هل سُرقت ذاكرتنا الحضارية… أم أُنقذت من أيدينا؟ سيّار الجميل

لم تكن السرقة وحدها الحكاية… فالإهمال كان شريكًا في الضياع
1- نموذج ابداعي من الأستذة والتلمذة
ليس من السهل أن أختلف مع صديق عزيز هو الاستاذ القدير عابد حميان في الجزائر . كان يومًا أحد طلبتي الأعزاء ، وها هو اليوم يكتب بغيرةٍ صادقة عن الذاكرة التاريخية وحقّ الشعوب في استرداد تراثها. غير أن الصدق وحده لا يكفي حين تغيب الصورة الكاملة، وحين يُختزل تاريخٌ معقّد في عبارةٍ أخلاقيةٍ مُطلقة. ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف في الرأي لا يُنقص من تقديري لصديقي شيئًا، بل يزيده رسوخًا. فهو ليس مجرّد كاتبٍ عابر، بل أحد أولئك الذين عرفتهم طلابًا في قاعات الدرس، يوم كنت أُدرّس في جامعة وهران عام 1983، ثم رأيتهم يكبرون ويشقّون طريقهم في الفكر والمعرفة. وهو، في وفائه النادر، ظلّ كما عرفته، صادقًا مع أستاذه، مخلصًا لعلاقته الأولى بالعلم، يحمل من الاحترام ما يجعل الحوار معه ممكنًا، والاختلاف معه مُثمرًا. ولعلّ أجمل ما في هذا الجدل، أنه لا يدور بين خصمين، بل بين جيلين يلتقيان في محبة المعرفة، ويختلفان في تأويلها. بين أستاذٍ قديم يرى في التجربة ما يدعوه إلى الحذر من الأحكام المطلقة، وأستاذٍ جديدٍ تشرّب من أستاذه روح الدفاع عن القيم، حتى وإن بالغ في بعض خلاصاته. إنني أكتب هذا لا لأُخطّئه، بل لأوسّع زاوية النظر؛ ولا لأهدم رأيه، بل لأضعه في سياقٍ أرحب، تُرى فيه الصورة بكلّ تناقضاتها. فتراثنا ليس مجرد ملكيةٍ ضائعة، بل هو مسؤوليةٌ معلّقة في أعناقنا، قبل أن يكون حقًا نطالب به.
2- النص :
يقول صديقي في تغريدة له :” لقد سُرقت المخطوطات من كافة الدول العربية إبّان الفترة الاستعمارية، ومن الحقّ والعدل أن تُعاد إلى أهلها وموطنها الأصلي، ولسنا في حاجة إلى تحقيقاتهم بقدر حاجتنا إلى استرجاع ذاكرتنا التاريخية كاملة غير منقوصة” ( انتهى النص) .
هذه مقولة تبدو للوهلة الأولى بديهية، لكنها في تقديري تبسيطٌ مُخلّ لمصير تراثنا ، بل ومُضلِّل لتاريخنا الثقافي أحيانًا. بل أن تحقيقاتهم (هم ) لمخطوطاتنا العربية والسريانية والفارسية والتركية قد نرافق مع تحقيقهم لمخطوطات لاتينية وفكهم هم الحروف الهيروغليفية والمسمارية وغيرها .
3- أضواء من خلال تجارب
لقد عشتُ، بحكم التجربة، بين مكتبات الشرق والغرب، ورأيتُ بأمّ عيني كيف تُحفظ المخطوطات هناك، وكيف تُعامل بوصفها كنوزًا إنسانية لا مجرّد أوراقٍ قديمة. في مكتباتٍ كبرى في أوروبا، تُصان المخطوطات في بيئاتٍ مُحكمة، بدرجات حرارةٍ محسوبة، وعنايةٍ علمية دقيقة، ويُتاح للباحثين تحقيقها ونشرها، فتدخل حيّز المعرفة الإنسانية. لم تكن تلك المخطوطات هناك جثثًا محفوظة، بل كائناتٍ حيّة تُستعاد عبر التحقيق والنشر والدراسة. السؤال : ماذا كان مصير كثيرٍ من مخطوطاتنا لو بقيت في بيئاتها الأصلية؟
الجواب المؤلم: الإهمال والسرقة والتلف، أو الحريق ، والتدمير الممنهج وبيعها من قبل اصحابها! لا أتحدث هنا من موقع الاتهام، بل من واقعٍ عايشته. فقد سُرقت من مكتبتي الشخصية نوادرُ لا تُعوَّض، تضمّ كتبًا نادرة وموادّ مصوّرة (مايكروفيلم) جُمعتها بشقّ الأنفس. وإذا كان هذا حال مكتبةٍ خاصة، فكيف بمكتباتٍ عامة في بيئاتٍ مضطربة؟ وكيف بمخطوطاتٍ كانت تُترك في زوايا المساجد أو المدارس بلا عنايةٍ تُذكر ، وتتآكل بفعل الرطوبة والعفن والقوارض والديدان ؟
4- العصف المأكول
ثم لنتذكّر-من دون مواربة- أنّ أكبر الكوارث التي حلّت بتراثنا لم تكن دائمًا بفعل “الآخر”، بل بفعلنا نحن أو بفعل الفوضى التي عصفت بمجتمعاتنا. يكفي أن نستحضر ما فعلته جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حين أحرقت المكتبات ودمّرت التراث، لنفهم أن الخطر على ذاكرتنا لم يكن خارجيًا فحسب، بل داخليًا أيضًا. أما القول بإن المستعمر “سرق” المخطوطات والآثار ، فهو بدوره يحتاج إلى تدقيق تاريخي. فحركة انتقال المخطوطات والآثار إلى أوروبا بدأت منذ القرن الثامن عشر، سواء قي ظل العثمانيين أو الزنديين أو خانات المغول وغيرهم ، عبر الشراء، أو الإهداء، أو الاقتناء الفردي، أو حتى عبر الفوضى الإدارية التي لم تُحسن حفظ هذا التراث. نعم، وقعت تجاوزات وسرقات، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن تعميم الحكم يُفقدنا القدرة على الفهم. تخيلوا أن وراقاً عربيا امتلك مخطوطة نادرة ساومه عليها أحد الرحالة الانكليز بثمن بالغ ، فرفض الوراق فاستدانها الرحالة اسبوعاً واحداً ونجح في احضار خطاط فنان خطّها له واخرج نسخة لا تختلف عن الاصل ، فأرجع النسخة الجديدة واحتفظ بالاصل ورحل ! وقد ثبت لي ان الحادثة حقيقية وقد حصلت في القرن التاسع عشر .
5- هل القضية قضية “ملكية” أم قضية “مصير”؟
إذا كانت المخطوطات قد وجدت في الغرب بيئةً تحفظها وتُحييها، فهل من الحكمة أن نطالب بإعادتها فقط لأنها “لنا”، من دون أن نضمن لها شروط الحفظ نفسها؟ وهل نملك اليوم- بكل صراحة- بنيةً مؤسساتية قادرة على استيعاب هذا الإرث الهائل وصيانته؟ إن الذاكرة التاريخية لا تُستعاد بالشعارات، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالحنين، بل بالعلم. وإذا كنا جادّين في استعادة تراثنا، فالأجدر بنا أن نبني مكتباتٍ حديثة، ومراكز تحقيقٍ رصينة، ونُنشئ تقاليد علمية تحترم هذا الإرث وتُعيد إليه الحياة. لعلّ الأجدى من المطالبة بإعادة كل شيء، هو المطالبة بالشراكة:شراكة في الحفظ، في الرقمنة، في التحقيق، في الإتاحة. أن تكون هذه المخطوطات ملكًا للإنسانية، مع الاعتراف بجذورها، والعمل على إعادة وصلها بثقافتها الأصلية. إنني لا أدافع عن “سلب” التراث، ولا أبرّر اما فعله المستعمرون بمورثاتنا ، ولكنني أرفض أن نُسقط تعقيد التاريخ في ثنائيةٍ أخلاقيةٍ مريحة. فبعض ما نعدّه اليوم “مسروقًا”، هو في الحقيقة “ناجٍ” من الفناء. وبين السرقة والنجاة، مساحةٌ واسعة من الحقيقة… هي ما ينبغي أن نكتب عنه، لا ما نرغب في تصديقه فقط.
6- مقول قول مبني على تجربة
لقد وجدتُ نفسي، مرارًا، داخل مكتباتٍ كبرى في العالم، حيث تتحوّل المخطوطة من “أثرٍ مهمل” إلى “كائنٍ مُصان بدقّة علمية”. في المتحف البريطاني، وفي المكتبة الوطنية الفرنسية، وفي مكتبة الدولة في برلين، وكذلك في المكتبة الوطنية النمساوية، ومكتبة الكونكرس وغيرها من المكتبات لم تكن تجربتي مجرّد زيارة باحث ، بل كانت مواجهة مع نظامٍ صارمٍ في التعامل مع التراث. هناك، لا تصل إلى المخطوطة بسهولة، ولا تُسلَّم إليك كما تُسلَّم الكتب العادية. تدخل قاعاتٍ مغلقة، تخضع لإجراءات دقيقة، وتلتزم بتعليماتٍ صارمة في كيفية لمس الورق وتقليب الصفحات. أحيانًا يُطلب منك استخدام قفازات، أو الجلوس في وضعية محددة، أو الاكتفاء بالقراءة دون النسخ. المخطوطات النادرة تُعرض في فاترينات زجاجية محكمة، وكأنها جواهر، لا يُسمح بالاقتراب منها إلا ضمن شروطٍ محسوبةمع عدم استخدام كاميرا او موبايل . وحين تُسلَّم إليك مخطوطة، تشعر وكأنك استلمت وديعةً ثمينة لا مجرّد مادة للبحث. تُراقب عملية التسليم والاسترجاع بدقة مع مراقبتك بالكاميرات الخفية ، وتُفحص حالتها قبل وبعد الاستخدام. وحتى طلب تصويرها ليس أمرًا عابرًا؛ بل يخضع لإجراءاتٍ رسمية، وغالبًا مقابل مبالغ مالية، تعكس قيمة العمل المبذول في حفظها وصيانتها. هذا “الروتين الصارم” ليس تعقيدًا بيروقراطيًا، بل هو تعبير عن فلسفةٍ عميقة: أن المخطوطة ليست ملكًا فرديًا ولا حتى وطنيًا فحسب، بل هي جزء من الذاكرة الإنسانية، ويجب أن تُعامل بما يليق بهذه المكانة.
7- الوجه الآخر للحقيقة
لكن الوجه الآخر للحقيقة، وهو ما نتردّد كثيرًا في قوله، أن جزءًا غير قليل من تراثنا لم يَضِع لأنه “سُرق”، بل لأنه تُرك فريسةً للعبث، أو أُحرق، أو نُهب بأيدٍ محلية في لحظات الفوضى والانهيار. في أزمنة الانتفاضات والتمردات والحروب، كانت المكتبات أول الضحايا، وكأن الذاكرة تُعاقَب مع كل اضطراب سياسي. يكفي أن نستحضر ما جرى في نهب المتحف الوطني العراقي 2003، حين تُركت كنوز حضارية عمرها آلاف السنين للنهب والتخريب أمام أنظار العالم. ولم يكن ذلك حادثًا معزولًا، بل كان مشهدًا مُكثّفًا لانهيار فكرة الحماية نفسها. ثم جاءت الكارثة الأكبر مع تنظيم الدولة الإسلامية، الذي لم يكتفِ بالإهمال، بل مارس فعل الإبادة الثقافية الواعية: حرق المكتبات، تفجير المواقع الأثرية، وتمزيق ما لا يمكن بيعه. ولم تسلم بلدان أخرى من المصير ذاته؛ ففي سوريا ولبنان، كما في العراق، تعرّضت مكتبات عامة وخاصة للنهب أو الإحراق أو الإهمال القاتل، سواء في ظل الحروب أو تحت سطوة الميليشيات التي لم تُدرك قيمة ما بين أيديها، أو لم تُرد أن تُدرك.
إن أكثر ما يؤلم في هذه الوقائع، ليس فقط حجم الخسارة، بل طبيعتها: خسارة بأيدينا، أو على مرأى منا. مخطوطاتٌ أُحرقت، وأخرى سُرقت من خزائنها، وثالثة تآكلت بصمت في غياب الحدّ الأدنى من العناية. وهنا لا يعود السؤال: من سرق؟ بل يصبح: لماذا لم نحفظ كنوزنا بمنتهى الأمانة؟
8- وأخيراً : ماذا أقول ؟
هنا ، وجب القول أن أزمة التراث ليست فقط في “الخارج”، بل في الداخل أيضًا، حيث تتقاطع الفوضى مع الجهل، فينتج الضياع. وهنا، حيث ينتهي الجدل، يبدأ السؤال الحقيقي: ليس من أخذ… بل من يحفظ؟ وليس من يطالب… بل من يستحق أن يكون أمينًا على الذاكرة. فإذا لم نتعلّم كيف نحمي ما لدينا، ونبني مؤسساتٍ تصون ما تبقّى، فإن استعادة ما فُقد لن تكون إلا استعادةً مؤقتة، تُمهّد لفقدٍ جديد ، فمجتمعاتنا ودولنا تنتقل من أعصار الى آخر ، ولله في خلقه شؤون .





