تأمل في بؤس الثقافة العراقية اليوم:سيّار الجميل

ثقافة صراع الديكة : حين صارت الشتيمة موقفًا ثقافيًا:
تساؤلات ممتعة أوجهّها للسيدة بلقيس شرارة
أولاً: صراع الديكة : ثقافة السبّ والشتم
يتميز العراق بأنه البلد الأول الذي يعشق صراع الديكة ، وتأتي من بعده بعض الدول الآسيوية والناس تسعد جداً برؤية ديكين يتصارعان بشراسة مع دمائهما التي تخضبهما حتى يموت أحدهما ، فيتلذذ الحاضرون بتلك المشاهد المزعجة .. وبدا لي ان الثقافة العراقية اليوم قد غدت ميداناً لصراع ديكة، وكلّ ديك مزهو بالوان ريشه وطول عنقه وحمرة عيونه وصياحه ليل نهار .. فقد اكتشف في السنوات الأخيرة اختراعًا جديدًا لا يقلّ “أهمية ”عن الكتابة والشعر والنقد : الشتيمة بوصفها رأيًا، والسباب باعتبارهِ موقفًا فكريًا. لم تعد الشتيمة حكرًا على السياسي الغاضب أو النائب المأزوم، أو المسؤول الفاسد بل تسللت ، بوقار مدهش ، إلى قاموس بعض المثقفين، كأنها شهادة حداثة أو جرأة نقدية. في الماضي، كان المثقف العراقي يختلف، فيكتب مقالًا، أو يردّ بقصيدة، أو على الأقل يستعين بجملة نحوية سليمة. أما اليوم، فقد اختُصر الطريق: لا حاجة للحجة، ولا للمعرفة، ولا حتى للذائقة… يكفي وصف الآخر بعبارة سوقية، ثم الضغط على زر “نشر”. والرقص مع اثارة الضجيج والتعليقات السمجة .
ثانياً : من البرلمان إلى الفيس بوك: ديمقراطية السباب
المدهش أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى برلمان موازٍ، لكن بلا لوائح داخلية ولا حدّ أدنى من اللغة. الكلّ يتكلم، والكلّ يشتم، والكلّ يعتبر نفسه “صوت الشعب” و ” مرآة الثقافة ” ، حتى لو كان صوته لا يميّز بين السيّاب وطبق البامية . والمفارقة المؤلمة أنّ هذا السلوك لم يعد مقتصرًا على “العوام” أو “الذباب الإلكتروني”، بل صار يصدر أحيانًا عن أسماء محسوبة على الثقافة والأدب، ممن يُفترض أنهم حرّاس الكلمة واللغة والذوق، لا حفّارو قبورها.
ثالثاً: بلقيس شرارة والسياب: حين يُحاكم الشعر بلسان الغضب
ولعلّ من أكثر الأمثلة إثارة للأسى ، لا للدهشة ، ما نُقل عن المثقفة الراديكالية بلقيس شرارة في توصيفها الجارح لـ بدر شاكر السياب، أحد أهم أعمدة الشعر العربي الحديث. لسنا هنا في معرض الدفاع العاطفي عن السيّاب، فالكبار لا يحتاجون محامين، لكن السؤال البسيط هو: متى تحوّل الاختلاف الأدبي إلى تصفية لغوية او انعكاس حسابات شخصية ؟ ومتى صار الهجاء الشخصي بديلًا عن النقد؟ السيّاب، بكلّ ما له وما عليه، يُناقَش شعره، لا شخصه، وتُقرأ تجربته، لا أمراضه، ويُنتقد نصّه، لا جسده وأنفه أو اذنه . لقد خلّدت أسماء كانت أشكال أصحابها قبيحة، أمثال : الجاحظ وبشار بن برد والمعرّي وأبو نؤاس والمتنبي وابن الرومي وغيرهم ولكن آثارهم بقيت حية وستبقى خالدة ، لكن في الثقافة الشتّامة، لا مكان للنص، لأنّ النصّ يحتاج عقلًا، بينما الشتيمة تحتاج الى لسان سليط وأخلاق متردّية وأصابع تتحرك فقط .. وبدا لي أن استرسال بلقيس على سجيتها قد أوقعها في أخطاء اذ لم تكن تفكّر في الذي تقوله .
ان المثقف الغاضب، نسخة رديئة من السياسي والطريف المبكي أن بعض المثقفين صاروا يقلّدون أسوأ ما في السياسي ، فانفعالهم بلا عمق، ولغتهم بلا مسؤولية، وجمهور يقتصر على قراءة او سماع العناوين بلا مساءلة ولا تفكير! الفرق الوحيد أنّ السياسي يشتم ليكسب صوتًا، أمّا “المثقف الشتّام” فيشتم ليكسب (لايكًا) .
كنت أتفاءل خيراً، ولكن الأيام تبرهن على أن الثقافة تتراجع بشكل مخيف ، وليست المشكلة في الاختلاف، فالعراق عاش على الاختلاف قرونًا طوال وسبب انقسامات وصراعات .. وليست في النقد، فالنقد حياة وتصويب ، بل في تحويل السباب إلى هوية، والوقاحة إلى شجاعة، والانحطاط اللغوي إلى حرية تعبير مقرفة. وحين يصبح المثقف شتامًا، والسياسي مهرّجًا، ومواقع التواصل مدارس لتعليم الإسفاف، فلا تسأل: لماذا تراجع العراق؟ بل اسأل: كيف لم يتراجع أكثر؟
رابعاً : ضجة لا معنى لها
انّ الضجّة التي لا معنى لها والتي أثيرت عن بلقيس شرارة وتوصيفها للسيّاب دعتني الى أن أنصت ملياً لحديثها كاملاً، وأضعت أكثر من ساعتين وأنا أستمع الى محاورتها كاملة ، فوجدت أنّ الناس كلّهم تناقلوا جزئية واحدة مما قالته عن السيّاب دون التمعّن بكلّ ما ذكرته من غثّ وسمين وبجلفيه عامية عراقية وتكرار كلمتي ” ماكو ” و ” شسمه “، وكنت أتمنى أن تتكلّم بعربية مبسّطة وهي كاتبة وقارئة منذ سبعين عاماً، وعلى الانسان أن يتهّيب وهو يحكي أمام الكاميرات ولأجيال المستقبل ، فهو ليس مسترخياً في مقهى شعبي يحكي ما يشاء من دون أيّ شعور بالحرج أو الذنب ممّا يصدر عنه ، فيخسر كثيراً ..
خامساً: ملاحظات نقدية وتصويبية لما ذكرته السيدة بلقيس شرارة
عذرا للسيدة بلقيس شرارة أن سجّلت بعض نقداتي على بعض ما ذكرته ، واعتقد أن ذاكرتها لم تزل قوية متمنّيا عليها أن تتقبل ملاحظاتي النقدية والتصويبية بروح رياضية منتقداً إياها طبعاً ما ذكرته عن السياب وعن شخصيات أخرى ، ولتكن تجربتها هذه درساً لكلّ المثقفين العراقيين، وكذلك المبدعين من الشعراء والادباء والإعلاميين والاكاديميين في الابتعاد عن الشخصنة واطلاق الاحكام القاسية والابتعاد عن الموضوعية في تقييم الأحداث وعدم ادخال العلاقة الشخصية ابدا .. وذكر الحقائق مدعمة بالحجج .. عند ذاك ، يحق لأي ناقد ان يبرز الحجة على من أخطأ أو قام بتدليس او بكتابة ادعاءات أو الهذيان على الشاشات .. وأن لا تنعكس المواقف الايديولوجية والسياسية على المثقف أبدا
دعوني أتوقّف عند ثمانية موضوعات أخالف فيها السيدة بلقيس ، وقد تركت موضوعات أخرى:
1/ المؤرخ الدكتور عبد العزيز الدوري لم يكن انساناً انعزالياً ولا فوقيّاً كما ذكرت يا سيدتي ، بل كان أستاذاً منفتحاً ، ولم يكن المستشرق برنارد لويس استاذه المشرف في بريطانيا كما قلت ، لويس من جيله نفسه، فالدوري ولد عام 1919 ولويس ولد عام 1916 وقد التقيا في جامعة لندن . الصواب أن الأستاذ المشرف على الدوري هو المستشرق اربري كما درس على يد السير هاملتون كيب الذي انتقل الى جامعة أكسفورد عام 1937 وأشرف على المؤرخ الدكتور صالح احمد العلي . فكيف قال لويس لبلقيس بأنّه أستاذه ؟
2/ اذا كان الأديب الروائي جبرا إبراهيم جبرا انساناً طيباً ومسالماً ، فلا حاجة لذكرك أنه كان قد وقع تحت هيمنة زوجته( القوّية جداً) من آل العسكري، ومن دون ذكر الفارق الطبقي بين الاثنين ! وهل ينفعنا ذكرك الدكتور علي كمال انه كان يتعامل بنظرة فوقية على الناس ؟؟ انّ كليهما من فلسطين ، وليس يعنينا ان كان جبرا من طبقة مسحوقة وزوجته من طبقة عليا ! فهو مبدع أثرى الثقافة العربية . فضلا عن ذكرك لحماتك التي لم تتقبلك لأول مرة .. أرى هذه أمور شخصية !
3/ كلّ الفنانين التشكيليين العراقيين من المبدعين، وبطبيعة الحال فان الغيرة والتنافس يتواجدان في كلّ مجتمعات الدنيا .. أما أن نقول بأن خالد الرحال كان يغار من جواد سليم ، وأنّ البعض يكنّ الحقد لجواد.. وكان هؤلاء سبب موته ! فأجد ذلك غير مقبول في ذكر السير الشخصية. وليس صحيحا يا سيدتي الفاضلة التشكيك في المعمارية زها حديد، فقد اشتهرت منذ الثمانينيات عالمياً وليس كما ذكرت في عام 1995 . ووصفت تصميمها للبنك المركزي العراقي بأنه غير متجانس، ووصفت مشروعها وكأنه مجموعة أكواخ وأبعاد خيالية .. الخ من التوصيفات .
4/ ليس من الحكمة يا سيدتي الفاضلة اطلاق أحكام عامة عن الشعب العراقي كونه شعب متوّحش وشعب دموي ! وأن اللبنانيين يستغربون من وحشية العراقيين كما قالوا لك !! فقد ذكرت أنك تعشقين بغداد .. واذا كنت قد ولدت في النجف وسكنت في مدن عراقية عدة ، ففي هذه المدن ثقافات ومبدعين وفنانين وأدباء وشعراء لا اعتقد انهم بمتوحشين أو دمويين ؟
5/ لقد كانت هناك عدة عوامل سياسية واجتماعية وسايكلوجية داخلية وخارجية .. تبلورت لكي تنتج أبرز حدث مفصلي في 14 تموز / يوليو 1958، ولم ينحصر سبب قيام الانقلاب والثورة كون نوري السعيد قد أغلق البرلمان بعد جلسة واحدة والوقوف ضد 12 نائبا معارضا عام 1952 ، وانه قال : أنا لا استطيع العمل بوجود هؤلاء ! كنت أتمنى ان لا أي نقد الآن لثورة 14 تموز وما جرى فيها كما شرحت ذلك يا سيدتي الفاضلة ، كان على المنتقدين اليوم ان ينتقدوها ويعددوا ما يذكرونه اليوم عنها .. فالسكوت كان معناه وقت ذاك علامة رضا !
6/ اذا كان بدر شاكر السياب له تحوّلاته السياسية وتقلّباته حاله حال غيره من المثقفين .. واذا كان يكتب الغزليات لهذه وتلك ، واذا كانت آذانه طويلة .. فان نصوصه مبدعة وأن جميع شعراء زمنه يحترمونه عراقياً وعربياً ، وأن شخصيته لم تكن ضعيفة بل متقلبّة . اذا كان قد اختلف مع والدك محمد شرارة رحمه الله وانقطع عن مجلسه ! فليس معنى ذلك القدح به .. ونذكر أن المتنبي مدح كافور الاخشيدي ورجع ليهجوه هجاء مقذعاً !
7/ اذا كنتم أيها الراديكاليون قد اعتبرتم الاتحاد السوفييتي جنة من الجنان وقت ذاك، واعتبرتموه نموذجاً للعدالة والسلام ومحو الطبقات في كلّ مجتمعات العالم .. لكنك اكتشفت أثناء زيارتك ضمن وفد عراقي اليه بذخ الطبقة السوفييتية الحاكمة آنذاك، وان المجتمعات السوفييتية في حالة مدقعة ومحرومة ولا تعرف حتى البرتقال !
8/ اعذريني يا سيدتي بلقيس ، فقد ضحكت جداً على القصة التي وردت على لسانك والتي قلت فيها أن قرينك المعمار رفعت الجادرجي ذهب الى لندن للدراسة بعد انتهاء الحرب الثانية ، ولم يكن هناك في بريطانيا بيض ليأكل ، فكان أهله يرسلون له طبقة بيض كلّ شهر من العراق ! يأكل عشر بيضات ويعطي لجيرانه عشر بيضات ويعطي لأصدقائه عشر بيضات ! هل يعقل مثل هذا الكلام ( طبقة بيض) لم يكن وقت ذاك قد وجدت طبقة الكارتون اذ لم تصنع بعد ، بل كانوا يبيعون البيض بالسلال ! فهل يرسلون البيض في سلّة بالقش بالطائرة ؟ وكانت وقت ذاك تطير الطائرة العراقية بين بغداد ولندن لتتوقّف في بيروت أو إسطنبول ثمّ في فيينا أو إيطاليا ومن ثمّ تحّط في لندن .. طيب الا يتكّسر البيض يا ترى عبر أوروبا ؟ وبعدين اذا كان العراقيون يرسلون ببيضهم الى لندن ، وقد وصلوا الى هذه الدرجة من الرخاء والأبهة ويرسلون البيض الى أبنائهم عبر القارات ، فلماذا ناضل الشعب ضد الفقر والتبعية والاستعمار ؟
أختتم مقالتي هذه مع الاعتذار للسيدة بلقيس احتراماً لعمرها المديد وتقديراً لتجربتها ، وقد تمتّعت جدا باحاديثها . أتمنى لها سنة جديدة تتمتع فيها بالصحة والعافية .





