مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

ما رأيته في ناسا NASA غيّر رؤيتي لتاريخ البشرية ✍ سيّار الجميل

صورة لشخص يقف أمام معرض فضاء، بجانبه رسومات للأرض ورواد فضاء.

1- استهلال : زيارتي الاستكشافية العلمية

قبل أحد عشر عامًا، لم أكن سائحا ، بل كنت مستكشفاً .. كنتُ أعبر على مدى ايام من يوليو / تموز 2015 بوابة عالمٍ ليس ككل العوالم؛ عالم NASA، وتحديدًا ذلك الفضاء الرحب الذي يحتضنه Lyndon B. Johnson Space Center، حيث لا تُعرض الأشياء بوصفها معروضات جامدة، بل كأنها شواهد حيّة على لحظةٍ ارتفع فيها الإنسان فوق حدوده. واقف مذهولا أمام شاشات ضخمة تعرض مشاهد من انطلاق الصواريخ، وخطوات الإنسان الأولى على القمر. المتحف يضم أكثر من 400 قطعة أصلية من تاريخ الفضاء ، لذلك أنت لا ترى نماذج فقط، بل ترى أشياء “سافرت فعلاً خارج الأرض”.

2- تجربة اعادت تعريف الانسان

لم أكن أتصوّر أن خطوةً واحدة داخل عالم NASA قادرة على أن تُربك يقيني القديم بهذه الدرجة. كنت أظن أنني ذاهب إلى متحفٍ علميّ، أو إلى مكانٍ يعرض إنجازات الإنسان في الفضاء، لكنني وجدت نفسي أمام تجربةٍ تُعيد تعريف الإنسان قبل أن تُعيد تعريف الفضاء. هناك، بين الصواريخ التي تنتصب في الخارج كأنها ذاكرةٌ معدنية للسماء، وبين تلك الصواريخ العملاقة الممتدة أفقياً داخل القاعات، شعرتُ أنني لا أرى آلاتٍ فقط، بل أرى تاريخًا من الجرأة البشرية وهو يتجسّد في الحديد والنار والمعادلات. كل شيء كان أكبر من حدود الفكرة المعتادة: الحجم، الصوت، الصمت، وحتى الدهشة نفسها. وفي تلك اللحظات، أمام الكبسولات الضيقة التي حملت الإنسان إلى القمر ضمن برنامج Apollo program، بدأ سؤالٌ داخلي يتشكل بصوتٍ خافت: كيف يمكن لهذا الكائن الصغير، المحكوم بالأرض، أن يجرؤ على مغادرتها ؟ لم تكن الزيارة مجرد انتقالٍ سياحة مكاني، بل كانت انتقالًا في الرؤية . كأن شيئًا ما في الداخل قد انكسر بلطف، ليُفسح المجال لفهمٍ جديد يقول : أن الإنسان ليس ما يعتقده عن نفسه، بل ما يستطيع أن يفعله حين يتجاوز خوفه وحدوده.

ومن تلك اللحظة، لم أعد أنظر إلى الحياة البشرية بالطريقة نفسها.

3- ذكرى 22 يوليو / تموز 1969: أهم يوم في تاريخ البشرية

عادت بي الذاكرة إلى عام 1969 نفسه، حين دخلنا الصف الخامس الثانوي بعد شهرين فقط من الحدث الذي هزّ العالم . كنتُ يوم ذاك قد سهرتُ الليل كلّه، وأنا أتابع عبر جهاز ترانزستور صغير وقائع الهبوط التاريخي، مأخوذًا بما أسمع كأنني أشارك البشرية دهشتها الأولى. في اول درس ، دخل علينا مدرس اللغة العربية وآدابها وكان رحمه الله مهووسا بالتصوف ، فبادرناه بحماسة: “لقد نزل الإنسان على القمر!”! فما كان منه إلا أن قطّب حاجبيه وأجاب بعصبية: “وهل تصدقون ذلك؟ انهم يكذبون على العالم .. ان القمر نور السماوات والأرض! استغفر الله… هؤلاء يكذبون عليكم. لقد ذهبوا إلى صحراء في القطب الجنوبي وصوّروا أنفسهم ليقولوا إنهم في القمر، فلا تسمعوهم ولا تصدقوا!” حاولنا أن نحاججه، لكننا آثرنا الصمت، لا اقتناعًا، بل اتقاءً لسلاطة لسانٍ كان يرى في الشك فضيلة، وفي العلم تهمة. منذ رحلة أبولو 11 ونزول أول انسان على القمر عام 1969، لم يتوقف البعض عن التشكيك في حقيقة ذلك، وبقيت الشكوك، برغم تراكم الأدلة العلمية والتقنية حيّةً في أذهان فئات ترى العالم من خلال منظورات ما ورائية أو نزعات إنكارية. ومع كل إنجاز فضائي جديد- وصولًا إلى برامج حديثة مثل Artemis Program-

4- قصة نيل ارمسترونغ

كنتُ، ولا أزال، مأخوذًا بشخصية رائد الفضاء نيل ارمسترونغ Neil Armstrong 1930- 2012م ، لا لشيءٍ إلا لأنه اختصر لحظةً كونية حين خطا أولى خطوات الإنسان على سطح القمر في رحلة ابوللو 11 عام 1969.وبقيت اتابعه وما يكتبه . وأذكر أنني، في صيف عام 1979 وكنت طالبا للدكتوراه في بريطانيا دعيت لحضور احتفالية لمناسبة مرور عشر سنوات على الحدث ووزّعت فيها لوحة كبيرة شهيرة له على القمر فوضعتها على أحد جدران غرفتي في القسم الداخلي ، كأنني أعلّق إعلانًا صغيرًا عن انتصار العقل البشري. غير أن دهشتي لم تكن بالصورة، اذ بزميلٍ عربيٍّ اقترب منها بوجهٍ ممتعض، ثم أطلق حكمه الجاهز: “ثم ماذا؟ حتى لو نزل على القمر! لماذا انت معجب يه ؟ عندها أدركت أن المشكلة ليست في القمر، بل في المسافة الهائلة بين عقلٍ يرى الإنجاز الإنساني أفقًا مفتوحًا، وعقلٍ آخر يراه تفصيلًا تافهًا أمام يقينٍ مُعلّب نخشى عليه من الصدأ .

وهكذا، بين ذلك المدرس الغاضب، وذلك الزميل الواثق، بدا لي أن المشكلة أعمق من حادثة أو رأي عابر؛ إنها بنية ذهنية كاملة، تأنف من التصديق لا لأنها تفتقر إلى الدليل، بل لأنها تملك يقينًا جاهزًا يغنيها عن البحث. قلت له يوم ذاك ، بشيءٍ من التهكم الذي لم أستطع كبحه: يبدو أن بعض العقول لا ترفض الوصول إلى القمر فحسب، بل ترفض حتى مغادرة الأرض التي صنعتها أوهامها.

5- خطوات المعرفة تتقّدم

منذ اللحظة الأولى، بدت القاعات كأنها ذاكرة مفتوحة للكون. الضوء خافت، والصور المتحركة تنبض على الجدران، وكأنك تمشي داخل تاريخٍ لا يزال يتنفس. لكن أكثر ما استوقفني لم يكن داخل القاعات فحسب، بل خارجها أيضًا: صواريخ كثيرة منتصبة في الهواء الطلق، كأنها حراس الزمن، شاهقة، صامتة، لكنها مشبعة بضجيجٍ خفيّ، ضجيج الإقلاع الذي حدث يومًا. ثم تدخل إلى القاعات الكبرى، فتجد نوعًا آخر من الهيبة: صواريخ طويلة وجبارة، ممدّدة أفقيًا، تحتل الفضاء بكامله. هناك، لا تنظر إلى صاروخ فحسب، بل تسير بمحاذاة حلمٍ كامل. جسدٌ معدنيّ هائل، يبدأ بمحركاتٍ تشبه أفواه البراكين، وينتهي بكبسولة صغيرة تكاد لا تُرى. تلك المفارقة كانت مدهشة، كل هذا الامتداد، وكل هذه القوة، من أجل أن يحمل في نهايته إنسانًا هشًا يحلم نحو السماء.

6- كائنات تثير الدهشة

فجأة تقف أمام كبسولات الفضاء من برامج Apollo program. صغيرة، ضيقة، لا توحي بالراحة ولا بالأمان، ومع ذلك كانت وسيلة العبور إلى القمر. ترى آثار الزمن على سطحها، وتكاد تتخيل الرواد وهم داخلها، محاطين بالصمت، يواجهون المجهول بثقة غريبة وهم في ظلام دامس . ثم تمتد الرحلة إلى وجوه الذين صنعوا تلك المغامرة: صور الرواد، ببدلاتهم الثقيلة، بابتساماتهم الهادئة، وبنظراتهم التي تحمل شيئًا من الأرض وشيئًا من السماء. بجانبها، بدلات الفضاء نفسها، صامتة لكنها مهيبة، كأنها لا تزال تحتفظ بحرارة الشمس وبرودة الفراغ. ولا تغيب عن الذاكرة تلك النماذج الدقيقة لمركبات ومحطات التدريب، حيث يبدو كل شيء بين الحقيقة والمحاكاة. هناك يتدرّب الإنسان ليعيش خارج الأرض، وكأن الحياة نفسها يمكن إعادة اختراعها في مكان آخر.

7- زيارة استكشاف لا توازيها عشرات الكتب

تلك الزيارة، بعد أحد عشر عامًا، لا تزال في ذاكرتي لا كحدثٍ عابر، بل كلحظةٍ أدركتُ فيها أن الإنسان، حين يؤمن بعقله، يستطيع أن يجعل من السماء طريقًا. كنت اقرأ كل المعلومات المكتوبة .واتمنى ان تضيف مشاعري ودهشتي وايضا تمنياتي ان يزور الناس هذا المكان ليغيّروا من افكارهم المستهلكة وهم ما زالوا باجسادهم معنا ، ولكنهم باقون في دوامات العصور الوسطى .. لو تركوا عواطفهم جانبا وتأملوا في منجزات الانسان والتفكير في المستقبل والخروج من دوامة الاسطورة والخرافة الى دائرة العلم والمعرفة والاكتشاف والمستقبل لتغّير وجه العالم بوقوف الانسان مع الحقيقة لا مع الاكاذيب ومع الانسان لا مع الشياطين . فهل سيتعلم من جديد معنى أن يكون إنسانًا لا حيوانا متوحشا ضاريا .

8- ذاكرة البشرية الكونية

لقد خرجتُ من ذلك المكان وأنا أحمل أمنية صادقة يتختزلها سؤال : كيف تقدّم الإنسان؟ ولماذا يتأخر أحيانًا؟ وما الذي يمنعنا من أن نكون جزءًا من هذا الأفق؟ هناك، في ذلك المكان، لا تعود الأسطورة قادرة على إقناعك، ولا الخرافة قادرة على أسر خيالك. لأنك ترى بعينيك إنجازًا حقيقيًا، صنعه عقلٌ بشري، وخيالٌ علمي تحوّل إلى واقع. ولهذا، تمنيتُ- ولا أزال- أن يتحول هذا المكان إلى محطة عبورٍ ذهنية لكل من يزوره من البشر كي تتحرّك ادمغتهم من دائرة الوهم إلى دائرة المعرفة، ومن سكون الماضي إلى قلق المستقبل، ومن الاكتفاء بالحكايات والثرثرة إلى الإيمان بالاكتشاف والمغامرة . تلك الزيارة، بعد أحد عشر عامًا، لا تزال في داخلي لا كذكرى، بل كبوصلة؛ تذكّرني بأن الإنسان، حين يختار العلم، لا يغيّر العالم فحسب… بل يغيّر نفسه أولًا. بمجرد دخولك، تشعر أنك انتقلت من الأرض إلى “ذاكرة البشرية الكونية”. القاعات واسعة، والإضاءة خافتة قليلاً، مع شاشات ضخمة تعرض مشاهد من انطلاق الصواريخ، وخطوات الإنسان الأولى على القمر.

9- في متحف الفضاء

المتحف يضم أكثر من 400 قطعة أصلية من تاريخ الفضاء ، لذلك أنت لا ترى نماذج فقط، بل ترى أشياء “سافرت فعلاً خارج الأرض”.

9-1- الصواريخ العملاقة (أعظم ما ستراه)

أكثر ما يدهش الزائر هو صواريخ ساتورن V التي حملت بعثات القمر. تخيل أنك تمشي بجانب صاروخ طوله عشرات الأمتار، موضوع أفقياً داخل قاعة ضخمة جدا … حجمه وهو يتمدد بجبروته يجعلك تشعر بصغر الإنسان أمام حلمه. ترى المحركات العملاقة من الخلف، وكأنها فوهات براكين. وفي المقدمة، كبسولة صغيرة جداً… وهنا المفارقة هذا “الشيء الصغير” هو الذي حمل البشر إلى القمر! هذا التناقض بين الضخامة والهشاشة يعطي شعوراً فلسفياً عميقاً.

9-2- كبسولات الفضاء

في قاعات أخرى، تجد كبسولات حقيقية من برامج: ميركوري وجيميني وأبولو تستطيع أن ترى: المقاعد الضيقة جداً .. لوحة التحكم البسيطة مقارنة بتقنيات اليوم آثار الاحتراق على الدرع الحراري وتدرك أن الرواد لم يكونوا في “سفن فاخرة”، بل في علب معدنية خطيرة، ومع ذلك ذهبوا إلى القمر. هناك جدار كامل من صور رواد الفضاء: صور رسمية ببدلاتهم وصور إنسانية: يبتسمون، يلوّحون، أو ينظرون إلى الأرض من النوافذ وتُعرض أيضاً: بدلات الفضاء الثقيلة مع خوذات شفافة تعكس الضوء بطريقة مهيبة وأدوات استخدموها على سطح القمر . تشعر أن هؤلاء ليسوا مجرد علماء، بل “شعراء الكون”… اقف أمام صخور صماء سوداوية أتوا بها من القمر وهي داخل فاترينات زجاجية لا يلمسها أحد !

9-3- غرفة التحكم الأسطورية (Mission Control)

وهنا قلب القصة… قاعة متدرجة مليئة بصفوف من الشاشات وأجهزة الكمبيوتر وفي الأمام شاشة عملاقة تعرض مسار المركبة هذه الغرفة كانت العقل الذي يقود الرحلة من الأرض منذ ستينيات القرن الماضي . وعندما تنظر إليها، تتخيل لحظة الهبوط على القمر: صمت… توتر… ثم انفجار فرح. لقد انتابني شعور بأنها تجربة وجودية تجعلك تفكر: كيف استطاع الإنسان، بوسائل بدائية نسبياً، أن يغادر كوكبه؟ شعرت برهبة من حجم الإنجاز ، وأن الانسان كائن مفكر شعرت بحنين إلى زمن كان فيه الحلم يختفي وراء كتلة من الخوف . وأنتبه من غفلة الماضي لاسأل : كيف قاد “ العقل البشري” على هذه الأرض أعظم مغامرة بشريةعبر التاريخ .

10- الخلاصة:

لم يكن المكان مجرد متحف، بل أرشيف لحلمٍ تحقق- حلم أن يغادر الإنسان كوكبه، ولو داخل كبسولة ضيقة، وتحت إشراف شاشات أصبحت الآن جزءًا من التاريخ. ولكنه درس لاجيال المستقبل . السؤال الأهم : هل ستكون المعرفة البشرية في خدمة الانسانية أم في خدمة مصالح الدول وصراعاتها القادمة ؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading