مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

فوضى ( المعرفة ) العربية : ما هذا التنكيل بالذات والتاريخ والمعرفة والحياة ؟ سيّار الجميل

 

450548447 10226431082748854 4339906033633854242 n

                            
أولاً : مشكلات لا حصر لها
ليسَ هناكَ أمّة من الأمم تتهدّم حصونها من دواخلها  كما هو حال 
العرب اليوم !  وليس هناك من يمارس
التنكيل بنفسه وبذاته وتاريخه وأخلاقياته الّا ما يفعله أولئك الذين يحملون ثقافة
عربية وَهم من ألّد أعدائها !  وليس هناك
أيّ مجتمعٍ في الدنيا يقوم باسقاطِ حاضرهِ على ماضيه ، ويُكثر من المطلقات
والأحكام بلا فهمٍ ولا علمٍ  ولا تدقيقٍ
ولا تفكيرٍ نسبي ، ولا اتساع أفق  أو ما
أجده اليوم عند أناس ليسوا بقليليين وَهم للأسف يحملون شهادات عليا ، ولكنهم من
أبعد الناس عن المعرفة الحقيقية ومستلزماتها وأخلاقياتها .. وأجد مظاهر ذلك واضحة
اليوم  ونحن نواجه أناساً  وجهاً لوجهٍ وليس كما كان سابقاً  .. فقد كنّا نقرأ  ونتعلم على أيدي عمالقة متواضعين ، لكننا اليوم
نجلس مع مومياءات مدلسّين وأناس جهلة ينكلّون بمجتمعهم وتاريخهم وأوطانهم ومعتقدات
أهلهم .. وما أن ينتهي المحاضر من فذلكاته حتى يبدأ الحوار، فتسعدك بعض المداخلات
واخرى تسمعها وترى العجب العجاب وتقف على عجائب وغرائب من الكلام واطلاق الاحكام
واستعراض العضلات ..  تجد نفسك أمام
مسرح  اللا معقول يتفاقم فيه العبث واللا
جدوى والاخطاء وأبقى أدون ملاحظاتي لاختم الموضوع . وكأني أجلس متمتعّاً وأنا
أشاهد مسرحية صموئيل بيكيت 1906-1989 التي أسماها “في انتظار غودو” اذ
تختصر سمة ما يجري اليوم في ثقافتنا العربية بغموض الأفكار  وانعدام الموضوعية والتوازن  مع غياب أيّة 
حلول واستنتاجات !
ثانياً : محاضرة  أشتات
وشتات لا في موضوع له محددات

حضرتُ قبل يومين محاضرة على الزووم دعاني اليها أصدقاء أعزاء
في ملتقى ثقافي ، وكنت أتأمل في عنوان المحاضرة ، ولكنني لم أسمع بالضيفة التي
ستلقي  محاضرتها ، ولم اسمع باسمها من قبل
كما لم اقرأ لها حرفاً واحداً ، وقد أسمت نفسها “بروفيسورة ” ولا أعرف
ان كانت كذلك أم لا !!   وبدأت  محاضرتها 
وانتهت منها  من دون تحديد أي اطار
منهجي لموضوعها أو  أيّ محاور وبقيت أستمع
الى فوضى مصطلحات تستخدمها من دون أن تعرف معانيها  .. كان تركيزها  على 
نقطتين أساسيتين:  العرب والاسلام،
وكأن العرب لوحدهم قد تراجعوا في هذه الدنيا، اذ نكلّت بهم  كونهم من المتخلفين والجهلة ولا عقل لهم
وبقيت  تسقط كلّ المواصفات السيئة  بحقّ العرب من دون رؤية شعوبٍ أخرى ومستوى
تفكيرها وعجزها الحضاري واخلاقياتها المتدّنية . ثم انتقلت الى الدين لتنال منه
باسم “رجال الدين”، بل تكلمّت ضدّ الاسلام  باسم الدين! 
من ضمن حرياتك الفكرية أن تتحدثي عن الدين، ولكن ليس من حقّك الافتراء
والطعن ، وليس من حقك خلط الأوراق  وانت لا
تفقهين  شيئاً  لا في التاريخ ، ولا في العقائد ، ولا في
الحياة ، ولا في المعرفة ..
ثالثاً : ماذا حدث لتفكير المثقفين في مجتمعاتنا العربية ؟
سألت نفسي قبل أن  أردّ
عليها بلا مجاملات مفتعلة : ما هذا الذي 
يحدث؟  ماذا أصاب تفكير (المثقفين)
في مجتمعاتنا؟اذا كانت ثمّة سياسات خاطئة وتحدّيات خطيرة وحروب تواجهنا، فلماذا
تسقطون حاضركم المرير على تاريخكم وعلى مجتمعاتكم؟ لا تجعلوا من أنفسكم فلاسفة
وانتم لا تعرفون الاخضر من اليابس. سيضحك عليكم احفادكم ، وأعلموا أنّ الفلاسفة
العظماء في الشرق والغرب قد أتوا من ردهات الكنائس  وأفنية المساجد . اذا لم يعجبكم الاسلام فلا
حاجة الى شتمه فالعقائد لا تشتم ، وان لم يعجبكم العرب كونهم أصحاب تاريخ
دموي  ، فاقرأوا تواريخ الأمم الاوربية
المتقدّمة اليوم وأنتم معجبون بها واعلموا كم أحرقت اوروبا من العلماء والفلاسفة
باسم الدين والكنيسة،وكم أخذوا من علمائنا وفلاسفتنا ومؤرخينا  ومفكّرينا.. وأعلموا أنّ الأفكار التي ترّوجون
لها  لا صلة لها بواقعنا  وحياتنا ، فأنتم تستوردونها من دون أيّ معرفة
بها ، وهي لا تستقيم في مجتمعاتنا أبداً ! 
لا يهمّني ان ازدحم الواقع بمثقفين صعاليك أو مجانين أو مسحوقين ومهمشّين
ولكنهم من المبدعين حقّاً لا الطارئين على العلم والثقافة !
رابعاً : سمو النقد وأخلاقياته بعيداً عن الردح والشتم وفقدان
الاحترام
 ولماذا كلّ هذا الجحود
بالتكتّم على الايجابيات وترويج  المثالب
والسلبيات؟ ان هذا النمط من البشر اما غبي جداً وضيق الأفق  بحيث لا رؤية له ، ولا تقدير للأمور عنده. وأما
يكون متعصّباً ومهرّجاً لطرف معين يحمل أحقاد الدنيا المتراكمة ضدّ مجتمعاتنا
وثقافتنا، وهو يريد النيل منها بأية وسيلة ! لقد التقيت في حياتي وفي بيئات أوربية
غربية وآسيوية شرقية بأعدادٍ كبيرةٍ من المثقفين والمدركين وبعضهم من الليبراليين
والراديكاليين والمتدّينين، لكنني لم أجد أي واحدٍ منهم ينال من ثقافة مجتمعه أو
تاريخه أو حتى دينه ولم يستخدم أحدهم أيّ هراء في ما يقول، فان لم يكن متأكدّاً من
المعلومات فلا يطلقها أبداً كونه مارس منذ صغره أخلاقيات المعرفة ، ويدرك أنّ
للكلمة وزنها عندما يصدرها أيّ انسان باسمه! لم ألق أيّ مثقف حقيقي من هؤلاء يتدنى
ويتحدّث باسم أيّ طائفةٍ أو مذهبٍ ديني ! لم يصغر عقله ويقرن الحاضر بما مضى قبل
1400 سنة، بل يؤمن بأنّ الحياة تتجدّد في كلّ يوم ولكن تترك رموزها لتحترم! لم
يستخدم أيّة مصطلحات ومفاهيم يجهل معانيها ! يستخدم النقد لا التجريح ويقول ما
لديه بكل شجاعة ! لم يستخدم أية فكرة الّا وقرنها باسم صاحبها حتى لو كان خصماً
فكرياً له !  لم يغيّب اسم أيّ مؤلف أو
كاتب وهو يطرح مفهوماً أو مشروعاً ! لم يستلب الاخرين ولا يحقد عليهم  جاعلاً اياهم خصومه  كونه لم يصل الى مستواهم !وخصومه لم يهتموا به
أبداً فهم مشغولون بتقديم أنماط جديدة من الابداعات .
خامساً : وأخيرا : 
الملتقيات على الزووم  كشفت بضاعة
المثقفين والمتخصصين القدماء والجدد
مع الأسف الشديد ، مجتمعاتنا تعيش فوضى لا أخلاقية باسم (
المعرفة )، وهي لا تعرف ما الذي  تمارسه
باسمها ! والأغرب في مثل هذه المحاضرات التي تقوم بها مشكورة هذه الملتقيات ،
فيبدو  حجم المجاملات يكبر ويكبر، فالنفخ
مستمر، والتعليق يأتي متنطّعاً لم يكحلّها بل يعميها مع غياب النقد والتشريح وجهاً
لوجه .. وقد اختفى التراجع عن الخطأ  الى
الابد كما يفعل العلماء  .  ولكن من فضائل مثل هكذا “محاضرات”
انها تكشف الوجه الحقيقي لكلّ من يغامر بأيّ كلام 
محاضراً أم معلّقا أم مهرّجاً 
ليكشف بضاعته على الناس . 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading