تناقضات التفكير في مجتمعاتنا – أ.د. سيّار الجميل

(شي ما يشبه شي) !
مشكلات معقدّة متى أزيلت .. انفتح الطريق أمام أجيال المستقبل
مقدمة
يتطّلب نقد تناقضات مجتمعاتنا الى تعميق الوعي والتحليل العلمي النزيه، وأن يربط النقد بالجذور التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لتفّهم وجود التناقضات، ولماذا هي مستمرة ومستفحلة حتى اليوم ؟وماذا أنتجت في مجتمعاتنا قاطبة؟ ومن المهم الإشارة إلى أنّ “مجتمعاتنا” ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تتنوّع تاريخياً وثقافياً.. وبرغم ذلك، فانّ هناك مجموعة هائلة التناقضات المشتركة التي يمكن ملاحظتها واضحة وهي تتبلور يوماً بعد يوم ،وتصل الى الذروة في بيئات غير متجانسة أبداً في بلداننا العربية، وهي تتفاقم خطورة في مجتمعات متخلفة ومتراجعة . وسأعرض أبرز تلك التناقضات :
1. التناقض بين الدين والتطبيق العملي
تُظهر مجتمعاتنا تمسّكًا قوّيًا بالقيم الدينية السامية، بينما يشهد الواقع انتشارًا لسلوكيات تناقض القيم السامية كالرشوة والكذب والظلم والتحّرش..والعنف الأسري .والقتل واضطهاد المرأة وسرقة حقوقها وسرقة المال العام والاختلاسات والاجرام انّ هذا التناقض يمكن أن يُعزى إلى تحويل الدين الحنيف من منظومة سلوك إلى طقوس شكليّة، ومظاهر اجتماعية إضافة إلى ضعف الأخلاقيات، والاعتماد على رجال دين دجّالين وملالي تافهين .صحيح أنّ الدين هو المعتقد الأساسي للإنسان ، لكنه في الوقت نفسه أداة هوية جماعية، وهو وسيلة لتحديد “من نحن” لا “كيف نعيش”. وفي هذا الزمن الكسيح تحوّل الدين بسموه وتجلّته إلى رمز انتماء سياسي عادي، واداة قهر اجتماعي والتزام بمظاهر كاذبة ، فكثر حجم المنافقين في مجتمعاتنا التي جرى التنكيل بقواها الفاعلة والمنتجة !
2. الدعوة للحرية مقابل رفض الاختلاف
كثيرٌ من الناس يطالبون بحريّة التعبير أو الفكر، لكنهم لا يقبلون الرأي المختلف عندما يتعارض مع معتقداتهم أو توجّهاتهم أو رؤيتهم السياسيّة أو ارثهم التاريخي التي يجترونه ليل نهار . يعود هذا إلى فهم مشوّه لمفهوم الحرية، إذ تُربط غالبًا بحرّية شخصية مشروطة بموافقة المجتمع أو العُرف، لا كأحد حقوق الانسان يحميه القانون. ويتمّ فصل السلوك عن العقيدة بترسيخ لفكرة عقيمة أن التدّين هو فقط في أداء العبادات واظهارها للناس بتمثّل دور الممثّل التافه، دون الالتزام الأخلاقي الكامل. عندما تغيب النماذج التي تطبّق القيم الدينية في مناصب السلطة أو الشهرة، اذ تنفصل القيم عن الواقع. وهيمنة الأحادية على التعدّدية ، والغلو والكراهية على المعايشة والتعاون.
3. الاعتزاز بالهوية مقابل تقليد الغرب وعدم الاستغناء عن منتجاته
يُعبَّر عن الفخر بالثقافة والموروث والأمجاد والتاريخ واجترار كلمة “الحضارة ” والمجتمع خواء ، لكن في الوقت نفسه يُعظَّم كلّ ما هو “غربي” من حيث الشكل، والموضة، أو حتى القيم والأساليب والأكل بالشوكة والسكين . يمكن تفسيره بازدواجية تربوية وإعلامية وبيئة بيتية واجتماعية ، فمن جهة يُلقَّن الفرد أنه يجب أن يفتخر بهوّيته ومواريثه وتقاليده البيئية، ومن جهة أخرى تُروّج الثقافة الغربية كرمز للتطّور والنجاح واستحضار أسماء مفكرين وفلاسفة من الغرب وهم لا يعرفون مجتمعاتنا أبداً. والحقيقة، أنّ مجتمعاتنا والعالم أجمع ليس باستطاعتهِما اليوم الاستغناء عن تكنولوجيا العصر لدقائق معدودة !
4. تأليه الداخل وتجريم الخارج
وهذا ما لاحظته عند الأغلبية ، فهو يعتقد انّ كلّ الموبقات والعفونات والأخطاء تأتي من الخارج وان الداخل ملائكي جميل بلا أمراض ولا علل . وقد وصل الأمر بالشاعر معروف الرصافي – ومن أتى من بعده- أن قال : ليس لنا الّا دواخلنا وموروثاتنا لبناء عظمتنا وأن لا نعتمد على تقليد أيّ فكر غربي! ولكن عندما نتعّمق في فكر الرصافي نفسه نجده يحكي عن الاشتراكية والداروينية ويريد من الناس ان يتبلشفوا ( أي : يصبحوا بلاشفة ) ! قال :
للإنكليز مطامع ببلادكم لا تنتهي إلّا بأن تتبلشفوا
وزاد الأمر سوءاً لاحقاً عندما قالوا : نأخذ من الغرب ما يصلح لنا ونترك ما لا يصلح لنا “، وكأنهم هم الذين يتفضلّون على العالم بكلّ ما يستخدمونه من منجزات! أي يستهلكون ما تنتجه التكنولوجيا ويتركون الفكر والفلسفات علماً بأنهم يعتمدون على تكنولوجيا الغرب في أسلحتهم وأجهزتهم وطائراتهم وسياراتهم وحتى ساعاتهم وملابسهم وغذائهم !
5. تمجيد الماضي مقابل إهمال الحاضر والمظهر عندهم أقوى من الجوهر
هناك تركيز كبير على إنجازات الأجداد (الخلافة، العلماء، الحضارة)، بينما تعاني كثير من الدول العربية من مشكلات في التعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد. ان التعلّق بالماضي قد يكون نوعًا من التعويض النفسي عن واقع محبط، أو هروب من المسؤولية الجماعية لبناء المستقبل. ويُعطى اهتمام مفرط بالمظاهر( اللباس، الكلام، الشكل الاجتماعي) على حساب السلوك والقيم الحقيقية. وهذا مرتبط بثقافة اجتماعية تقيّم الناس على ما “يبدو” لا على ما “يفعلون”، ويؤدي إلى نفاق اجتماعي وانتشار القيم السطحية والمجاملات الرخيصة بكلّ ما فيها من فجاجة وتفاهة .
6. الاحتكام للعقل والمطالبة بالعدل ورفض المساواة مجرد شعارات وخطب
يتم الترويج لأهمية “العقل” و”المنطق” في النقاشات العامة، لكن القرارات والمواقف في الحياة اليومية تُتخذ بناءً على العاطفة أو التقاليد أو الولاءات أو القرابة أو الوساطات . ربما لأن التعليم لا يرسّخ التفكير النقدي، بل يدرّس العقلانية كمفهوم نظري فقط، دون آليات عملية لتطبيقها.
كثيرون يطالبون بالعدالة في التعامل، لكنهم قد يرفضون المساواة التامة بين الرجل والمرأة، أو بين الأقليات والأغلبية. يُفهم العدل أحيانًا كـ “تمييز إيجابي” لصالح فئة معينة، وليس كحق للجميع، ما يعكس تشوشًا في المفاهيم الحقوقية.
7- الظواهر الخفية : العقلية القبلية والمواريث الطائفية وغياب المواطنة
في مجتمعات متخلفة لا تشعر بوجود تباينات خفية بين الناس ، فذاكرتهم متصارعة ومظاهرهم مشتركة ، ولكن بواطنهم منسلخة وظواهرهم مستنسخة .. لم يتغيّر الّا لباسهم، فقد لبسوا الملابس الفرنجية ،ولكن عقولهم لم تزل قبلية أو عشائرية أو طائفية أو ماضوية أو متحجّرة بعيدة جدا عن الوطنية والمواطنة .. تجدهم من أصحاب الشهادات العليا وهم يمارسون طقوساً بدائية في الخفاء وما يعلنون عنه هو عكس ما هو باطن عندهم ! وهذه من أخطر التناقضات في المجتمع العراقي خصوصاً .
8- مزاولة الأقنعة بما فيها من التواءات وتبريرات ..
فعندما تفتقد الصراحة والمواجهة تجري محاولات للمداورة والالتفاف وتتبّدى لغة الجسد والتلعثم كي تحكي قصة من نوع آخر. هؤلاء البشر لا يفصحون عن أدوارهم في عهود سوداء مضت حتى لا يعترفوا بادوارهم الخاطئة ، فتجدهم يلفّون ويدورون كي يضيعوا الناس باسلوب مفضوح يكشفه الأذكياء . وهذا انتاج ما صنعته الأيديولوجيات الوقحة في مجتمعاتنا ، وما تشبّع به الناس من رعب قاتل ستبقى آثاره طويلاً !
خلاصة عامة:
انّ كلّ هذه التناقضات في مستوى التفكير الجمعي ليست مجرّد مظاهر عشوائية، بل أنها ناتجة عن تراكم ترسبّات تاريخية طويلة من القيود، والقمع السياسي، وضعف التنمية. وهشاشة نظام تعليمي لا ينتج عقلًا نقديًا. مع عقم الوعي والرعب من السلطات واشاعة خطاب ديني وثقافي يركّز على المظهر دون الجوهر. مجتمعات تمرّ بمرحلةٍ انتقاليةٍ بين التقليد والحداثة دون رؤية واضحة ، ولا وجود لأي تحديث حقيقي للإنسان . أتمنى على الأجيال القادمة في القرن الحادي والعشرين التخلّص من هذه الآفات ، وإعادة التفكير في التغيير الحقيقي بالتوّقف تماما عند كل ما أنتجته التناقضات والمزدوجات والمؤدلجات ابان القرن العشرين والانفتاح على العالم بركائز قوّية لا مهزوزة .. وكنت أعجبُ من حروب القرن العشرين في بلداننا وافكر في قصيدة لا تعدّ شعراً كتبها نزار قباني عنوانها ” أصبح عندي الآن بندقية “، وقد غنّتها أم كلثوم ، ولكن الهزائم تتوالى ويجعلها الزعماء انتصارات! فالناس تشتم السوفييت وأميركا، ولكنهم يحاربون بدبابات سوفييتية وطائرات أميركية ويصل التناقض الى مفترق طرق عندما يهتفون وهم على ظهور تلك الدبابات بكلمتي ” الله أكبر ” ! شي ما يشبه شي !!





