أجمل الطيور هي بلابل الفينجي الصفراء الصغيرة .. بدا لي وأنا أشاهدها على الشاشة .. كيف تبني لها أوطاناً على اغصان رفيعة في الشجر . راقبتها ملياً ، فكم كانت ذكيّة جداً في اختيار الأغصان الملائمة لعيشها كيلا تهاجمها الحيوانات المفترسة .. وكيف كان بلبلٌ بمفردهِ يلّم الاعشاب الطويلة الخضراء، وينقلها ببراعة ورثها بالفطرة في لفّها وعقد أحدها بالاخر كي يتكّور العشّ وهو معّلق في مكان مناسب . وجدته كيف يجعل الفتحة ليس على جهة الغصن بل على الطرف المفتوح حرصاً على نفسه وأولاده .. كنت أراقب ذلك الفيديو الجميل وتصاحبه موسيقى هادئة جداً اختارته طبيبة الاسنان التي تعالج أضراسي الملتهية في عيادتها الأنيقة .. كنت أفكر في ابداع هذا الطير المنشغل لوحده بشغفٍ وحرص متناه وهو يبني وطنه كي أجد في الطبيعة أمثاله من كائنات بمنتهى الحب تبني أوطانها بنفسها ، وهي لا تلتفت الى توافه الامور ، ولم يساعدها أحد من فصائل الكائنات الأخرى.
خرجتُ من عيادة طبيبتي بعد أن خفت آلامي المبرحة ، ولم أزل أفكّر بذلك الطير الرائع وقد أكمل بناء عشّه وراح يغني ، وهو يتمتّع بحريته.. ليجد له من تشاركهُ حياته وينجبا في عشهما الاخضر الساحر ملبيّاً عشقه لنداء الطبيعة.. دلفت الى مقهى مقابل عيادة طبيبتي لأحتسي فنجان قهوتي الصباحية،وأفتح الفيسبوك لأقرأ كلمات رائعة صاغتها ونشرتها الصديقة الأديبة القديرة لطفية الدليمي فقد كتبت للتوّ ، تقول :
” في حديقتي الموجزة زرعت بذور العشق
وعصافير بأجنحة لهب فاحترق الليل
في حديقتي الوادعة زرعت أحلاما زرقاء
لنساء مؤرقات بالحنين فتشبثن بالموجة الهاربة
في حديقتي النائمة اشتعلت نجمة الصباح
فنهض اليائسون من رمادهم.. ” ( انتهى النص).
أعجبني جدّاً مقول قولها ، ولم تزل في ذهني أعشاش الطيور ، فكتيت لها تعليقاً اختصر كلّ المسافات ، قلت لها : ” انّ من الشعر لحكمة. يا سيدتي العزيزة. يا لروعة الكلمات والإحساس الجميل .. نقرأ منك ونتعلّم. كلماتك جعلت الصور تتداعى في خاطري. عن أشياء ينبغي أن أسطرّها. وأنشرها. كما فعلتِ .. ” !
وها انا ذا اترجم مشاعري بعد أن رحتُ أقارن بين بلبلٍ صغير جدّاً لا يعرف في حياته القصيرة جدّاً الّا العمل والحرية والغناء وهو يعيش في طبيعة ساحرة لكنها قاسية ولوحدهِ ، لكنه منسجمٌ مع ذاته ومع بني جنسه ، وقد ورث في جيناته كلّ تصرفاته الساحرة واستجابته للتحدّيات .. وبين هذا الانسان الذي يهدم ولا يبني ، يكره ولا يحب ، يثأر ويتشفى ، ويؤرّق ولا يسامح ، ولا يعمل بل يهوى الكسل ، ويخنع ولا يدافع ..يريد مساواة نفسه بالمبدعين فيفشل ليحقد عليهم والأخطر انه يتعّلق بعادات بالية تسحق الاحلام، بل غدا حقوداً يكره بني وطنه حتى الهاربين من سلوكياته البدائية ، فهو يسحق المؤرقين بالحنين حتى في غربتهم ، بل ويدمّر وطنه بسفاهة وجنون .. ستبقى البلابل أجمل الكائنات ويا لتعاسة الانسان وبئس الاوطان المنكوبة بفعل الاشقياء والحمقى والمتعصّبين والحاقدين !