استقلال الذائقة بين سطوة الشهرة وحرية الاختيار ✍ غارسيا ناصح

ليس من الضروري أن يعجبنا ما يعجب الفنانين المشهورين، ولا أن نتبنى ما يُعرض علينا عبر الشاشات باعتباره المعيار الأعلى للذوق أو الحقيقة. فالشيوع لا يعني الصواب، والانتشار لا يمنح الفكرة حصانة من النقد. في عالمٍ تتزاحم فيه الأسماء اللامعة وتُفرض فيه الاتجاهات عبر الإعلام، يصبح من السهل أن يختلط الإعجاب الحقيقي بالتأثر القسري.
الفن، في جوهره، تجربة ذاتية قبل أن يكون ظاهرة جماعية. وما يحرّك روح إنسان قد يمرّ عابرًا في وجدان آخر دون أثر. لذلك، فإن محاولة توحيد الذائقة الفنية أو فرض نمطٍ واحدٍ من التلقي، تُعد نوعًا من الاختزال القاسي لتجربة إنسانية ثرية ومتنوعة.
هناك من يجد الجمال في الكلاسيكية، في الانضباط والتوازن والعودة إلى الأصول، بينما يرى آخرون أن الحداثة والعصرية تعبيرٌ أكثر صدقًا عن روح العصر وتحولاته. وبين هذين الاتجاهين، تتشكل آلاف المساحات الرمادية التي تعبّر عن اختلاف الأفراد، لا عن خطأ أحدهم.
المشكلة لا تكمن في اختلاف الأذواق، بل في الاعتقاد بأن الشهرة تُكسب الرأي صفة اليقين. فكم من فكرة لاقت رواجًا واسعًا، لكنها مع الزمن تلاشت، وكم من رؤية مهمّشة أصبحت لاحقًا علامة فارقة. إن التاريخ الفني نفسه شاهد على أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق الأثر واستمراريته.
إن الدفاع عن الذائقة الفردية ليس تمردًا على الفن، بل هو دفاع عن روحه. فالتنوع هو ما يمنح الإبداع حياته، والاختلاف هو ما يحفظه من الجمود. لذلك، من حق كل إنسان أن يرى الجمال بطريقته، وأن يختار ما يلامس روحه دون وصاية أو تقليد.
في النهاية، الفن ليس امتحانًا له إجابة واحدة صحيحة، بل هو سؤال مفتوح، لكلٍ منا أن يجيب عليه بطريقته الخاصة.
الفنان التشكيلي والشاعر:
غارسيا ناصح





