بحاجة الى درس” المحفوظات ” الذي كان مقرّراً في الابتدائيات !
أولا : محفوظات مدرسية
كان عندنا درس في المدارس الابتدائية يطلقون عليه اسم ” محفوظات ” وهو درس يختبر فيه التلميذ قدراته على الحفظ والفهم، فكنا نتبارى في حفظ النصوص والأبيات الشعرية والأمثال .. وكان أستاذ المادة يحرص على أن يختار لنا جملة نصوص عربية رائعة كتبها أديب أو قالها خطيب أو نظمّها شاعر. وكلّ هؤلاء قد عاشوا في بيئاتهم وخبروا بتجاربهم طبائعها وعرفوا تواريخها وتقاليد مجتمعاتها .. وكان ذلك ” الدرس” محكّا للتلاميذ ، اذ يفرز هذا من ذاك ، فهذا ليس باستطاعته الحفظ أبداً ونقيضه ما كان يطلق عليه بـ ” الدراّخ ” فهو يحفظ ويردّد كالببغاء على ظهر قلب من دون فهم ما يحفظ وينسى بعد الامتحان كل ما حفظه، وهناك من يحفظ ويدرك مقول القول ويسأل عن الالفاظ والمعاني، اذ يفكّر في النص ويتأمل فيه .. وفي كلّ الأحوال فامثال هذا الأخير هو قليل ونادر بالضرورة ..
ثانياً : أساتذة ومثقفون لا يمّيزون المعاني
اليوم يعجب المرء من سوء الحال والأحوال ، اذ أن أساتذة جامعات بحاجة الى معلمين مدرسة ابتدائية ليعلموهم (محفوظات)، وأنا واثق بأنّ الأغلبية ليسَ لها القدرة على أن تحفظ، وان ما يوازيهم من(الدّراخين) الذين يبهرون الناس بما حفظوه ، ولكن ان سألهم سائل عن الذي يهذون به كآلة تسجيل ، فهم لن ولم يعرفوا الاجابة الصحيحة ! فالفهم هو غير الحفظ، وأن الفهم لا يتمّ الّا من خلال القلم والكتابة والتفكير. وعليه ، فانّ التعليم الحقيقي لا يتمّ من خلال حفظ الأشياء واعادة ببغاويتها والحصول على معدّلات عالية بلا فهمٍ ولا قاموسٍ ولا ادراك للنص والمسردات .. صحيح جدا أن هناك شابات وشباب لديهم حيويتهم وذكائهم وتطلعاتهم، ولكنهم تخرّجوا ولم يطّوروا انفسهم ، ولم تكتمل بعد معرفتهم وتجاربهم ولم تكن لديهم اية ادوات ولم يمرّوا بأية أساليب ولا أية قراءات مع ضعف شديد في العربية والعلوم المساعدة .. فهم في حدود تخصصهم ولكن ثقافتهم العامة صفر على الشمال !
ثالثاً: في سوق الهرج يضيع الغالي بسعر الرخيص !
وأجد أن من يسمّون أنفسهم اليوم بـ “مثقفين” و”أكاديميين”وهم ليس الّا بمتثاقفين يحفظون على ظهر قلب عدّة تعابير ومصطلحات وأقوال وفقرات يردّدونها .. أخبركم عن محاضرة ألقاها أحدهم في نصف ساعة أحصيت كلمة ” اعادة الانتاج” التي كرّرها أكثر من خمسين مرة في أقل من ثلاثين دقيقة ! اعادة انتاج ماذا ؟ لا يعرف .. ولكن عن ماذا يتحدّث ؟ لا أحد يعرف ! ويأتي الأسوأ كي يحاوره البعض ليس من خلال اسئلة ذكية ونقدات موضوعية بل من خلال سفسطائيات تثير القرف لحجم الجهالة التي يرتع بها هؤلاء باخطائهم التي لا تغتفر . لقد اتخمت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم بالمحاضرات والملتقيات، وأصحابها يعيدون ويكررون التعابير ذاتها ، وبعضهم ينسخون ثم يقراون ما نسخوه بل ويستطرد البعض الى تفاصيل لا صلة لها بموضوع المحاضرة مما يسبّب الاشمئزاز لما يتلاقح من اخطاء في اللغة والمعرفة وفساد الذوق فلا المعلومات صحيحة ولا التواريخ منضبطة ، ولا اللغة صائبة ، ولا اسلوب منطقي تجده في الحوار .
رابعاً : العلاقات الثقافية تتحكم بها السايكلوجيات المريضة
ان المشكلة المعقدة والاساسية تكمن في التربية والتعليم وبسوء مناهج التدريس وضعف الكوادر التعليمية والمحفوظات وجوقات الدرّاخين ونقص المعرفة واستلاب ما ينشره الآخرون. وخلل المؤسسات، وانعدام الرقابة، وضيق حرية التعبير، وسوء التفكير، وضعف اللغة . انّ كان مفكرو الغرب نموذجك الاعلى، فأنت لا تقرأ عنهم مباشرة، بل من خلال المتداول والمترجم خصوصاً وانّ هناك نزعة الاستلاب الثقافي التي تتفاقم بشكلٍ مفجعٍ في ثقافتنا العربية .. وهناك أيضاً محاولات تقليد فكري وسلوكي، حتى لو كان ذلك على حساب بيئتهم وتاريخهم. مثل هؤلاء لم نجدهم في الثقافات المجاورة والموازية لنا ، لا في تركيا ولا في ايران ولا في الهند ولا حتى البعيدة سواء في الصين او اليابان أو اميركا اللاتينية . هنا تتحكّم الامزجة والميول في غياب الحريات والاعتراف المحلي، مع ضياع المقادير. انّ سوء التفكير تجاه كثير من المفكرين العرب الذين يُحاصرون أو يُهمّشون في بلدانهم بسبب مواقف سياسية أو دينية أو طائفية ، فلا ينالون التقدير الذي يستحقونه. حتى لو ظهر كصوتٍ حرّ، ممّا يجعله أكثر جاذبية في غير بلدهِ او أنهم يتهمّون بتهم زائفة وباطلة تسري بين الناس ظلماً وعدواناً .
خامساً : سوء الاخلاق وضعف التكوين والتطفّل على التخصصّات
ولعلّ انعكاسات بعض أفراد المجتمع الذين لا يمكن علاجهم وتصحيح اخلاقياتهم وغياب التواضع العلمي ، فالكثيرون يعتبرون أنفسهم علماء لا يتقبّلون نصيحة وليس لهم رحابة صدر ولا احترام لاساتذتهم او لكبار السن ، فهم يعانون من الأنوية وحبّ الذات والحقد الأعمى والكراهية المفرطة للمبدعين، وهم لا يعرفون التسامح ولا الاعتذار ولا التقدير مع من هو أفضل منهم.. واعتقد ان بيئاتهم البدائية وخنادقهم السياسية قد علمتهم سوء الاخلاق ، وهذا ما نلحظه في مرافق عدة بدءا بالجامعات وانتهاء باجهزة الاعلام التي تعجّ بالجهلة والمتثاقفين من اناث وذكور ومخنثين !
سادسا وأخيرا : كراهية ذوي المهن لبعضهم ارث قديم
التقيت قبل ثلاثين سنة ببيروت برجل مؤرخ في أحد المؤتمرات، وكان يرمقني بنظراته الحادة من تحت زجاج نظارته، وكنت واقفاً مع أستاذنا المؤرخ نيقولا زيادة ، فالتفتَ اليّ ذلك الشخص الذي لا أعرفه وقد عرفت من يكون لاحقاً، وخاطبني : هل أنتَ فلان ؟ قلت : نعم . قال : لماذا أكرهك؟ قلت له : سامحك الله هل تعرفني فانا لا أعرفك؟ هل قرأت شيئاَ نشرته وقد أغاضك الى هذا الحدّ ؟ أجاب : لا ! قلت : اذن لماذا تكرهني؟ أجاب بغباء منقطع النظير: انّ زميلاً لك في جامعتك في العراق .. أشبعك ذمّاَ واتهّمك بشتى التهم. التفتّ اليه نيقولا زيادة رحمه الله ، وقال له بلهجة ساخرة : وأنت صدّقته وصفقّت له وتأتي لتأخذ بالثأر من سيّار .. فاعتذر الرجل مني كثيراً، وانسل وهو في منتهى الخجل.