذ قادها طلبة ينتمون الى أحزاب (وطنية).. من دون أن يفكّروا : هل بالامكان أن يمارس السياسة طلبة مدارس؟ او جمع صبيان وأشقياء في الشوارع والازقة ؟

لقد حظيت منذ زمن طويل بالاستماع الى شهادات تاريخية قدّمها علماء وعظماء لمعت أسماءهم جرّاء انجازاتهم في العالم ابان القرن العشرين ، ولكن أهم ما اتصفوا به : المصداقية والتواضع والعقل والخلو من الانوية والبعد عن الروح الفردية واحترام عقول الناس والاعتراف بالاخطاء .. وهذا عكس ما أجده في شهادات تاريخية يدلي بها بعض العراقيين وليس كلّهم والحق يقال ، اذ ما قاله ورواه بعضهم من قيادي الاحزاب مهم جدا وهم يعلنون عن ذلك لأول مرة .. ولكن عموما أجد .. هذا يلوي عنق الحقيقة علناً بلا استحياء ! وذاك يجعل من نفسه مناظراً ومحاوراً لصدام حسين ويختلق القصص عن شجاعته المضحكة في افحام السيد النائب، وراح يكذب ليجعل نفسهُ بطلاً قومياً بوقوفهِ بوجه صدام والكلّ يعرف أكاذيبه التي اشتهر بها ، بل وكتب كتاباً كيف ناضل ضدّ صدام علماً بأنه اشترك في تهريب آثار العراق مع صهر صدام! والاخر يسفّه ما كان المؤرخون قد تأكدوا منه ويفرض رأيه السياسي بلا أسانيد ! وطبيب عسكري كان برتبة ملازم يتفاخر متحدثاً عن علاقته بالملك فيصل الثاني من دون وثائق ولما راجعت التواريخ وجدت ان لا أساس من الصحة لما رواه ! والآخر يستخفّ بمنجزات عهد نقل العراق من حالتهِ البدائية الى العصر الحديث ! والآخر برغم كلّ الثوابت، الا أنّه يصّر على جعل الحَدَث مثالياً ملائكياً برغم دمويته ووحشيته ! أو يلبسون ثوب الوطنية لعراقي جعلوه ملاكا طاهراً وكأن بقية العراقيين غير طاهرين وغير وطنيين ! والقليل من يعترف بالاخطاء الجسيمة التي ارتكبت، ولكن هناك من يصّر على الاخطاء وقد تجاوز الثمانين من العمر! أغلب من قدّموا شهاداتهم ممن عاشوا في العهود الجمهورية وشهدوا الويلات، وحسنا فعل من حاورهم واسرع في كشفهم لأنّ أغلبهم قد رحل الى الدار الآخرة .. علما بأن لم يتبق هناك من رجالات القرن العشرين كي تعرف مواقفهم وشهاداتهم وكتب مذكراتهم وخصوصاً من رجالات الجمهوريات.. ولكن الذي يخرج به المؤرخ الناقد بعد وضعهم على المشرحة، أنّ هناكّ من كان أميناً في شهادته ومتواضعاً في مقول قوله وتقديم نفسه وحديثه عن ماضيه .. وهناك من كان متقلباً لم يزل ضائعاً في لجج الحرب الباردة أو زحام الأحداث المأساوية، وهو يردّد حتى اليوم الشعارات الكاذبة، ولم يحكّ دماغه قليلاً ليعترف بما حصل ! هناك من ينحاز الى بيئتهِ أو طائفتهِ أو عنصرهِ وقوميتهِ على عينك يا تاجر .. هناك من يجعل نفسهُ مؤرخاً وينصّب نفسه شاهداً على العصر، ويقدّم نفسه بطلاً ، وهو لم يكن اّلا ملازماً وضابطاً صغيراً أو صبيّاً في الشارع ! هناك من يستعرض عضلاته ويجعل من نفسه بطلاً قيادياً في حزبهِ المتألف من عشرة أشخاص مراهقين !

هناك من يفتح صندوقه لتتعلّم من تجاربه النضالية وهو صادق في مروياته ! انّ أغلب من قدّم شهادته للتاريخ من الساسة القدماء سواء كانوا قوميين أو شيوعيين أو ديمقراطيين أو بعثيين أو مستقلين بقوا طوال حياتهم يعتزّون بما آمنوا به ، فهم يدافعون عن شعاراتهم وأحزابهم وتياراتهم ، ولكن الناس والأجيال القادمة ستكتشف كيف كان العراق قد وقع بأيدي أناسٍ يجهلون أولويات الحياة ومجتزءات التاريخ، وسيعلمون بأنّ خصلتين غير محمودتين تمكّنتا عند العراقيين، فهم يتقلّبون مع تغير العهود، أو تجدهم يعاندون حتى الموت ! لقد تغلغلت الاحزاب السياسية والايديولوجيات الراديكالية في المدارس وبين قطعات الجيش وعند العمال والفلاحين والكادحين ، وهم جميعاً لم يفهموا ما اعتنقوه من أفكار وما سمعوه من شعارات ، وثمّة طرائف كثيرة من هذا النوع في العراق !..سيكتشف في تاريخ العراق ابان القرن العشرين أنّ أناساً حكموه وقد افتقدوا الحكمة والعقل وحتى الوعي بل كانوا من السفهاء أو المخابيل أو الضباط التافهين وصولاً الى المراهقين والاشقياء والمجرمين وانتهاء بذوي اللحى والمعمّمين ! وكلّ هؤلاء واولئك اشتغلوا باسم الوطنية والديمقراطية والقومية والتقدمية والاشتراكية .. الخ !

هنا في الغرب أكون مدعوّا الى مناسبات يحضرها قادة وعظماء ومخترعين ورواد فضاء سابقين ممن شاركوا في صنع التاريخ ولكنهم يظهرون على الملأ بمنتهى التواضع وكأنهّم من الناس العاديين ، وجدتهم لا يتفاخرون بأنفسهم ولا يتكلمّون عن ذواتهم ، فالناس تقيمّهم! ومن المدهش أن أرى الى جانبي رجلاً متواضعاً يرحب بي بمنتهى اللطف ويحادثني بأريحية وابتسامة ولا أعرفه ، وفجأة يسمع اسمه والناس تصفّق له فيقوم من مكانة يحيّ الناس، ورحت مندهشاً بهذا الانسان المتواضع يذهب الى المنصة لأسمع رئيس البرلمان الفيدرالي الكندي يعدّد فضائله على البشرية بحجم مخترعاته ، فيجيبه وسط عاصفة من التصفيق ويرتجل كلمة يشكر فيها العالم ويحكي قليلاً عن الموضوع دون ذكر الذات أبداً أو التشّدق بكلمة (أنا ) !! ويدعو في نهاية كلمته أن يكون العالم جميلاً ! متى تتعّلم مجتمعاتنا التواضع ونكران الذات؟ هل تزول الأنوية من مجتمعاتنا؟ متى تختفي الامراض النفسية وتستوي العلاقات الشخصية، وتخلو مجتمعاتنا من الاحقاد والكراهية ؟ متى يتفّوق المتنورون بأخلاقياتهم ويزول الشعور بالعظمة والخلود؟ متى يزول احتكار التاريخ والحياة ؟ فالانسان عندما يموت سيترك كلّ شيئ لغيره ويمضي .. ليذوب جسده ولم يبق الا ذكره وعمله! لذا ، فانّ الأجيال القادمة بحاجة الى النضوج واحترام النفس والتفكير الجمعي والوعي والاعتذار عن الخطأ .

وأخيرا : لم أجد يوري غاغارين أوّل انسان يصعد الى الفضاء في 12 ابريل / نيسان1961 يتبختر على الناس ! ولا نيل ارمسترونج وهو أول انسان مشى على القمر في 20 يوليو/ تموز1969 منفوخاً أمام العالم ، بل قال : “خطوة صغيرة لرجل، لكنها قفزة عملاقة للبشرية”. في حدثٍ رائعٍ شاهده نصف مليار مباشرة ، ووصفه الجهلاء في عالمنا الكسول بمؤامرة مزيفّة ! ليس لي اّلا نصيحة واحدة أقدّمها للأجيال: احذروا شهادات تاريخية يحكيها بعض العراقيين غير الصادقين وابحثوا عن أسانيدها .. شهادات يتشّدق بها اناس دمرّوا العراق بشعاراتهم وأكاذيبهم ونضالاتهم منذ أكثر من ستين عاماً بعد ان كنّا نحلم أن يكون بلدنا العريق في مصاف الامم الراقية .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading