لا مشيخة للمؤرخين ، ولا امارة للشعراء ، ولا سلطة للفقهاء -أ.د. سيّار الجميل

سذاجة التفخيم والتعظيم
لا قامات ولا هامات في حياتنا الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة
أولاً : مقدمة
لقد توارث المجتمع، وخصوصا عندنا في العراق وفي مصر وبلاد الشام توصيفات غاية في التبجيل واضفاء صفات التفخيم والتعظيم التي ما أنزل الله بها من سلطان ، خصوصاً وأنّ الانسان كائن مهما بلغ من شأو في العلم والابداع ، فسيأتي يوماً من هو أكثر منه كفاءة وموسوعية وابداعاً .. وقد يتقبّل البعض مثل هذه التوصيفات ويشعر بالزهو ، ويكبر رأسه ، وكأنه الأفضل بين أقرانه في حين يتواضع آخرون ، ولا يتقبّلون مثل هذه الألقاب ويشعرونك بأنهم في منتهى التواضع .. وبالرغم من اعتداد معروف الرصافي – مثلا- بشخصيته وأدبه وفنه وفكره ، ولكنه رفض مرة من ناداه بأمير الشعراء رفضاً قاطعاً ، وهذا ما وجدته عند بعض القدماء فابي الحسن البصري الماوردي أبى أن تشاع هكذا ألقاب .. في حين يسعى البعض الى سماعها، فينتشي ويشعر بأنه أكبر من الآخرين كونه يتلبسه مركّب نقص فاضح. ويكثر هذا المديح للمسؤولين والساسة والمتسلطين في مواريثنا ، ولكن بين هؤلاء وبين ذوي الأدب والمعرفة مسافات كبيرة !
يطلقون اليوم في العراق”شيخ المؤرخين” أو “شيخ الادباء ” أو ” العبقري ” على كل من هبّ ودب ، وقديماً قيل ان بالغتَ في مديح أحدهم ، فكأنك تنال من آخرين في صنفه ! والحقيقة، ليس هناك مشيخة للمؤرخين ولا موسوعي فذ ، فالتاريخ بحر واسع الأبعاد لا يمكن لأحد أن يلمّ بكلّ جوانبه وأعماقه .. فهل يا ترى أن الرأي وجيه، يتطلب النقاش بالفعل ويستحق التأمل لمحو التمايزات التي تخلقها مثل هذه الادعاءات الفجّة ؟
ثانياً : أوصاف مستهلكة علينا التوقف عن ترديدها
تستخدم “المشيخة” في اللغة العربية أصلا غالباً في سياقات محددة، مثل: المشيخة الدينية (كأن نقول: شيخ الأزهر، شيخ الطريقة، شيخ القبيلة) أو المشيخة العمرية (أي كبير السن) فهل يجوز أن نقول “شيخ المؤرخين” أو “شيخ الأدباء”؟ العبارة ليست خاطئة، لكنها ليست مصطلحاً علمياً رسمياً (كما في “أستاذ كرسي” أو “بروفسور”. أو متخصص متمكن .. ) بل هي وصفٌ تكريمي أو مجازي، يُطلق على من بلغ القِمة أو تقدَّم سنًّا وعلماً في مجاله. وهل هناك من وصل الذروة في العالم ويشار الى اسمه بالبنان ؟
ان هذه الأوصاف تُستخدم مجازًا وتكريمًا لا توصيفًا رسميًا، وهي شبيهة بقولنا: ” أمير الشعراء” و” علّامة العراق” و “جهبذ الأدباء “.. وغيرها ألقاب تشريفية تعبّر مبالغة عن مجاملة وقد لا تكون صادقة بل منافقة ، وهي ألقاب لا نجدها في ثقافات أخرى بمثل هذا الزيف ، وهي ليست رتبًا أكاديمية أو تنظيمية . انّ جعل المشيخة أو الامارة أو القامة أو الهامة في الآداب والمعرفة رتباً رسمية أو مسميّات اجتماعية ويبعدها عن سياقها التقليدي، فلنا وجه حق في نقده نقداً مبرحاً ، كونه لا يدرك أنّ ثمّة تباينات في الأزمنة والأمكنة بصدد المبدعين والمثقفين وذوي الابداعات والمعرفة . وهناك من يسفهّها حتى إن كانت مشيخةً مجازية لغرض الاحترام، فللناس فيما تعشق مذاهب . انّ رفض استخدام “شيخ المؤرخين” أو “شيخ الأدباء” أو ” أمير الشعراء ” أو هذا ” الأكبر ” وذاك ” الأعظم ” … الخ ينبع غالبًا من رغبة في ضبط الألفاظ، وإبقاء المصطلحات في سياقها الصحيح، وهذا يُعدّ جزءًا من الأمانة العلمية والدقّة اللغوية.
ثالثاً: لماذا أرفض مثل هذه الألقاب ؟
نعم ، أرفضها لأنها تُضفي صبغة سلطوية غير موجودة في المجال الأدبي أو التاريخي. كما تُحوّل العلم إلى شبه طائفة، كما يحصل أحيانًا في الخطاب الديني. وتُقصي الآخرين ضمنًا، كأنّ هناك “شيخ” واحد، والبقية “مُريدون”. كما أنها ” حالة ” تخلط بين التكريم بالمدائح والرتبة المؤسّسية التي ضاع شأنها اليوم في الحياة العربية الحديثة . صحيح أنّ هناك بدائل أدّق لغويًا وأكاديميًا ، ولكنها غدت تطلق أكثر على أناس مجهولين أو لم يسمع بهم أحد ، أو على شباب ليست لهم تجارب وابداعات واتعاب حياة ، نجد ما يروج أيضاً : ” من كبار المؤرخين” ، ” رائد في مجاله” و ” مرجع في التاريخ “و ” أحد أعلام ..”.. و ” المثقف العظيم ” بل وبلغ السفه ببعضهم أن يطلق على نفسه بـ ” الموسوعي ” و ” الفيلسوف ” ! وكان قد بلغ الأمر أن يطلق أحد رؤساء الاتحاد العام للمؤرخين العرب في بغداد – رحمه الله – قبل سنين على كلّ عضو في اتحاده بـ ” الأبهّة ” !! وحتى الفقهاء ، فقد ابتذل أمرهم اليوم ، ولم ينفع دورهم في خضم هذا العالم المتحّول برغم ما يمتلكونه من سلطات مهيمنة في المجتمع !
رابعاً : وأخيرا : ماذا أقول ؟
فان هذه العبارات لا تحفظ القيمة ، بل وتقللّ من شأن الواصف والموصوف .. وعندي أنّ الانسان مهما بلغ من العلم درجات ، فهو زائل ولم يبق الّا عمله وأثره بين الناس ليحكموا عليه دون تضخيم أو تجاوز حدود المصطلحات. وعليه ، فأنا أدافع عن دقة التعبير واحترام حدود الألقاب، وهو موقف لغوي أصيل ، واعطاء كلّ ذي حقّ حقّه بعيداً عن التفخيم والتعظيم ، حتى لو خالف التيار السائد إعلاميًا.



