سقوط المعنى: مجتمع يتآكل… وطن ينتظر ! ا.د سيّار الجميل-كندا

سألتني سائلة وهي في ذروة الحزن : ماذا تقول في شعب منقسم في هويّته وانتمائه لأرضه وفاقد لوطنيته ؟ ماذا تقول لمجتمع ابتلي بالتعصّبات والغلو والتصلّبات ؟ ماذا تقول لمجتمع يأكل بعضه بعضاً ؟ ماذا تقول لمجتمع استسهل الشتم والسبّ والقذف وانعدام الاخلاق؟
أجبتها : خففّي عنك سيدتي ، فالأمور نسبية وليست مطلقة.. دعيني أقول: ليس أخطر ما يصيب مجتمعًا أن يختلف، بل أن يفقد المعنى الذي يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحّول إلى اقتتال رمزي أو فعلي. حين تنقسم الهوّية، لا يكون الانقسام في الأرض بقدر ما يكون في الوعي؛ في تعريف “من نحن” قبل “أين نحن”.
وأقول: إن فقدان “الوطنية ” ليس غياب الشعارات، بل غياب الشعور العميق بالمصير المشترك. حين يصبح الوطن مجرد فكرة قابلة للمساومة أو الانكار ، يتحول الناس من شركاء في المستقبل إلى متنازعين على الحاضر.
أما مجتمع التعصب والغلو، فهو مجتمع يخاف أكثر مما يؤمن؛ يخاف من الاختلاف فيلوذ بالتصلّب، ويخاف من السؤال فيحتمي بالإجابات الجاهزة. لكنه بذلك يختار سجنًا فكريًا يظنه حصنًا. بسبب تقلباته من زمن الى زمن آخر .. وبسبب ايمان الملايين بالخزعبلات والتفاهات !
مجتمعٌ انقسم في رؤيته لتاريخه ورموزه منذ جذوره، كلٌّ يقرأ الماضي وفق مواريثه وتقاليده، ويُعيد تشكيل الرموز بما يخدم نزواته الحاضرة. حين تصبح الذاكرة المشتركة مشوّهة والانتماء إلى الجذور محل خلاف، يضيع المسار المستقبلي، ويصبح السؤال عن ازدهار المصير أكثر استعصاءً. هل سيزدهر مجتمع يفتقر إلى وحدة الرؤية، أم أن طريقه محفوف بالانكسارات والتكرار التاريخي والسمعة المشوّهة ومن ثمّ الضمور ؟
وفي مجتمع “يأكل بعضه بعضًا”، لا تكون المشكلة في الصراع ذاته، بل في غياب القواعد التي تضبطه: غياب العدالة، وغياب الثقة، وغياب اللغة المشتركة، والتشبّع بالكراهية وغياب الانسجام . هناك، يتحوّل الخلاف إلى افتراس، والكلمة إلى سلاح والنظام الى فوضى .
أما حين يستسهل الناس الشتم والسبّ والقذف والتجريح ، فذلك دليل على فقرٍ أخلاقي قبل أن يكون انحطاطًا لغويًا. لأن اللغة مرآة الوعي؛ فإذا ابتذلت، دلّ ذلك على أن الفكر نفسه قد تراجع، وأن الحوار لم يعد بحثًا عن الحقيقة، بل تفريغًا للغضب. ومرتعاً للعاهات .
ومع ذلك، لا أقول إن هذا المصير نهائي. فالمجتمعات، كالأفراد، تمرّ بأزمنة اضطراب وانكسار. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يُطبَّع الانقسام، ويُبرَّر التعصّب، ويُحتفى بالابتذال.
الخلاص لا يأتي من خطاب أعلى صوتًا، بل من خطاب أعمق معنى؛
ولا من انتصار طرف، بل من استعادة فكرة “المشترك”؛
ولا من إلغاء الاختلاف، بل من تعلّم إدارته. وترفّعت أخلاقياته .
حينذاك فقط، يتوّقف المجتمع عن أكل ذاته…ويبدأ، ببطء، في ترميم روحه. واعادة تركيب بنيته .
ولكن ؟
المستقبل لا يُبنى بأيدي متعصبين يغتالون العقل، غلاة يحرقون الحوار، منافقين يختبئون خلف الأقنعة، أو جهلة يتكلمون هذرا بأسم العلم ويحملون الدكتوراه زورًا.





