الكائنات المشوّهة .. أين ستذهب بثقافة مجتمعاتنا ؟ ا.د سيّار الجميل
لديَّ حكمةٌ يابانية قديمة أؤمن بها، تقول : “عندما تعجز
عن الابداع، لا تتقافز كالقرود فوق الاشجار، فأنت مكشوف العورة “، وهذا ما
ينطبق اليوم على بعض مجتمعاتنا التي كنت أتمّنى وأنا في مقتبل العمر أن أحيا لأجد
الثقافة فيها زاخرة بنسوتها ورجالها
ومزدهرة بابداعاتها ومتطوّرة في تجديداتها ، ولها مصداقيتها وبراعة أساليبها ، ولم
أكن أدري ما سيصيب مجتمعاتنا من أهوال وهزائم وانكسارات وتبدّلات وحروب وحصارات ..
لقد ترعرعت في مجتمعاتنا المتنوّعة طفيليات غدت كائنات مشوّهة ومزيّفة ومتطفّلة
وأنانية يتنّطع أصحابها بالثقافة وهم
خواء.. كنت أتمنى منذ خمسين عاماً أن تزدهر مجتمعاتنا بالمثقفين الحقيقين وتزخر
بالمفكّرين والمبدعين والمطربين اللامعين قياساً الى تضخّم نموّها ديموغرافياً ،
لكنها باتت اليوم هزيلة ومتعبة وغير قادرة على أيّ حوار مع هذا العصر، وباتت
كياناتها الهزيلة التي أسميناها دولاً ومؤسسات غير قادرة حتى في الدفاع عن نفسها
وعن الأوطان وقد أخترقها الأعداء من كلّ حدبٍ
وصوب !! وبات ألأدعياء يسرحون
ويمرحون ويتقافزون فوق الاشجار حفاة عراة
مكشوفي العورات !
لا تسألونني عن الأسباب أو العلاجات، فكلّ عاقل يدرك بما لا
يقبل مجالاً للشكّ تلك العوامل التي أنهكت مجتمعاتنا وكياناتنا وجعلتهما مهزلة بين
الأمم .. ولكن ليسأل المرء نفسه عمّا
استجد في الدواخل من أمراض وكم اجتاحتنا
أوبئة مزمنة ؟ وما الذي أصابَ التفكير
الجمعي العام بمقتلٍ؟ وما حدث للوعي كي يموت على قارعة الطريق بهيمنة الجهلاء
والأدعياء؟ وأين غدا العقل لدى الساسة والمثقفين؟
وما هذه المخلوقات المشّوهة والجاهلة التي ازدحمت بالشهادات العليا ؟ ما هذه الاكاذيب والتدليسات والتشوّهات التي تمرّر بكلّ صفاقة
باسم (المعرفة) و ( التمدّن)؟ ما هذه النعرات المضادة ضدّ القيم والتاريخ لنسف
وجودنا كاملاً؟ كيف يصدّق الناس باكاذيب
وتلفيقات لا أساس لها من الصحة ؟ ما هذه الاقنعة التي يستخدمونها في علاقاتهم الواهية ومجاملاتهم
الكاذبة؟ ما هذه الموجات الساخطة المتدّنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ؟ كيف
افتقدت اصول المحادثة وقيم الاحترام عند هذه الكائنات ؟ ما هذه الاعلاميات المفضوحة التي تسمعها
الملايين من الناس ؟ ما هذا الذي يتداولونه في تجمعاتهم سواء في الفيسبوك او على برنامج زووم او حتى في
مهازل مناقشات الرسائل الجامعية؟ ما الذي يمكنني رصده من الاخطاء في الاملاء واللغة
المحكية الفجة والمعلومات والتواريخ البسيطة ؟
ما هذه الفيديوهات السخيفة التي
يتداولونها خفافاً ويسمعونها ليل
نهار ليصدقوا بمحتوياتها؟ كيف ينصّب
هؤلاء أنفسهم أوصياء على الثقافة
والتاريخ والمعرفة.. بل ويدعّون
بكلّ حماقة وبلا حياء أنهم فلاسفة وعباقرة العصر؟ من هؤلاء الذين يسموّن انفسهم بعلماء ومفكرين ومبدعين وهم يلقون بآرائهم الفجّة ويطلقون
أحكامهم القاطعة ويوهمون الناس باسم علوم العصر ؟
كيف تتربى أجيالنا على هذا الغثاء
؟ وأرى كم من دكاكين ونوافذ فتحت على
اليوتيب وكلها هذيان وقرف ؟
لا أنفي أبداً وجود رجال فكر وأساتذة علم ومنطق .. نسوة ورجال
لهم قدرهم ورجاحة عقولهم وسمو أساليبهم.. وهم يتوزّعون فرادى ولا يظهرون على الناس
الّا نادراً .. لا أنكر أبداً وجود مراكز
بحوث رصينة في مجتمعاتنا، ولكن لا يمكنها
ملاحقة هذه الأمواج الدعائية الصاخبة العاتية ،
وكشف بضاعتها ..لقد خرجت مجتمعاتنا من طور الانغلاق والكبت والعزلة لتجد
نفسها أمام اجتياح مارد العولمة وتقنيات الاتصالات وقد نجحَت مجتمعات أخرى في الحدّ من تأثيراتها القاتلة
وجدت مجتمعاتنا نفسها أمام وسائل مباحة كي تتقافز متنطّعة كالطفيليات ..ترك الجميع
تخصصّاتهم وهرعوا ليكونوا مفكرّين وفلاسفة ومؤرخين وهم لا علاقة تربطهم بهذا وذاك
وأسأل : لماذا غدت المعرفة مهلهلة
عربياً في أسواق نخاسة يريد أبطالها
بهرجاً وجاهاً أو شهرة سريعة بأيّ ثمن ، وهم يعبّرون عن سايكلوجية مأزومة ؟ طيّب ، ان أردتَ أن تبرز فتكلّم بتخصّصك الذي
تدرك أبعاده ومجاله .. ما دخلك أنت بالتاريخ أو الحضارة ؟ لماذا هذه الاستعراضات المدجّنة ! لا
يمكن لأيّ عاقل أن ينسخ مادة من الويكبيديا مع صورها وخرائطها كي يلقيها في محاضرة
أو ندوة كما يحدث اليوم، وما دامت
المجاملات الرخيصة والكاذبة متوّفرة، فتجد آيات الشكر والتبجيل تنهال عليك وهم
يخدعونك .. في حين تفتقد ثقافتنا للنقاد الحقيقيين كي يحاكموا هذه المحافل المضحكة
علماً بأنّ لا فائدة ترجى من النصح والتصويب
لاستمراء أصحابها الحال وهم بلا حياء أو خجل اذ ليس لهم الا الشتم والبذاءة ، فهذا يشتم الله
وذاك ينفي أن للعرب حضارة والاخر يطعن
بالاديان وهذي تدعو الى الاباحية واولئك يوّزعون الاحكام التاريخية السالبة
القاطعة مجانا .. الخ من النماذج ..
ليسَ لي الّا أن أقول بأنّ أيّ مجتمع تسوده الجهالة وفقدان القيم، فهو سيموت
ومعهُ تموت كلّ أوراقه وأشجاره .. ولكن لا
يصحّ الّا الصحيح ولن تحيا الّا اسماء
معينة لتبقى على المدى لا لشيئ الّا كونها صاحبة مصداقية ومعرفة دقيقة وثقافة عميقة
وأنّ أيّة شهرة آنية أو حتى مرحلية فهي زائلة مع أصحابها.. أتمنى أن يستفيق
مجتمعنا من غفلته ويخرج من أوهامه بأن يخفّف من غلواء مجاملاته ، ويلغي من قاموسه
الشتائم والبذاءات وليعرف كل المتنطعّين الذين يتقافزون في كلّ حين قدر أنفسهم وستر عوراتهم فهم يحدّثون أناساً
ليسوا كلهم بجهلاء أو مجانين ..






