عن : عقدة الخواجة والتنّكر والاستلاب مرة أخرى✍️ أ.د. سيّار الجميل

ملاحظات ممتازة يسجلها مفكّر الذكاء الصناعي والمستقبليات
البروفيسور تحسين الشيخلي
عذراً لكم أعزائي ، فقد أرجأت نشر القسم الثاني من مقالتي الأخيرة الى حلقة قادمة كي أكرّس هذه “الحلقة 23 من كشف الأستار في التعقيب على مقالة كتبها ونشرها قبل يومين الصديق الأستاذ الدكتور تحسين الشيخلي وهو يعلّق مشكوراً على مقالتي الموسومة : ” بعد مرور أكثر من 150 عاما : هل استفاد الفكر العربي من فلسفات الغرب ومفكريه “.
الرجل يوافقني في الذي قلته ، وهو يضيف عدّة أفكار جديدة عبر تجربته الثرية. انني أتابع متى ما سمح لي وقتي ، أغلب ما ينشره الدكتور تحسين الشيخلي بشغف كبير فهو على تماس مع حركة التسارع التاريخي الذي يمرّ به العالم اليوم ، ويعّد بالفعل من أبرز المهتمين العرب بالذكاء الاصطناعي في السياق المعاصر باسهاماته دولياً ، وله مشاركات فكرية وأكاديمية متميزة تجعله جديرًا بالذكر إلى جانب من سبقوه. وتكمن أهميته أنه المتخصص الحقيقي في المعلوماتية – أو كما تشير بعض المصادر: هندسة المعلوماتية – من بريطانيا منذ عام 1985، ونال رتبة الأستاذية عام 2001. وعمل طوال حياته الاكاديمية متخصصاً في هندسة البرمجيات، ومؤسس معظم أقسام هذا التخصص في الجامعات العراقية، كما عمل في مجالات أكاديمية وإدارية متعدّدة (بحث، تدريس، والإشراف على رسائل ماجستير ودكتوراه) وله مساهمات بحثية مرموقة مع الاعتراف بها من منظمات عالمية مثل IEEE وACM
ومن أحدث أعماله “كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أسئلتنا الكبرى” (2025)، وهو كتاب يمتاز بعمق فلسفي يناقش الأسئلة الكبرى التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، بافتتان فريد بين التقنية والفلسفة . وعليه، فلا يمكن في زمن كثر فيه الطارئون بالعربية على حقول التفكير في الزمن والتاريخ والمستقبليات وهم يتكلمون على هواهم في الذكاء الصناعي ثقافياً واعلامياً ، بل وينّظرون ويطلقون الأحكام في هذا الميدان ، ويتم التغافل عن مفكر ومتخصص وعالم كالدكتور الشيخلي بكلّ ما حباه الله من مقدرةٍ وكفاءةٍ وثقافةٍ معمقّة جديرة بالتقدير .
ان اعتزازي بآرائه يأتي من خلال احترامي لثقافته ولأفكاره ونظريته وتأمّله العميق في مسألة “الدماغ الرقمي”و”خرافة الذكاء”، حيث يخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد دماغ رقمي قادر على التفكير مثل البشر، بل هو تكوين وظيفي مختلف بالكامل، يحثّ على مراجعة المفاهيم التقليدية عن الذكاء والاستدلال ، فضلا عن اهتمامه بدور المؤرخ في العصر الرقمي، مستعرضًا كيف غيرّت الثورة الرقمية أدوات وطرق الكتابة التاريخية نفسها، ففتح المجال أمام توثيق جماعي، وتحليل رقمي، وتفاعل حضاري جديد . بالتأكيد. الدكتور تحسين عبد الغني الشيخلي ليس مجرد مهندس أو أكاديمي تقني؛ إنما هو من أوائل المفكرين العرب المعاصرين الذين تناولوا الذكاء الاصطناعي من منظور فلسفي، حضاري، ومستقبلي. لقد أسهم في إثراء الفكر العربي بطرح تأمُّلات عميقة في: طبيعة الأسئلة التي يثيرها الذكاء الاصطناعي.
ها انا ذا اعيد نشر مقالته التي عّقب فيها على ما نشرته في الأسبوع الماضي ، وأتمنى انتظاركم الكريم الحلقة القادمة من كشف الأستار التي سأركز فيه على المفكرين العرب الممتازين المعاصرين الذين اهتموا حقيقة بعلوم المستقبليات في حين تضج الثقافة التسطيحية العربية حالياً اعجاباً بمفكرين وفلاسفة غربيين وهم لا علاقة لهم بالمستقبليات مع استلاب أفكار ينشرونها وهي لا تصلح لمجتمعاتنا البتة ..
مقال الأستاذ الدكتور تحسين
عقدة الخواجة.
حين يتحول الإعجاب إلى استلاب
تحسين الشيخلي
لا يختلف اثنان على أن الاستفادة من منجز الفكر الغربي أمر مشروع وضروري، بل هو علامة على انفتاح العقل ورغبته في التعلم من تجارب الآخرين. فالفلاسفة والعلماء الذين عاشوا ظروف تاريخية وثقافية مختلفة، قدموا رؤى غنية ساعدت البشرية على فهم العالم، وألهمت أجيال من المثقفين والباحثين في شتى أنحاء الأرض. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الإعجاب المشروع إلى ما يمكن تسميته – كما سماه أحد كبار المفكرين العرب وهو البروفيسور سيار الجميل في مقالاته (عقدة الخواجة). أي تلك النزعة التي تدفع بعض الكتاب والباحثين إلى الاكتفاء بترديد أسماء غربية، وكأنها مفاتيح سحرية للوجاهة الثقافية، بينما يتجاهلون أبناء جلدتهم الذين لا تقل إسهاماتهم الفكرية قيمة وعمقاً.
لقد حذر أ.د. سيار الجميل في مقاله (هل استفاد الفكر العربي من فلسفات الغرب؟ أم ترسخت عقدة الخواجة؟)من هذه الظاهرة التي رافقت الفكر العربي منذ أكثر من قرن ونصف. فبدل أن يكون التفاعل مع الفلسفات الغربية فعل نقدي واعي يغني التجربة العربية ويطورها، تحول في كثير من الأحيان إلى استلاب يعيد إنتاج التناقضات ويصنع أيديولوجيات مستوردة لم تنسجم مع واقعنا ولا مع تركيبتنا الاجتماعية والثقافية. وهكذا، وجدنا أنفسنا نتأرجح بين تيارات قومية أو ماركسية أو إسلامية، كلها استلهمت نصوصاً غربية أو قراءات مبتسرة لها، ثم حاولت تطبيقها في بيئات لم تكن مهيأة لذلك.
إن عقدة الخواجة، في جوهرها، ليست سوى انعكاس لعقدة نقص تجاه الذات. فهي تجعل المثقف العربي يظن أن مجرد الاستشهاد بديكارت أو فوكو أو هايدغر يمنحه هالة من العمق، بينما ذكر مفكر عربي معاصر قد لا يراه كافي لإقناع الجمهور أو القارئ. وهنا تكمن المعضلة: في التنكر لخبراتنا وتجاربنا، وفي إهمال أصوات مفكرين عرب وعراقيين معاصرين لهم من الرؤى والاجتهادات ما يفوق في بعض الأحيان ما يقدمه كثير من نظرائهم الغربيين.
المطلوب ليس الانغلاق أو القطيعة مع الفكر العالمي، فهذا انتحار ثقافي لا معنى له، بل المطلوب هو التوازن ،أن نستفيد من الفكر الغربي ونستوعبه ونناقشه بوعي، وفي الوقت ذاته نمنح مساحة كافية لمبدعينا كي يكونوا جزء من هذا الحوار الكوني. المثقف الحقيقي ليس من يلوك أسماء الآخرين ببغائياً، بل من يضيف إليها، ويجعلها تنبض في سياق مجتمعه، ويبرز بجانبها أسماء محلية تؤكد أن لنا أيضاً ما نقوله وما نضيفه.
لقد آن الأوان للتخلص من عقدة الخواجة، ومن وهم أن الفكر العميق لا يأتي إلا من الغرب. فالثقافة العربية غنية بتراثها ورجالها ومفكريها، وما تحتاجه هو ثقة بالنفس وإرادة في إعلاء أصواتها، حتى يكون حضورها متوازن لا تابع، وفاعل لا متلقي.





