العراق: جمهورية الولاءات المزمنة – سيار الجميل

1- احتكار السلطة
في العراق، لا تتشكّل الوزارات كما تتشكّل الحكومات في الدول الطبيعية، فأي وزارة عراقية تُرتّبها موائد الولائم السياسية: وتجمعات الأحزاب المزمنة القائمة على أسس طائفية او عرقية او جهوية وتجري تفاهماتها في الكواليس. أما الشعب، فيُطلب منه كالعادة أن يصفق لـ”العرس الديمقراطي”، والبيت كله خربة على وشك الانهيار. الوزارة الجديدة جاءت كأنها نسخة رديئة معاد تدويرها من عشرين عاماً من الفشل ذاته. أسماء تدور في نفس الفلك، وجوه استهلكتها الصفقات والمحاصصة، وشخصيات لا تملك من الخبرة سوى قدرتها على البقاء داخل مستنقع السلطة دون أن تغرق. وزراء لا يحملون مشروع دولة، بل مشاريع أحزاب ومكاتب اقتصادية وعلاقات خارجية وصفقات ترضية ، وكأن العراق لم يعد وطناً بل شركة مساهمة تتقاسم أرباحها طبقة سياسية احترفت تقاسم الخراب. انه احتكار للسلطة باسم الديمقراطية .
2- ثقافة الفساد
من المفترض أن الوزير في أي دولة محترمة يكون صاحب كفاءة ورؤية ومسؤولية تاريخية وبرنامج ذكي ، أما في العراق فالمعيار يبدو مختلفاً تماماً فالطاعة والولاء ضمن صفقة علاقات تضمن بقاء النفوذ الإيراني أو الحزبي أو الميليشياوي؟ امثال هذا أو ذاك مؤهل لإدارة بلد يطفو فوق بحر من النفط ويغرق في الظلام. والأكثر سخرية أن هذه الطبقة السياسية لا تزال تتحدث باسم الديمقراطية، وكأن الديمقراطية تعني أن تعيد نفس الوجوه تدوير نفسها لعقدين كاملين بينما يهاجر الشباب، وتنهار الخدمات، وتُنهب الثروات، ويهمّش كل المبدعين ويُترك المواطن بين الفقر والبطالة واليأس. لقد تحولت الديمقراطية في العراق، على أيديهم، من نظام لبناء الدولة إلى مسرح كبير لتوزيع الغنائم تحت شعارات براقة فارغة. بل وبات العراق بايدي عشرة اشخاص يمثلون طبقة بنتهامية فاسدة .
3- الاهتراء والارتهان
وإذا كانت الحكومات تُقاس أيضاً بعلاقاتها الخارجية، فإن المشهد العراقي يبدو أشبه بسفينة فقدت بوصلتها وسط بحر من التناقضات. علاقات سياسية مهترئة مع الجيران، لا تقوم على احترام المصالح الوطنية بقدر ما تقوم على الارتهان والتوازنات الهشة. العراق الذي كان يوماً رقماً صعباً في المنطقة، أصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يتلقى الضربات من الجميع ولا يملك قرار الرد. الحدود رخوة، السيادة مرتبكة، والدبلوماسية العراقية تحولت إلى موظف استقبال لمشاريع الآخرين. فلا رؤية استراتيجية واضحة، ولا سياسة خارجية مستقلة تحفظ للعراق هيبته ومكانته، بل سلسلة من التنازلات التي تُقدم تحت عناوين الواقعية السياسية، بينما الحقيقة أنها انعكاس لضعف القرار الوطني وارتهانه للخارج.
4- انحدار النسبة والتناسب
أما الفساد، فلم يعد مجرد “ظاهرة” في العراق، بل تحول إلى نظام حكم كامل له أذرعه وحماته ومريدوه. فساد يبتلع المليارات فيما المدارس تتهاوى والمستشفيات تتحوّل إلى مقابر بطيئة والطرق تزداد خراباً رغم الميزانيات الانفجارية. لم يعد العراقي يسأل: “هل هناك فساد؟” بل أصبح يسأل بدهشة: “هل بقي شيء لم يفسد بعد؟”. العقود تُباع، المناصب تُشترى، المشاريع تُنهب قبل أن تبدأ، واللصوص يرتدون بدلات رسمية باربطة فاخرة ويتحدثون عن الوطنية على شاشات التلفاز دون خجل. والأسوأ أن الفاسد في العراق لا يُحاسب، بل يُكافأ أحياناً بمنصب أعلى وحماية أكبر.
وفي مقابل هذا الانحدار، تقف مأساة أخرى أكثر إيلاماً: الإهمال المتعمّد للكفاءات العراقية اللامعة المنتشرة حول العالم. وهم الذين أثبتوا نجاحهم في المؤسسات الدولية، تُغلق أبواب الوطن في وجوههم لأنهم لا ينتمون إلى حزب نافذ أو ميليشيا مؤثرة. العراق الذي أنجب العقول، صاروا من المهمشّين ويرحلون بصمت، بينما تُمنح المناصب الحساسة لأشباه الأميين السياسيين وأصحاب الولاءات الضيقة . كم هو مؤلم أن ترى العراق يُدار من أشخاص لا يجيدون سوى لغة الصفقات والمحاصصة. لقد أصبح الانتماء الحزبي أهم من الشهادة، والولاء الخارجي أقوى من الكفاءة الوطنية، وهذه وحدها كافية لشرح سبب استمرار الانهيار. كيف يمكن بناء مستقبل للعراق بوزراء تحكمهم المصالح الضيقة قبل المصلحة الوطنية؟ كيف يمكن إصلاح التعليم بمن يرى الوزارة فرصة للتعيينات الحزبية؟ وكيف يمكن إنقاذ الاقتصاد بمن لا يرى في الدولة سوى خزنة مفتوحة؟ إن الدول تُبنى بالكفاءات والعقول الحرة، لا بالتابعين والمنتفعين وأصحاب الولاءات العابرة للحدود لقد غدا حكم العراق بأيدي دمى يحركها المحاصصون وهم ضمن طبقة تاريخها مشبع بالفساد .
5- سقف الأحلام وشبح لا يغادر
أما النفوذ الإيراني، فقد أصبح كالشبح الذي لا يغادر المشهد العراقي. كثير من هذه الأسماء لا تتحرك بعقل الدولة العراقية، بل بعقل محور ايران المهيمن . العراق بالنسبة لهم ليس مشروع وطن مستقل، بل ساحة نفوذ يجب إبقاؤها ضعيفة، متعبة، مضطربة بأزماتها، كي تبقى خاضعة لمن يمسك بخيوط اللعبة من الخارج. فلا غرابة ببقاء الفساد واقصاء الكفاءة ، والتهمة بالوطنية المؤلم أن العراقيين لم يعودوا ينتظرون معجزات من هكذا حكومات، بل أصبح سقف أحلامهم ألا تكون الوزارة الجديدة أسوأ من سابقتها. تخيل حجم الانحدار حين يتحول الأمل الشعبي من بناء دولة عظيمة إلى مجرد النجاة من كارثة جديدة. مع رؤساء وزراء لا يجيدون القراءة والكتابة ، وهم بحاجة الى مدرسة ابتدائية يتعلمون فيها درس القراءة من جديد !
6- متى تتبدل عقلية الغنيمة ؟
العراق لا تنقصه الثروات ولا العقول ، لكنه مبتلى بالفساد . والفاسدون يعترفون ويكذبون ومخاتلتهم متقّنة من أجل السلطة والمصلحة . ووسط هذا الخراب، ما زال المواطن البسيط يُطلب منه أن يصبر، وأن يصدق الخطابات نفسها التي سمعها منذ سقوط بغداد وحتى اليوم. لكن الحقيقة التي يخشونها هي أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى من سرق أحلامها وأضاع حياة وطن كامل باسم الديمقراطية والمقاومة والشعارات الجوفاء. إن العراق لن ينهض ما دام يُدار بعقلية الغنيمة، وما دامت الوزارات تُوزع كحصص حرب، وما دام الولاء للحزب أو الخارج أعلى من الولاء للوطن. فالدول لا يبنيها السماسرة السياسيون، بل يبنيها رجال دولة حقيقيون يعرفون أن الوطن أكبر من الحزب، وأقدس من النفوذ، وأبقى من الكرسي.




