من خلال تجربتي النقدية عند تأليفي كتاب ” تفكيك هيكل ” عام 2000 ، برزت أمامي جملة خطايا يرتكبها الاعلامي أو الصحفي وهو يدخل أنفه في كتابة التاريخ أو التحدّث باسمه .. وأجد مع توالي الايام ظهور العشرات من الصحفيين ، وهم يكتبون التاريخ السياسي سواء بتأليفهم الكتب أو بأحاديثهم أو مقابلاتهم .. استمعت الى أكثر من واحد منهم، وقد امتلكوا ساحة الاعلام ، وهم يقولون ما يشاؤون معتبرين أنفسهم كــ “مؤرخين” كما يلقبّهم البعض. وهم لم يتدارسوا مناهج التاريخ، ولم يتعلّموا أساليبَ البحث عن الحقائق، ولم يدركوا أبسط مصطلحات ومفاهيم التاريخ ولا عناصره ولا مدارسه ولا مصادره او وثائقه. ذلك ان كتابة التقارير الصحفية هي غير الكتابة التاريخية .
لقد هالني ما شاهدته او ما سمعته في لقاءات على الزوم تجري لاناس يتكلمون في التاريخ ، وهم لا يدركون أولويات كتابته . لقد غدوا يطلقون أحكاماً ، ويقولون ما يسمعون، ويردّدون الاكاذيب والافتراءات كونها حقائق.. بعضهم يمتلك معلومات محكيّة أو من خلال مشاهدته هو نفسه او ما يردّده هذا وذاك في المقاهي ! انه لا يعرف الدقّة ولا تمحيص ما سمع أو التأكد ممّا يقوله الاخرون . أعجب أيضاً عن حجم ما يتناقلونه من أخطاء مفجعة .. وبرغم كلّ ما يحفظونه على ظهر قلب ممّا سمعوه من هذا او ذاك ، فان ثقافتهم محدودة جداً .. وليس لهم قدرة على قراءة الوثائق والمستندات والعمل بها، ومسرداتهم مجرّد ما سمعوه من روايات متضاربة أو من مقابلات مع أناس استعرضوا عضلاتهم أو شوّهوا سمعة من اختلفوا معهم .. والانكى من ذلك انهم يوزّعون الاتّهامات على رجال رحلوا، وعلى عهود مرّت او يمجّدون بهذا دون ذاك مع تعصبّات عمياء لا يمكن أن يتقبلّها العقلاء ، ولكن خطورتها عندما تمّر من خلال شاشات التلفزيون والانترنيت على الناس.. وتجد مثل هذه الكائنات تجترّ ما قالته كلّ مرة ! . وهناك أيضاً العديد من المتطفّلين على كتابة التاريخ والتحدّث باسمه وهم من حقول وميادين أخرى ! انّ الصحفي الناجح في العالم ان أبدع في تقاريره الصحفية سيكون مؤرخاً بارعاً .
انّ تاريخنا بحاجة ماسة الى المؤرخين المتخصّصين الأمناء والأذكياء لا الى الصحفيين والاعلاميين المنحازين. ان الصحفيين ينشرون مباشرة ما يكتبونه في المسوّدة الأولى للتاريخ، ديدنهم التسّرع في النشر، لقد أحصيت لأحدهم ما وقعَ فيه من أخطاء في المعلومات والاسماء والتواريخ ، فحدّث ولا حرج فهي فضيحة ان قمت بنشرها ! اننا نخشى على أجيالنا الجديدة من هرائهم وأخطائهم وقد غدوا اليوم يسمونهم بمؤرخين ! المشكلة انّ ما يكتبونه أو يقولونه لم يخل من تأثيرات سياسية أو طائفية أو شخصية مع افق محدود، وهزال لغة، وثقافة محدودة مع ضعف معرفة وجهل بتواريخ أخرى، فهم متقوقعون في اطار ما مرّوا به من أحداث ليلوكونها على هواهم من دون فهم مشكلاتها وجذورها .. والانكى ما يطلقونه من أحكام قاطعة وهم وسط دوامة دائرية مغلقة ، أبطالها : عبد الكريم قال ، عبد السلام حكى .. البكر استقال وصدام فعل . اما ان سالتهم عن مساحة اخرى راحوا يتخبطون .. باستثناء بعض المخضرمين المقتدرين من الاعلاميين المثقفين ! وعليه ، لا يمكن الوثوق بهؤلاء وقد تسيّدوا الميدان لندرة المؤرخين الحقيقيين برغم كثرة الذين يحملون الشهادت العليا في التاريخ !
الصحفي يعرف كيف يكتب الريبورتاج والمقال أو التقارير الصحفية أو يجري حوارا أو يذيع الأخبار .. ولكن ليس باستطاعته ممارسة مهنة المؤرخ التي لا يزاولها اي صحفي في العالم ما لم يحترز على شهادة تؤهله كي يكون مؤرخاً . فالتاريخ علم معقّد وليس عرض إثارة وتشهير، والتاريخ تحققّ وأسرار ، وليس مجرّد أقوال وصفات وأشعار وحكايا ومدح وقدح .. لا يكتب التاريخ أيّ منحاز أو متقلّب مع العهود فيوماً يمجّد هذا واليوم يشتم ذاك ! واذا كان هناك هيكلاً عظمياً واحداً في القرن العشرين ، فانّ حياتنا اليوم قد ازدحمت بالهياكل العظمية التي شوّهت كلّ شئ وأفسدته ، وقد فتح الباب على مصراعيه أمام كلّ من هبّ ودبّ ليكون مؤرخاً، أو ليتحدّث في التاريخ كيفما شاء من دون أيّة نقدات ولا حدود ولا مناهج ولا تحقق ولا تدّبر ولا ضمائر في اطلاق احكام ! لقد استسهل هؤلاء لأسباب شتى للتسويق أو التشويق أو الاثارة أو ازاء هجمة مدبّرة لتشويه التاريخ بأيّ ثمنٍ كان !